وحشة


هدية حسين*


أنظف الشقة مرتين في اليوم، أمسح زجاج النوافذ، أغسل الملابس المغسولة، أكوي المكوية، أغيّر أماكن قطع الأثاث، أرفع هذه اللوحة من هذا الجدار وأعلقها على جدار آخر، وكذلك أفعل مع بقية اللوحات، أعيد «تصفيط» الملابس في الخزانة، أرتب ما كنت قد رتبته من قبل، لا أجلس في البلكونة بسبب البرد القارس والثلوج التي لا تكف عن تحويل المدينة الى بياض، أنظر من خلال النوافذ، ألاحق السيارات المنطلقة، وأرى الذين يسرعون إلى مواقف الباص بمعاطفهم الثقيلة ومظلاتهم الداكنة، أعدّ الشجر، وأتابع جوقات العصافير وهي تنطلق وتحلق بعيداً غير مكترثة بالثلوج، ما ضر لو نبت لي جناحان؟ 
أغتسل، أبقى فترة طويلة غارقة في ماء «البانيو»، أعيد كل الأحلام التي كانت لي، والتي لم تتحقق، أحققها في أحلام يقظتي وأغير مساراتها لصالحي، أقف أمام المرآة، لا أدقق كثيراً في ملامحي التي تغيرت، بل اعتدت أن أنظر شزراً إليّ لكي لا أرى امرأة أخرى في المرآة، أضفر شعري أربع ضفيرات، وقد أفك الضفائر بعد وقت قصير وأجعل شعري منسدلاً على كتفيّ، ثم لا ألبث أن ألملمه إلى الخلف وأشده بشريط ملوّن، الكتب التي لدي مثل جثث بدأت تتآكل، ألقي عليها نظرة وأشيح بوجهي عنها، أعدت قراءتها مرات ومرات وما عادت تمتلك دهشتها، وحينما أشعر بالجوع آكل من دون شهية.
كل ذلك أفعله يومياً كما لو أنه فيلم يتكرر، ومع ذلك تبقى للنهار ساعات طويلة، وإذا انقضت فستعقبها ساعات الليل، أغمض عينيّ ولا أنام مثل بقية البشر، بل أتقلب في الفراش كأنني أنام على شوك، أنزل مراراً من السرير وأنظر من النافذة، بيوت المدينة هاجعة، ووميض السيارات يتخاطف، وثمة ظلال تتحرك وراء الستائر في البيوت الأخرى، ولا أعرف ماذا يحدث في العالم، العُطْل في البناية التي أسكنها لم يصلّح منذ شهر فحجب عني الإنترنت والتلفاز، الوسيلة الوحيدة لتواصلٍ افتراضي بعد أن تعذّر الاتصال بالبشر، البشر الذين من لحم ودم وليسوا أولئك الذين يأتون إليّ بالتذكّر، الحقيقيون لا يحضرون، حكاياتهم هي التي تحضر، وقد تشوهت بفعل التكرار، حتى إنها لم تعد كما كانت، أصبحت شيئاً آخر لا أعرفه بعد أن لبست لبوس إضافاتي وأوهامي، وأصحابها رحلوا… لا لم يرحلوا، أنا التي رحلت، تاركة في ذاكرتهم وجه امرأة مفعمة بالحياة لا تعرفني الآن.
سأتريّث قليلاً ولن أحكي عن فراغ روحي الشاسع، أخشى أن يتسع ضياعي، لكنني لن أقدر أبداً على تجاوز المحنة، محنة المرأة التي لا تجد ما تسد به ثقوب هذا الفراغ فتتركه مثل نهر آثر الجموح عن مساره، سأحكي عن أيام أُخَر، عن حكاية هي الوحيدة التي لم تنل منها الأيام ولم يفقدها التكرار جدّتها، أزجي بها الوقت الثقيل الممدود إلى ما لا نهاية، وسأبدأ بعبارة كثيراً ما بدأ بها الأقدمون.
كان يا ما كان، في زمن ضاعت ساعاته وانطوت أيامه، ثمة فتاة سمراء حلوة العينين، لمّاحة، عذبة الحديث، تمناها كثير من الرجال، لكنها تمنّت رجلاً واحداً أخذته الحياة إلى جهة أخرى بعد أن أذاقها جرعة من الحب، ولم تدرك إلا في وقت متأخر جداً، أن السم كان مدسوساً في عسل تلك الجرعة، وأن الحياة لم تأخذه إلى جهة أخرى، بل هو الذي أدار دفة السفينة وآثر الابتعاد، فعندما تستبدل القلوب بمشاعرها الرقيقة حفنةً من الحجر ينبغي على الطرف الآخر أن يعرف أي نوع من السم كان مدسوساً في عسل الكلام، لكنها استمرأت اللعبة وظلت تنتظر عودته، ولم يعد.. صار أبعد من النجوم، استوطن المجرات البعيدة وتوارى خلف كم هائل من الكواكب… تلاشى.. واختل نظام الكون.
ولكي تهرب من أحلامها البائسىة وتأويلاتها وطول انتظاراتها، فقد رحلت إلى مدن نائية، لعلها تستعيد ألق تلك الفتاة التي ضلّت طريقها، ما إن حطت في المدن الغريبة حتى اكتشفت أن النجوم في السماء هي النجوم، والكواكب ما تزال جاثمة أو سيارة في الكون الشاسع، الشمس تشرق من الشرق والليل يعقبه النهار، ولم يتغير شيء في نظام الكون، هي وحدها التي تغيرت، المرارة في حلقها تزداد مرارة، والفراغ يتسع في قاع روحها، وأنها لم تحلّق بعيداً ما دامت الأصفاد لم تغادر معصميها بعد.. وجدت بانتظارها كل ما تركته وراءها من مرارات، كأنها انتظرت مجيئها، استقبلتها في المطارات والموانئ، وحطت معها في الفنادق والشقق الصغيرة التي استأجرتها، وحتى في الطرقات والساحات وزحمة الناس، ثم عششت، تلك المرارات، في رأسها، أصبحت لها جذور قوية وجذوع متينة وأغصان متفرعة إلى ما لا نهاية.
لا.. أبداً.. لم أهرب بسبب رجل غيّر اتجاه بوصلته، هربتُ من أشياء أخرى لا أود الخوض فيها، ولا أريد تذكرها لكي لا تنفجر بئر روحي، فلماذا أتعكز على حكاية ذلك الرجل الذي لا يدري أنني صنعت له قبراً في قلبي منذ زمن بعيد؟ هو الآن خارج زمني، وزمني الآن خارج افتراضاتي، أو هكذا أراه، مثل عجوز أضنته الأمراض، يحاول البحث عن فسحة ليستريح فيها.
يوم رحلت عن مدني كنت أظن أنني أمسكت بمصيري، لم ألتفت إلى الوراء، بقيت عازمة على النظر إلى الأمام، دون أن أعي أن الأمام صار ورائي، هو دائماً ورائي ولم أنتبه، لكنني أثرثر هذه الساعة لكي أرتّق ثقوب الوحشة حتى لا تتسع، إلا أنها تتسع على الرغم مني، وتتمدد وتستطيل، فأفز كأنني تذكرت شيئاً، أنحّي ثرثرتي جانباً، وأقوم من جلستي، أنظف الشقة للمرة الثالثة، أنزع الشريط عن رأسي الملموم وأضفره ثانية، ست ضفيرات هذه المرة، أنزع أغطية الوسائد وأغسلها، أرتبها على المنشر داخل الشقة قريباً من التدفئة، أتطلع إلى زهراتها المطرزة أو المطبوعة على حوافها فأراها قد فقدت رونقها بفعل تكرار الغسل تماماً مثل تلك الحكايات التي فقدت بريقها ولم أعد أعرفها، أرمي بصري إلى النافذة، ما تزال الثلوج تتساقط ، ندف الثلج تكبر، يطيّرها الهواء صعوداً ونزولاً، يميناً وشمالاً، تبدو حركتها أحياناً متخبطة مثل فراشات تدور حول نفسها، أحس أنني أغطس في زمهرير العالم، العالم الذي يستعد للرقص في أعياد رأس السنة، يصفعني البرد على الرغم من الزجاج العازل، أفتح الخزانات وأكدس الثياب على سرير نومي لأعيد ترتيبها في الخزانة، أشعر بجوع فآكل من دون شهية.. أغتسل، وأمضي إلى أحلام يقظتي حتى يأتي الليل، وفي الليل تحط الوحشة بكامل أناقتها، فأتقلب على شوك الفراش، ثم أنزل من السرير، وأتابع ما كنت قد شاهدته من خلال النوافذ في الليلة الفائتة، أنظر إلى ظلال الناس وراء الستائر، وأحلم بأشياء ما عاد لها وجود… يا ألله… كم هو موحش ومتوحش هذا العالم عندما لا تجد من تصاحبه وأنت مرمي إلى حافات الدنيا..



* كاتبة من العراق تقيم في كندا

( الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

لَوْحَة

خاص- ثقافات *وفاء فضل لوحة (1) عاريةٌ وخَلْفُها نافذةٌ تُمطرُ انتظار، يأتيها وفوق رأسها يُغلِقُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *