الرئيسية / نصوص / قصيدة الشتاء للإيراني مهدي أخوان ثالث

قصيدة الشتاء للإيراني مهدي أخوان ثالث


*ترجمة وتعليق: علي ياسين عبيدات

( ثقافات )

يقول العلامة يوسف بكار:الترجمة تطفل على الإلهام..!
الشاعر:
مهدي أخوان ثالث…1928- 1990 
ولد الشاعر والناقد والموسيقي مهدي أخوان ثالث في مدينة مشهد الايرانية، وعاش في كنف عائلة ايرانية محافظة، فكان والده “علي اخوان ثالث” يعمل في العطارة ويملك محلاً يزاول فيه مهنته كعطار وعشّاب.
تعلم مهدي في مدارس مشهد وأنهى هناك تعليمه الابتدائي والمتوسط، وتعلم الموسيقى أيضاً، فقد كان مهدي مولعاً بالموسيقى والعزف وكان يتعلمها ويعزفها سراً دون علم والديه، ليجبر في النهاية على ترك الموسيقى والاتجاه نحو الشعر، وقد ساعده في هذا معلمه “برويز كاويان”. فقرأ مهدي الشعر الخراساني (حقبة أدبية مهمة في تاريخ الأدب الفارسي) ومن الأعلام الذين تأثر مهدي بأسلوبهم: شاعر الفُرس الأكبر وصاحب ملحمة الشاهنامة “الفردوسي” وشاعر آخر من فحول الشعر الفارسي “منوچهري دامغاني”. 
وبدأ مهدي يشق طريقه الشعري مستخدماً القوالب الشعرية الكلاسيكية، وكان هذا قبل أن يستخدم القوالب الشعرية الحديثة(الشعر النيميائي، وهو رديف الشعر الحر عند العرب). 
اختار مهدي لنفسه اسم التخلص (والتخلص هو الاسم الذي يختاره الشاعر لنفسه ليكون رمزاً له ولشعريته) فكان اسمه “م.اميد” وأقرب معنى للإسم هو الآمل او المتفائل، ومن بعدها كتب مهدي ديوانه الأول “آرغنون” ونُشر في سنة 1951، ثم نشر ديوانه “زمستان” في 1956، واستمرت أعماله الشعرية منذ ذلك الحين حتى وفاته، وكتب في النقد، وله سبعة مؤلفات في النقد الأدبي، وأما دواوينه الشعرية فهي 15 ديواناً شعرياً منشوراً. 
انتقل مهدي إلى طهران وعمل فيها معلماً، وبدأ شعره يُزعج السلطات وقد سُجِن غير مرة، وأبعدته السلطات عن طهران ونقلته إلى مدينة كاشان، وفي عام 1950 تزوج مهدي من ابنة عمه “خديجة” وأنجب منها ثلاث فتيات (لاله، لولى، تنسقل) وثلاثة أولاد (زردشت، مزدك علي، توس) وقد ماتت ابنته “تسقل” عندما كان عمرها أربعة أيام، وماتت الكُبرى “لاله” غرقاً في أحد السدود.
واصل مهدي رفضه لسياسات الشاه والدولة ليعود إلى السجن في 1954. وما أن أفرِج عنه حتى انتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون، وبقي على هذا الحال حتى عاد إلى طهران في 1974 ليعمل في الإذاعة الوطنية، وبعد عام عُين في جامعة طهران كمدرس للأدب الفارسي (لم يكن يحمل شهادة الدكتوراة او حتى الماجستير) و بقي مدرساً فيها حتى 1981 ليفصل منها دون أن ينال أي حق من حقوق التقاعد، لا سيما أنه شاعرٌ غير مرضي عنه، فهو لا يجيد شعر المدائح والتملق للحكام، وهناك قصة يتداولها الإيرانيون بهذا الشأن، فقد اتصل علي خامنئي بمهدي أخوان ثالث بعد قيامهم بالثورة الإسلامية، وقال له: لقد قمنا بالثورة وأسقطنا الشاه الذي كنت تهاجمه، فمالك لا تؤيد الثورة المباركة ولا تدعم طريقتنا في حكم البلاد؟ فرد عليه مهدي وقال: أنا دائماً ضد السلطة ولست معها..! 
طُرِد مهدي من العمل، وارتحل إلى بعض البلدان الأوربية ليقدم هناك أمسيات شعرية، وما أن عاد حتى كتب وصيته وأوصى بأن يُدفن بالقرب من حبيبه الفردوسي في مدينة مشهد، وبالفعل دُفن هناك في سنة 1990 ليتجاور شعراء الحماسة القديمة والجديدة. مات مهدي تاركاً خلفه إرثاً شعرياً كبيراً ورصيد محبة عند الإيرانين وكل قرائه….
القصيدة
لم تترجم قصائد مهدي أخوان ثالث إلى العربية – كغيره من شعراء الفرس – وهذا امتداد لتردي حال الأدب المقارن في عالمنا العربي، وضياع الأولويات الضائعة أصلاً! فمهما بحث المرء لن يجد مقالاً او قصيدة مترجمة عن الفارسية لمهدي أخوان ثالث -إلا ما ندر- وبمعية محرك البحث “جوجل” فقد عثرتُ على ترجمة يتيمة للقصيدة التي أقدمها لكم، لكنها للأسف بعيدة كل البعد عن الترجمة وحرفيتها، وخصوصاً ترجمة الشعر، ولا أزعم بأن ترجمتي ستكون خالية من الأخطاء رغم اهتمامي وتعبي عليها وطول بحثي عن المفردات التي تليق بالمفردة الفارسية وتمثلها خير تمثيل، لا سيما أنني أترجم عن لغة تختلف كل الاختلاف عن لغتنا العربية، فلكل لغة خصوصيتها وبنيتها، فالعربية لغة اشتقاق والفارسية لغة تركيب، وبين أن تّحلِب المعنى في الأولى وأن تُقطِعه وتّجمعُه في الثانية – تكمن المشكلة- وهذا بخلاف الذائقة العربية والأخرى الفارسية، وكيفية مخاطبة العربي بلغة شعرية ألفها واعتاد على تآلفاتها وتقابلاتها.
تعتبر قصيدة الشتاء(1956) لمهدي أخوان ثالث من القصائد المشهورة والتي رفعت من شأنه وجعلته يتزعم الحركة الأدبية في ذلك الوقت المليء بالكبار كسهراب سبهري شاعر الماء والتصوف الجديد، وشهريار كشاعر حداثي بقالب كلاسيكي، وفروغ كثائرة على السائد ونيما يوشيج أب الشعر الفارسي الحديث، فبوسع قارئ القصيدة أن يدرك جماليات الشتاء كفصل كئيب ومليء بالوجوم(هكذا يراه الايراني) وبوسعه أن يرى تخبط الدولة واختناق الشعب والكبت والتعذيب والاعتقالات(ثورة مصدق وقتل واعتقال الشيوعيين) التي كانت تسود المشهد الإيراني (ثقافيا واجتماعيا وسياسيا) ولعل مهدي اخوان ثالث يختزل كل تلك الحقبة في هذه القصيدة بما فيها من إشارت ودلالات تعبر عن الطابع النفسي للشاعر والطابع العام للمجتمع، فنراه ناجحاً في مزج عناء الإنسان بسبب الشتاء كفصل بارد، مع خوف و مهادنة وعناء المواطن وهو يتجرع برد الشتاء كنظام سياسي يحكمه.
كتب مهدي هذه القصيدة بعد أن أطلق سراحه من سجنه – سجن أكثر من مرة – وقد تحدث عن إحجام الناس عنه وصدهم له، لا سيما أن سجنه تكرر وصار عدواً للسلطة وسيسبب المتاعب لمن هم حوله، ليستغنوا عنه وعن صداقته في النهايةدون أن يعيروه أي اهتمام. 
وفي قصيدة تتخذ من التأويل عصباً لها لا يسعنا أن نفهم القصيدة من هذه الزاوية فقط، فالشاعر أيضاً يصف انشغال الناس مع مصالحهم وعدم اكتراثهم لما يحدثفكل واحدٍ منهم يتدبر شؤونه ولا يراعي ما يحدث ولا يجرؤ حتى على أن يقول رأيه او يستهجن ما يحدث له، وهذا امتداد لسياسات الاختناق التي تستخدمها الدولة وتُكبل فيها أفواه الشعب. 
النص بالفارسية :

زمــســتـــان

« سلامت را نمي¬خواهند پاسخ گفت 
سرها در گريبان است
كسي سر بر نيارد كرد پاسخ¬گفتن و ديدارِ ياران را 
نگه جز پيش پا را ديد، نتواند 
كه ره تاريك و لغزان است
وگر دستِ محبت سوي كسي يازي 
به اكراه آورد دست از بغل بيرون 
كه سرما سخت سوزان است

نفس، كز گرمگاه سينه مي آيد برون، ابري شود تاريك 
چو ديوار ايستد در پيش چشمانت 
نفس كاين است، پس ديگر چه داري چشم 
ز چشم دوستان دور يا نزديك؟
مسيحاي جوانمرد من! اي ترساي پيرِ پيرهن¬چركين! 
هوا بس ناجوانمردانه سرد است … آي! 
دمت گرم و سرت خوش باد! 
سلامم را تو پاسخ گوي، در بگشاي!

منم من، ميهمان هر شبت، لولي¬وشِ مغموم 
منم من، سنگ تيپاخورده¬ي رنجور 
منم، دشنام پست آفرينش، نغمه¬ي ناجور

نه از رومم، نه از زنگم، همان بيرنگ بيرنگم 
بيا بگشاي در، بگشاي، دلتنگم 
حريفا! ميزبانا! ميهمان سال و ماهت پشت در چون موج مي¬لرزد. 
تگرگي نيست، مرگي نيست 
صدايي گر شنيدي، صحبت سرما و دندان است.

من امشب آمدستم وام بگزارم
حسابت را كنار جام بگذارم 
چه مي¬گويي كه بيگه شد، سحر شد، بامداد آمد؟
فريبت مي¬دهد، بر آسمان اين سرخيِ بعد از سحرگه نيست. 
حريفا! گوش سرما برده است اين، يادگار سيلي سرد زمستان است.
و قنديلِ سپهرِ تنگ¬ميدان، مرده يا زنده 
به تابوت ستبر ظلمتِ نه تويِ مرگ¬اندود، پنهان است. 
حريفا! رو چراغ باده را بفروز، شب با روز يكسان است. 

سلامت را نمي¬خواهند پاسخ گفت. 
هوا دلگير، درها بسته، سرها در گريبان، دست¬ها پنهان 
نفس¬ها ابر، دل¬ها خسته و غمگين 
درختان اسكلت¬هاي بلور¬آجين 
زمين دلمرده، سقف آسمان كوتاه 
غبار¬آلوده مهر و ماه 




النص بالعربية:

الـشـتـاء



لا يردّونَ عليكَ التّحيةْ
وكلٌ رأسه في معطفه..

لا يرفعُ أحدُهم رأسه ليرد التّحية و ليُلاقي الأحِبةْ
ولا يسعهُ أن ينظر إلا لِموضِع قدمهْ
فالطريقُ مُظلِمٌ و مُنزلق..

إن مددت يدَّ التّحابِ لأحدِهمْ 
لأخرِج يده مِنْ مِعطّفِهِ مكْرهاً 
فالبردُ قارصٌ وفي منتهى الشِدَّةْ….

النفسُ الخارجُ من أعماق الصدر كسحابةٍ سوادء
يقفُ كجدارٍ قبالةَ عينيك
النفسُ على هذا الحال، فماذا ترجو من قريب أو بعيد..!
صديقي المسيحي الشهم! أيها الراهب الرثْ!
أوآآه … الجو باردٌ حد الدناءة.. 

فلتهنأ بأوقاتِكَ الدافئة 
رُدَّ السلام عليَّ ، فلتفتح الباب..!

هذا أنا، ضيفُك الدائم، كغجريٍ حزين
هذا أنا، حجرٌ مطروحٌ معنى
أنا لعنة الخلقِ وابتذالهم واللحن النشاز..

لستُ رومياً، لستُ زنجياً، أنا الذي لا لون له
تعالَ وافتح البابَ، افتحه، فصدري منقبضْ
يا نديمي!
يا مستضيفي!
أنا ضيفك الدائم، وأرتعدُ خلف الباب
ليس برداً، ليس موتاً
فالصوتُ الذي تسمعهُ ليس إلا تطاحن الأسنان من البرد..

جئتُ الليلة لأوفي نذراً
ولأضع ثمن كأسِك بِقُربه
فلماذا تقول: تأخرنا، طلع الفجرُ، وأصبح الصبحُ؟
تخدعك حُمرة السماء، فنهاية الليل لم تحِنْ.
يا نديمي! 
الأذن مُحمرة من صفعة صقيع الشتاء..

قنديل السماء حيٌ أم ميتٌ(منيرٌ أم مُنطفئ)؟
فهو ملتحفٌ بنعش الظلام الداجي و متشحٌ بالموت.
يا نديمي!
أشعِل قنديل الشراب فالليل والنهار سيان..

لا يردّون عليك التحية
الجو كئيب، الأبواب موصدة، الرؤوس مطأطئة، الأيادي متوارية
، الأنفاس كالغيم، والقلوب مُتعبةٌ و بائسة،
الأشجار هياكلٌ بلوريةٌ مرصوفة،
والأرض ميتةُ القلبِ، وسقف السماء قريبٌ من الأرض،
والغبار يكلل الشمس والقمر..
إنه الشتاء…

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *