الرئيسية / مقالات / التوكؤ على الضـحـك

التوكؤ على الضـحـك


* صالح العامري

حين تتبطّل اللغة وتتعطّل، علينا أن ندافع عن الضحك، وأن نتخندق فيه. حين لا يؤازرنا إلا اللبس وسوء الفهم والظن، ليس لنا إلا أن نعاقر هذه الصهباء الدموية/ الضحكة البرّاقة، الودود، الولود، الصيّادة، الراعية، الساهرة على فطنة النجوم والتخوم. 

الضحك هو الآلية الأكثر جدوى في فهم العالم، وفهم طبائع المخلوقات، حتّى وإن بدا ذلك الضحك مريراً وسوداويا. أعني ذلك الضحك الساخر، الذي لا يصمتُ عن البناء في التجريد، ولا يُستعبَد صاحبه في الضحك وحده، بل في إنجاز مهمة التنظير الحاضر/ الغائب للخليقة (النازفة) والحقيقة (الراعفة) باستخدام فكّين وصدغين ولسان وشفتين وفم ولهاةٍ، ليست حيوانية تماماً، بل مؤسسة على بنيان الروح الحرّة، بحواس مستنفَرة واستبطانات مستفزة.
إنه الضحك، من أجل الشِّعر والطريق، من أجل أن ترتفع السماءُ أكثر وأن تتشمّس الأرض بالضياءات والكُوى، وأن تتفرّد المرايا بأجراس، والمسالك بأهلة وفنارات، والهواتف ببرق ورعد، وأن يجد الكائن نفسه، في آخر المطاف، ويلتقط أنفاس حمولاته التي لن يحملها أحدٌ غيره…
حتّى لو كان متوسَّلاً بأطراف ثوبه وحده ومتسَوَّلاً لنقوده الفضيّة البائرة في سوق المعنى، فإنّ الضحك، أو بالأحرى القهقهة الكبرى أو (الزهزقة حسب الثعالبيّ)، ينفع، لا كعلاج عدميّ لأدوائنا وأمراضنا المستفحلة والخبيثة فحسب، بل يوقظ الحيوان الجدير بالثقة في داخلنا، الدبّ القطبيّ الذي يعلمنا طرق صيد الأسماك بدل أن نقليها دون اصطياد، النمر المخاتل الذي يعرف كيف يعضّ على الطريدة الصعبة، الغزال المتهادي في الطيران حتّى يلتمع في الأعالي كنجمة فضيّة، الفراشة التي ينسرب خيطها ويحترق في كبد اللهب والأسطورة الجيّاشة…
الضحك كخيار مسلّح، أعني كسلاح أخير للكائن، هو صنو وعي حادّ وشقيّ في ارتطاماته الوحشية بقطعان سوء الفهم وثيران الأنفاق المظلمة وجواميس الواحديات المرعبة وماموثات الأنساق المقززة. لا بدّ أن يكون وجه الضحك مرتاباً كلّ مرة، مرتاعاً في كل مكان، متشككاً ووسواسياً وأصلعاً وثورياً ومناضلاً وشفافاً، لا بدّ أن يكون صارماً حتى أنه يقع على نفسه، لا بدّ أن يكون منهاراً حتّى أنه بلا جدار.
التوكؤ على عصا الضحك، يمكّنك من اجتياز الممرّات العفنة، المنحنيات الزلقة، والترفّع عن قذارة المقامات العالية وحقارة المستنقعات الواطئة. إنّ تلك العصا الهزلية تعمل نبيّة كهدهد سليمان، كرسولة شهيّة بين رسل كلّهم ذكور، كزهرة خلود لا بدّ من تخيّلها واستحضارها في حياة تزداد كلّ لحظة تبلّداً وانتكاساً، انكساراً وانثلاما، تشوّهاً وانمحاقا.
ليس ضخماً وجه الضحك، وليس مكفهراً بالطبع أو محترقاً أو مشرباً بالسّخام، بل سيّالاً في خسّة المواقف وتنطّعها وتقوّلاتها الخرساء، وفولاذاً منصهراً حتّى أنّه يشكّل منحوتات فريدة في براعة الردّ وفلسفة الإيجاز.
ليس بائساً وجه الضحك، كما يتصوره البعض، بل غنيّاً بكلّ أنواع العقيق والفيروز، التبر والجوهر. مكتنزاً بكل أطياف الأول والآخر، العنب والنبيذ، الممحوّ والمولود، المقهور والخالق، المشّاء بين الأخاديد والمخترق للحجب والأسوار.
ليس تافهاً وجه الضحك، ولذلك يحرّك الصخرة اللعينة، فينفتح الكهف. ليس سخيفاً وجه الضحك، لذلك يصطاد المسافرُ الضباب، ويلتقي اللسان باللهاة، ويقع النسر على ضالته، والفجر على عطره، والكتاب على موضوعه، والشعراء على طفولاتهم، والمجانين على عجينتهم الأولى.
ليس مستهتراً وجه الضحك بأي قيمة أو معنى، بأي صغير أو كبير، بأي ضئيل أو ضخم، بل ناقمٌ كعدالة جريحة على قضاة فاسدين، طاردٌ لبلغم النفاق، جارفٌ للسدود الضيّقة جهة البحر في الضحكة الهوجاء المتعطشة.
الضحكة المنتشية وحدها، لا الضغينة البلهاء الغارقة كسفينة تبكي حطامها، هي من يفعل الصدع في الجدار الأصمّ، في الجدار الأبكم، في الجدار السجّان، في الجدار الثقيل، في الجدار البطريركيّ، في الجدار الذي بُني على أنقاض سكرة منقرضة وعزاء أجوف، في الجدار الأخرق الذي يظنّ أنه ينبوع، في الجدار النذل الذي يزعم أنّه يصنع الشمس.
الضحكة المنتشية، المهسهسة كقلم، المتوردة كوليمة من نور، هي من يرسم على جدار العبوس والقنوط، على جدار الخزي والشناعة، التخطيط الأول لأجنحة العصافير ومناقيرها ووسائدها الهوائية وفصلها النسائميّ المشتعل بالخبز والصباحات، بالألق واللذائذ، بالبراءات والبراعات.
هل نحيّي الضحكة المنفقئة أم ضاحكها المتهور؟ الوضوح الجهوريّ الذي يسفلت به الضحك طريقه على الخرابات والقباحات؟ أم الموهبة الغامضة القاعية كلؤلؤة أو تميمة في قلب المترفع المجيد؟. هل نغسل ضحكتنا كي تبدو أسناننا بيضاء كلّ مرة؟ أم نراكم الضحك على الضحك حتّى تصير الآنية فاخرة وحتّى يَسْمَرّ خزف الروح ويكتظ بريد الليل؟ هل من الأجدر أن نرمي ضحكتنا الكبرى على الملأ في منتصف الليل؟ أم حين تخيط الظهيرة أوجاعها، حين تدبّر أحوال خصورها بالمياه المسمومة، حين تعبر الظهيرةُ السراباتِ الرجيمة كأسنمة النوق، مزدهية بقتل العطش والحُمّى وبراثن المسافة؟…
_______
*شاعر من عُمان/ جريدة عُمان

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *