الرئيسية / الجريمة والأدب من ديستويفسكي إلى جان جينيه

الجريمة والأدب من ديستويفسكي إلى جان جينيه



*أبو بكر العيادي

ليس من السهل على المبدع أن يتخذ من قضية من قضايا الحق العامّ مادة روائية، لأنها عادة ما تكون معروفة لدى الناس، بدوافعها وجرائرها وأسماء أبطالها وصفاتهم، بعد أن تتلقفها وسائل الإعلام الباحثة عن الإثارة، أو الراغبة في إشباع فضول قراء تواقين إلى أحداث تنأى بهم عن رتابة المعيش اليومي، وغالبا ما تمعن في التنقيب عن أدق تفاصيلها، بشكل لا يترك أدنى جزئية خارج مدار الضوء. فكيف يستطيع الكاتب تناول أحداث معلومة ليصوغ منها نصا أدبيا لا يكون في نظر قارئه رجع أصداء قريبة، يحيد فيه عن تحقيقات الميديا، فيما المنطلق واحد؟

ليس من السهل على المبدع أن يتخذ من قضية من قضايا الحق العامّ مادة روائية، لأنها عادة ما تكون معروفة لدى الناس، بدوافعها وجرائرها وأسماء أبطالها وصفاتهم، بعد أن تتلقفها وسائل الإعلام الباحثة عن الإثارة، أو الراغبة في إشباع فضول قراء تواقين إلى أحداث تنأى بهم عن رتابة المعيش اليومي، وغالبا ما تمعن في التنقيب عن أدق تفاصيلها، بشكل لا يترك أدنى جزئية خارج مدار الضوء. فكيف يستطيع الكاتب تناول أحداث معلومة ليصوغ منها نصا أدبيا لا يكون في نظر قارئه رجع أصداء قريبة، يحيد فيه عن تحقيقات الميديا، فيما المنطلق واحد؟
يعرّف ميشيل فوكو قضية الحق العام بكونها مصطلحا عصيّا عن الإمساك، فهي أشبه بـ “مبدّل يتوسط المألوف والخارج عنه”، فيما يرى رولان بارت أن لها قوة تستدعي الأدب بشكل مفارق، فهي بطبيعتها لا تخرج عما يجدّ في المجتمع من خروق لنواميس الحياة، بينما الأدب الروائي عمل فني يجمع بين الخيال والذاكرة واستقراء الواقع. ولكن ما يبهر الكتاب منها تفرّد بعض القضايا بخصائص أغرب من الخيال، واشتمالها على شخصيات معقدة، غير نمطية، وأحداث تتناسل وتتطور حتى بعد نشر القضية أمام المحاكم، دون أن تحلّ عقدتها أو تشهد لحظة انفراجها.
قد ينطلق الكاتب من حادثة عابرة أو قضية تزول من البال بصدور الحكم فيها، فيضفي عليها من أدوات فنه ما يخلدها في الذاكرة، كتحفة أدبية راقية يحلل النقاد والدارسون والقراء مراميها الإنسانية وأبعادها الفلسفية دون اعتبار الحدث الذي انطلقت منه. فمن الذي يريد اليوم أن يعرف أن إيمّا بوفاري كانت في الواقع زوجة ضابط يدعى دولامار عاش في عهد لويس فيليب، ملك فرنسا، وتداولت الصحف النورماندية وقتها بإطناب نبأ انتحاره؟ أو أن تولستوي نحت شخصية أنّا كرنينا بعد أن شاهد جسدا ممزقا لامرأة شابة في محطة لاسّينكي؟ يقول الفيلسوف جان برتران بونتاليس في كتابه “الجريمة، ذات يوم”: “ما ننتظره من الأدب هو أن يحوّل أكثر الأحداث خصوصية إلى شيء يلامس الكونية، وفي الأقل يلتقي بها في تميزها دون أن يفقد ذاته”.
لقد ظلت قضايا الحق العام حافزا للعمل الروائي، وخادما مطيعا لخيال المبدع، في شكل تقارب مع الواقع كما هي الحال مع دعاة الواقعية، الذين وجدوا فيها وسيلة للتمرد على الرومانسية. هذا اللقاء بين الأدب وقضايا الحق العام بدأ منذ القرن التاسع عشر، مع ظهور الصحافة، فكان أن تلقف الكتاب بعض الأحداث، حتى ما يرد منها في شكل أخبار مقتضبة لا تتعدى بضعة أسطر، ليصوغوا منها عملا أدبيا مرموقا، كالفرنسي ستندال الذي استقى روايته الشهيرة “الأحمر والأسود” من جريمة قتل ارتكبها عام 1827طالب إكليريكية يدعى برتيه في مدينة غرونوبل، فاستفاد من أحداث الواقع ولكنه أضفى على البطل المتخيل جوليان سوريل سمات تنأى به عن الأصل، ليسبر نفسية البطل ووعيه الباطن. وكذلك الروسي دستويفسكي الذي استوحى روايته “الأشرار” من اغتيال رجل سياسي عام 1871 يقال له نتشاييف، وتصرف في نسجها بأسلوبه المعروف وكأنها صيغت على غير مثال.
واستمرت العلاقة بين الصحافة والأدب على هذا النحو حتى منتصف القرن العشرين، عندما بدأ الروائي يعي تفرد ذلك الواقع المعتم، إذ ألف جان جينيه “الخادمات” عن قضية الأختين بابان، ثم كتبت مرغريت دوراس “جسور السين والواز″ و”العشيقة الإنكليزية” عن مقتل رجل على يد زوجته أميلي رابيّو. وكانت في تلك الفترة تتابع القضايا وتنشرها في الصحف في شكل تحقيقات ومقالات. ومما كتبته في هذا الباب قولها: “أعتقد أنه ينبغي القبول بحقيقة الظلمات، والكف عن تأويلها، لأننا لا يمكن أن نعرفها حين يطلع النهار”. أي أن مهمة الأدب في تصورها ليست الشرح والتأويل، بل الغوص في ظلمات النفس، وسبر أغوارها وسرد حقيقتها انطلاقا منها هي بالذات، وهذا من عمل الروائي، وما عدا ذلك متروك للصحافة.
وهو ما قام به الأميركي ترومان كابوتي بعدها بأعوام قليلة في رواية أطلق عليها صفة رواية غير متخيّلة non-fiction “بدم بارد”، مثّلت منعرجا في التاريخ الحديث لعلاقة الأدب بقضايا الحق العام، فقد ابتكر تقنية جديدة ليس في الكتابة فحسب، وإنما أيضا في الكيفية التي صور بها جريمة قتل في بلدة أميركية صغيرة حيث عاد إلى مكان الجريمة، ولم يكتف باستنطاق عشرات الشهود بل التقى أيضا بالقاتلين ديك هيكوك وبيري سميث، وأقام معهما علاقة صداقة جعلته يعرف منهما تفاصيل ما كان ليتوصل إليها لو اكتفى بحضور مداولات القضية في المحكمة. وبذلك قيل إن كابوتي قلب الموازنة، بجعله الأدب مدينا للصحافة والحوادث. ومنذ صدور الكتاب عام 1966، حذا حذوه كتاب كثرٌ. وإذا كانت أعمال جينيه ودوراس تقرّ بالحتمية التراجيدية والقدر الذي لا مهرب للفرد منه، فإن الكتاب المعاصرين يسيرون في خط آخر، كان بدأه أندري جيد في “سجينة بواتييه” ومارسيل جوهاندو في “ثلاث جرائم طقوسية” وجان جينيه في “ملاحظات حول قضية دومنيتشي”، ووفّقوا في صياغة أعمال متميزة اتخذت صبغة تحقيق يضع قضية الحق العام في صميم المادة السردية، بفضل قدرتهم على الغوص في جحيم النفس الإنسانية يسبرون شرورها وطغواها، ونظرتهم العميقة إلى “دراماتورجيا” العدالة في تفاعلها مع المجتمع. ثم طوّره كابوتي كما رأينا، حتى عُدّ اللاحقون، في أميركا (نورمان ميلر) وبريطانيا (كونــان دويل) وفرنسا (عمـانويل كارّير) وسواها، ورثته الطبيعيين.
تقول مارتين بواييه وينمان، أستاذة الأدب المقارن: “الملاحظ اليوم أن الأدب عاد إلى الاستحواذ على الفضاء الاجتماعي ومناطق الأشياء غير المحددة وعالم الانحراف والجريمة مستفيدا من بحوث العلوم الاجتماعية والفلسفة ( بيير بورديو، ميشيل فوكو، وميشيل مافيزولي على وجه الخصوص)، بغية تطوير مقاربته، وفي الأقل وضعها في مسار سابقه. هذه الصلات بين السابق واللاحق نجدها لدى فرنسوا لوبون في “قضية حق عام” و”كانت حياة بأكملها”، وعمانويل كارّير في “الخصم” و”رواية روسية”، ومارك ويتزمان في “زواج مختلط”، ولوران موفينييه في رواية “في الزحام” ، من حيث العناية بأكثر الجزئيات خصوصية لدى الشخصيات المسرودة”.
وهذا لا يعني أن الكتاب كلهم التزموا بتقنية محددة ساروا عليها، بل إن كل واحد منهم اختار موقفا مخصوصا من حكايته / روايته، ولكن سواء توسلوا بفنيات الرواية البوليفونية متعددة الأصوات، أو بنقد النقد أو النقد المضاد métacritique، فالمهم بالنسبة إليهم هو أن يحلّوا القول على نحو يثير أشدّ الأسئلة إحراجا، كما فعل كارّير مثلا في “الخصم” حيث وضع نفسه في مواجهة بطله المخادع، أو في “رواية روسية” حين تحولت السيرة الذاتية إلى بحث بوليسي. فيما اختارت الإيطالية روزيتّا لوي شكل الخرافة أو الحكاية الشعبية في رواية “قلوب محطمة” لتصوير ثلاثة حوادث تمثل العنف اليومي والجرائم التي اعتاد عليها سكان مقاطعة بيومنتي طوال العشرية الماضية. أما ديدييه دوكوان الذي يعتبر الرواية المتخيلة أقوى من الواقع فيلح على ضرورة إقامة علاقة بين الكاتب والحادثة، كالتعاطف أو اللقاء مثلا أو كصدى لحياته الخاصة، حتى يحس القارئ بحضور الكاتب.
واليوم، صار أحفاد ترومان كابوتي يعدّون بالعشرات، ولا يكاد يمرّ موسم حتى يثب هذا الكاتب أو ذاك على قضية من القضايا التي شغلت أو تشغل الرأي العام. حتى أن دار غراسيه بباريس خصصت سلسلة لهذا الجنس الأدبي، دشنها فيليب بيسّون بعمل عنوانه “طفل أكتوبر” عن مقتل طفل عمره أربع سنوات يدعى غريغوري فيلمان يوم 16 أكتوبر 1984 ولم يمط اللثام عن قاتله حتى الآن. وكان للشخصية المحورية شبه كبير بوالدة الفقيد مما حملها على رفع قضية ضدّ الكاتب. ورغم أنها كسبتها فإن بعض الكتاب لم يتنكبوا عن تناول مثل هذه القضايا، بل لا يزالون ينجذبون إليها بقوة لاحتوائها أحيانا على بناء درامي جاهز. يقول بيسون في حديث لجريدة لوفيغارو: “ما يهمني في قضية الحق العام هو أن الواقع أقوى من الخيال. كنت مخيرا بين اختلاق حادثة أو إنشاء بنية سردية انطلاقا منها، أو تخيّر حكاية أصبحت جزءا من المخيال الجمعي ومحاولة قراءتها قراءة جديدة. اخترت قضية غريغوري لأنها، في نظري، ذات دلالة عميقة، ورمزية تبهرني وهي التقاء الإنسان بالوحش”.
ويزداد إقبال الكتاب على هذا الجنس الأدبي إذا كان أحد أطراف القضية شخصية عامة، لها حضور بارز في المشهد السياسي، كما هي الحال مع السقوط المدوّي لدومنيك سترواس كان، هذا الرجل الذي كان له نفوذ كوني كرئيس لصندوق النقد العالمي، وطريق معبّدة لترؤس إحدى الدول العظمى، حتى صار علما يستدل إليه بأحرفه الأولى دي. إس.كا، ولكن الغواية أضلت سبيله، فهوى من شاهق ثم انحدر انحدار المنحرفين. وكان من الطبيعي أن تكون قضيته أو قضاياه مادة روائية لأكثر الكتاب الفرنسيين اشتغالا على هذا اللون، ونعني به ريجيس جوفريه، وله في هذا المجال سبق، إذ نشر “قاسية” عام 2010 عن مقتل رجل الأعمال إدوارد شتيرن على يد عشيقته خلال عملية غرامية شاذة، “التقى فيها الحب بالفظاعة” كما يقول جورج باطاي. ثم نشر “كلوستريا” عام 2012 عن النمساوي جوزيف فريتزل الذي احتجز ابنته في قبو لم تغادره طوال أربع وعشرين سنة وأنجب منها سبعة أطفال. ومنذ بضعة أشهر صدرت له رواية بعنوان “ترنيمة رايكرز آيلند” عن سقوط دي. إس.كا. الذي اشتملت قضيته على سمات فاقت الخيال، ما جعل جيروم بيغلي يقول: ” إن دي. إس.كا قتل الكتاب. فلا أظن أنهم يستطيعون أن يأتوا بما أتى به على شتى المستويات، علم النفس، التراجيديا، التقلبات…”.
الطريف أن هذا الجنس لم يستهو الكتاب وحدهم، بل استقطب أيضا أناسا يمارسون في حياتهم حرفا أخرى، حاولوا الاستحواذ على جانب من الواقع كانوا في لحظة ما طرفا فيه. من ذلك مثلا المحامي الألماني فرديناند فون سكيراخ، الذي نشر أخيرا مجموعة قصصية عنوانها “جرائم” استقاها من قضايا إجرامية ترافع فيها أمام محكمة برلين. كذلك ستيفان دوران سوفلان الصحافي بجريدة لوفيغارو الذي نشر كتابا بعنوان “اختفاء امرأة” عن حادثة واقعية جدّت في إحدى الأسر البرجوازية بمدينة تولوز، واتّهم فيها الزوج، واعتمد فيه شكل بحث مليء بالتشويق والمفاجآت المرعبة على طريقة أفلام هيتشكوك. كما استهوى هذا الجنس الضحايا أنفسهم، نقصد أولئك الذين أسعفهم الحظ بالنجاة، كما في رواية “الليلة المتوحشة” للأميركية تيرّي جانتز، التي عادت إلى حادثة الاعتداء عليها بفأس عام 1977 من قبل راعي بقر مجهول، وهي لم تبلغ بعد عامها العشرين، لتقدم ما يشبه الشهادة أو الاعتراف في سرد متوتر يدين تلك الأعوام التي شهدت نهاية حماس طوباوي لم يولّد سوى العنف.
وبرغم انتشار هذه الظاهرة، وإقبال القراء عليها، يبقى الكتّاب مختلفين بشأنها، وإذا كان الإيطالي أنطونيو سكوراتي يرى أن مثل تلك الأحداث باهرة، فاتنة، ولكنها في الواقع عابرة، زائلة، خالية من أي معنى، فإن الفرنسي ريجيس جوفريه، الذي يعرف أنه سيخسر القضية التي رفعها ستروس كان ضدّه، يقول: “بعد أعوام، سوف ينسى الناس دي. إس.كا ويبقى الأدب. فالشرط أن يشتمل النص على أدبية تصونه من عوامل الزمن، لكي يحوز خلوده مثل سائر الأعمال الكلاسيكية التي استقت مادتها من قضايا كانت شائعة لدى الخاص والعام”.
________
*العرب

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *