الرئيسية / إضاءات / لماذا يغيب دور المحرر الأدبي.. ويرجم بحجارة الغرور؟

لماذا يغيب دور المحرر الأدبي.. ويرجم بحجارة الغرور؟


*تحقيق ـ عاصم الشيدي

هل تعرفون لون عيني إيما بوفاري؟ هل هما بنيتان أم سوداوان قاتمتان أم زرقاوان؟ سؤال يبدو متأخرا جدا.. ولكن تلك الهفوة ما زالت تلح في الذهن لأنها جاءت من أحد أشهر الروائيين: فلوبير في روايته الأشهر “مدام بوفاري”. تحولت عينا إيما بوفاري إلى ثلاثة ألوان في الرواية، ولا نعرف حتى الآن أيهما لون عينيها. ماذا لو كان لدى فلوبير محرر أدبي كما هو الحال عند ماركيز وكما صار عند جل دور النشر الغربية. أو ماذا لو كان لدى دار النشر التي نشرت الرواية في نسختها الأولى محرر أدبي استطاع رصد هذه الهفوة وغيرها من الهفوات التي وقع فيها بعض الروائيين الكبار. يبدو الغرب تعلم من هذه الأخطاء وصار أمر وجود محرر أدبي أساسيا في أي دار نشر غربية.

ماركيز أحد أشهر الروائيين في العالم اليوم يعترف دائما أنه لولا اقتراح المحرر حذف ما يقارب المائة صفحة من (مائة عام من العزلة)، لما حققت ذلك النجاح، وهيمنجواي أشار إلى ضرورة مراجعة المخطوط عبر مجموعة من الكتّاب الثقات. وحدث الأمر على استحياء أيام الكتّاب العرب الكبار أمثال نجيب محفوظ الذي أعطى روايته الأشهر “أولاد حارتنا” لطه حسين ليراجعها. وعالميا كان جونتر جراس يصطحب محرره الأدبي أينما ذهب، وعندما قدمه لكتاب وأدباء اليمن تفاجأ الجميع أن كاتبا كبيرا حاصلا على جائزة نوبل لا يتعالى على دور المحرر حتى في الكلمات والمحاضرات التي يقدمها.. إنها جزء من ثقافته في الكتابة.
وفي ندوة بالعاصمة البريطانية لندن قال الروائي الليبي هشام مطر بمناسبة صدور روايته «تشريح الاختفاء» أنّ حجم الرواية بلغ 900 صفحة، لكن المحرر الأدبي في دار «بنجوين» الشهيرة اختزلها في 300 صفحة. تقول معظم دور النشر وكذلك في الصحف والمجلات العريقة أن الكاتب ليس شرطا أن يكون متمكنا من فكرة اختزال ما يكتب وجعله مشوقا جدا، أو حتى ضبطه لغويا وأسلوبيا ولذلك وجد المحرر.. محررا صحفيا أو أدبيا وفي بعض الحالات سينمائيا. فلم تقم الفكرة على إلغاء دور الكاتب ولكن على فكرة تجويد العمل وجعله أكثر جذبا وأكثر تسويقا وبالتالي أكثر إقبالا وقراءة.
السؤال الملح الآن هل تملك دور النشر في العالم العربي وظيفة محرر أدبي يقوم بدور تجويد النص ويجعل منه نصا يمكن أن يحقق للدار مبيعات عالية ويصنع للكاتب مجدا كبيرا كما يحدث في دور النشر العالمية. وهل يقبل الكاتب العربي أن يتدخل محرر “مغمور” في نصه المقدس ويعيث فيه ترميما واختزالا؟؟
حملنا هذه الأسئلة إلى بعض دور النشر في معرض مسقط الدولي للكتاب. وتباينت الإجابات بين من يعترف بالدور الجوهري للمحرر الأدبي وبين من يتهرب منه بدعوى الملكية الفكرية الكاملة للكاتب وبين من لا يعرف أن ثمة وظيفة في دور النشر اسمها المحرر الأدبي.
عبدالناصر فليطي من دار رياض الريس يقول ان الدار لديها محرر متفرغ هو أيمن سنو ولا يمكن أن يمر كتاب في الدار دون أن يراجعه. وحسب فليطي فإن دور المحرر محوري في الدار حتى أنها تلجأ في حالة زحمة الإصدارات إلى الاستعانة بمحررين من خارج الدار. لكن لا يبدو أن دور المحرر بالمعنى الذي تحدث عنه فليطي متشابه مع دوره في دور النشر الغربية فدوره مراجعة القضايا اللغوية والتشاور مع المؤلف في حالة اقتراح بعض التغييرات الأسلوبية لكن تبقى المادة ملكا للمؤلف ولا يستطيع المحرر تغييرها من تلقاء نفسه. ويبقى التغيير محدودا في حدود توافق المحرر مع المؤلف.
لكن الشاعر محمد شومان في دار الانتشار العربي يعمد أحيانا إلى إعادة صياغة بعض الكتب ولا يقتصر دوره على التصحيح اللغوي والصرفي ووضع علامات الترقيم كما يقول نديم مروة ابن الناشر المعروف نبيل مروة. ويقوم شومان بهذا الدور بشكل خاص في الروايات ولكن تبقى موافقة كاتب الرواية شرطا أساسيا لتمرير التعديلات المقترحة. وحول سؤاله عن مدى تقبل الكاتب العربية لدور المحرر يقول نديم أحيانا يقبل ويقتنع ولكن أحيانا أخرى لا يقتنع بتاتا. ويطرح نديم قضية أخرى في هذا الجانب فهو يرى أن الالتباس الذي يحصل بين المحرر الأدبي والكاتب ناتج من اختلاف الثقافتين اللتين ينتمي لهما الكاتب والمحرر. فما يعتقده المحرر اللبناني أنه غير واضح ويريد إعادة تحريره يظن الكاتب العماني أنه صحيح ومفهوم بل ومثير بالنسبة للقارئ العماني. ويقول نديم مروة أن الدار تبذل جهودا كبيرة في توثيق الاستشهادات التي ترد في الدراسات بشكل عام ولا يكون الكاتب قد وثقها خاصة ما يتعلق بالآيات القرآنية. وتقوم الدار بمراجعة الكتاب ثلاث مرات حتى يتخلص من الأخطاء النحوية والإملائية.
من جانبه يقول الكاتب والناشر محمد بن سيف الرحبي مدير بيت الغشام للنشر والترجمة، دار النشر العمانية الوحيدة، التي بدأت عملها في النشر منذ قرابة عام ونصف فقط ولا يبدو أنها استطاعت حتى الآن توظيف محرر أدبي بالطريقة التي يحلم بها الرحبي. يقول الرحبي: العنوان يفترض وجود دور نشر أولا.. ومن ثم حركة نشر تتيح الانتقاء، وتاليا المحرر الأدبي الذي نريده، وأحسب أن الكثيرين من الكتاب المتحققين سيطالبون برقبته فورا، لأنهم لن يتسامحوا مع ملاحظاته، خاصة في ظل وجود ذوات متضخمة لم يقل لها أحد ذات يوم أن وجود حركة نقد حقيقية كان يمكن بها أن تعصف بما تكتب خارج دائرة الكتابة أصلا.
يلتفت الرحبي حوله وهو في قلب جناح بيت الغشام بالمعرض حيث يحيط به عدد من الكتاب العمانيين ويضيف: هل سيقتنع المتحققون قبل غيرهم بفكرة وجود هذا المحرر الذي عليه مهمة جسيمة ليس أقلها تقويم عثرات اللغة نحوا وإملاء، فكيف بالأسلوب الذي يظن كل منهم أنها ميزة تحسب له، لا عليه.
سألت الرحبي هل أنت متشائم إلى هذا الحد من تقبل الكتّاب لوجود محرر حقيقي في دار نشر تطمح أن تكون اسما لها.. فرد على الفور: لا أريد التشاؤم أو التقليل لكننا نحتاجه جدا، وأنا أولهم، لأنه العين الحيادية التي ترى ما لا نراه، وتكتشف ما قد غفلنا عنه، لكن ذلك سيضيف عبئا آخر على العلاقة بين دار النشر والمؤلف، فأي محرر أدبي سيرضي غرورنا؟ وأي مؤلف سيتنازل عن غروره (الطبيعي على الأقل) ليقبل برؤية يحسبها استعلائية وتصحيحا لما يراه حالة إبداعية خاصة؟!
في الغرب هناك ثقافة واسعة بأهمية المحرر الأدبي لاختلاف الرؤية الغربية الموضوعية عن الحالات العاطفية التي تتسم بها الثقافة العربية.. لكن الرحبي عاد وقال ثانية أن فكرة توظيف محرر أدبي مطروحة في بيت الغشام وسيعمل على ترسيخها متى ما كان المناخ مهيأ.
ويبدو تاريخ المؤسسة العربية للدراسات كبير مع المحررين الأدبيين، فالدار التي تأسست عام 1969 كان أشهر محرريها الكاتب والناقد الكبير إحسان عباس، ثم تبعه رجاء النقاش. هكذا يتحدث ماهر الكيالي الذي يؤكد أن دور المحرر الأدبي في الدار أساسي وهم يقررون ما ينشر وما لا ينشر. ويضيف الكيالي ان إحسان عباس بوصفه رجلا أكاديميا كان رأيه حادا وصارما ولا يوافق على أي كتاب، بينما كان رجاء النقاش القادم من باب الصحافة والإعلام أقل حدة ويعطي فرصا لبدايات الكتاب والمؤلفين فكان أكثر مرونة من عباس. كان هذا الأمر في حياة صاحب الدار عبدالوهاب الكيالي ولكن بعد وفاته صار للدار محررون غير متفرغين ويقدم نصائح للدار.. لكن عمله الأساسي يتمركز في اللغة والنحو لكن هذا لا يعني أنهم لا يقولون أحيانا أن “هذا الكتاب لا يستحق النشر”. وحول ما إذا كان الكتّاب العرب يتقبلون دور المحرر الصحفي يقول الكيالي إن أغلب الكتاب العرب مصابون بالعناد.. ويتحدث عن كتّاب معروفين وحصلوا على جوائز عربية معروفة ولكن كتبهم تقع في أخطاء قاتلة ثم إنهم يرفضون التغيير والتعديل. ويختتم ماهر حديثه بالقول حتى لو كان الكاتب قد أجاز كتابه لغويا إلا أن الدار تقوم بدور المراجعة لأن الكتاب يمثلها أيضا كما يمثل صاحبه في هذا الجانب.
أما رائدة سهيل إدريس من دار الآداب فترى أن دور المحرر الأدبي أساسي ومحوري ولكن يختلف كثيرا عما هو معمول به في الغرب. وفي دار الآداب نرفض أحيانا نشر بعض الكتب لأن لجنة القراءة تقرر ذلك. وحول ما إذا كان دورهم يدخل في جانب تعديل المادة وإعادة تحريرها تقول رائدة لا نصل إلى هذا الأمر بدون موافقة المؤلف. لكن في بعض الأحيان نقول له ينشر شريطة تعديل كذا وكذا.
تبدو هذه الدُور مترفة جدا لأن لديها محررا يبدي رأيه، حتى لو لم يؤخذ به ولكن هناك دور في المعرض ـ نتحفظ على ذكرها في هذا التحقيق بناء على طلبها ـ لا تعرف هذه الوظيفة أبدا، أو لم تسمع بها على الإطلاق، والحجة أنها تتعامل مع كاتب له حقوق الملكية الفكرية التامة على كتابه، حتى أن القائمين عليها، أو حتى نكون أكثر دقة العارضين وبعضهم أسماء قيادية فيها يرون أن حتى التصحيح اللغوي ليس مهمة دار النشر بل هو مهمة الكاتب الذي عليه أن يوصل كتابه كاملا لدار النشر. الأمر في جميع الأحوال عائد للتقاليد الراسخة التي استطاعت دور النشر أن تثبتها خلال سنواتها المتراكمة.
ولذلك لا أمل قريب في ترسيخ هذه التقاليد بشكلها الصارم عند الغرب، فحتى لو استطاعت دور النشر توفير هذا المحرر/الحلم الذي سيستطيع انكار ذاته تماما والاشتغال على نصوص غيره وتجويدها كما يمكن أن يحلم بها القراء كما لن يستطيع أن يفعل الكاتب وحده خاصة في جانب الأسلوب، واستطاعت أن تدفع له كما يليق به فإن غرور الكاتب وكبرياءه لا يبدو أنه سيستطيع أن ينزل إلى الموافقة على رغبة المحرر.
ومع هذا الشد والجذب يرى الجميع وانقاذا لعيني إيما بوفاري من الجدل الكبير حول لونهما الحقيقي أن تتخذ دور النشر قرارا حاسما بوجود محرر أدبي حقيقي يستطيع أن ينقذها من الإفلاس حينما ستستطيع أن توجد لها قراء ينتظرون نتاجها وينتظرون جديد كتّابهم لا كما هو الحال اليوم في العالم العربي.
وحتى ذلك الوقت ستبقى الفكرة حلما مع البعض وكابوسا يقلق البعض الآخر.
________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *