الرئيسية / مقالات / لحظات فارقة في حياتي ( ١)

لحظات فارقة في حياتي ( ١)


*نوال السعداوي

سمعت كلمة الله من أبي لأول مرة في حياتي، وأنه يسكن السماء، أصبحت أشق السماء بعينيّ النفاذتين في استطلاع فطري أحاول رؤيته، حتى قال أبي إن الله روح لا نراها بعيوننا وليس له جسد، ثم نسى أبي ما قال وسمعته يقول للخادمة إن عين الله ساهرة لا تنام، وتراقبها من السماء إن سرقت، تساءلت كيف يكون لله عين وليس له جسد؟ أليست العين جزءا من الجسد؟

رد أبى، أن عين الله مصنوعة بالروح ولذلك ترانا دون أن نراها. أصبحت أتوجس من عين الله التي تنفذ من أي جدار.
ثم عرفت الاختلاف بينى وبين أخي، لم أكن أعرف كلمة عورة، ولم أجد في الاختلاف أي ميزة لأخي، بل تصورت أن الله يفضلنى عن أخي، لأنه لم يخلق لي الزائدة الدودية التي تتدلى بين ساقيه وتمنعه من اللحاق بي في مسابقات الجري.
لم تستمر فرحتي بنفسى طويلا، سرعان ما لا حظت أن أخي يحظى بميزات أكثر مني، يخرج من البيت ليلعب مع الأطفال ويركب البسكليتة وأنا أبقى في البيت أساعد أمي في المطبخ، يحصل على مصروف أكبر مني، مع أنه لا يشتغل مثلي في البيت، ويسقط في امتحانات المدرسة وأنا أنجح بتفوق، وأسأل عن سبب تميز أخي، يقولون لأنه ولد، لا يقتنع عقلي، وأواصل الأسئلة حتى تقول جدتي إنها إرادة الله، وكانت جدتي قد قالت من قبل إن الله هو العدل، لكنها نسيت مثل ابنها (أبي) الذي كان ينسى.
وظل السؤال يطاردني والغضب من الظلم ينمو في أعماقي، ولا أحد يعطينى ردا يريحني، فلم أجد إلا الله ذاته لأسأله، وكنت لا أزال أتصوره شخصا يعيش فى السماء، وكانت أمي قد علمتني الحروف والكتابة قبل أن أدخل المدرسة، فأمسكت القلم الرصاص وكتبت هذه الرسالة إلى الله:
يا ربنا العزيز، قالت لي جدتى إنك العدل الذي عرفه الناس بالعقل، فكيف تميز أخي عني لمجرد أنك خلقت له هذه الزائدة الدودية؟ وإذا ظلمتنى يا ربنا العزيز لمجرد أنك خلقتنى بنتا فكيف تكون عادلا؟
شعرت بشىء من الراحة بعد أن كتبت هذه الكلمات، أخذت شهيقا عميقا ثم زفيرا طويلا، تخلصت من غضبي المتراكم في صدري. فى هذه اللحظة حدث الترابط الوثيق في أعماقى بين الكتابة والسعادة أو الراحة في كياني كله، كنت طفلة فى السادسة أدرك بالفطرة أن جسدي ونفسي وعقلى وروحي كلها كيان واحد هو أنا.
بعد أن طويت الرسالة داخل المظروف بدأت أكتب عنوان المرسل إليه، لم أكن أعرف مكان الله إلا أنه يسكن السماء، تطلعت للأفق حائرة، ثم بدأت أشعر بخوف غامض من نار تتخفى وراء السحب، تصورت أنني اقترفت ذنبا خطيرا، هو الشك فى عدالة الله، وأن الدليل المادي هو هذه الرسالة المكتوبة بخط يدي.. أشعلت فيها عود كبريت بدورة المياه، لم يبق منها إلا الرماد، لكن الإحساس بالذنب بقي معي كالورم الصغير الخبيث ينمو داخلى بقوة غامضة أكبر مني حتى وقع الحادث التالي…يتبع 
_______
*المصري اليوم

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *