الرئيسية / قراءات / إدمان الإنترنت

إدمان الإنترنت




سناء أبو شرار *

( ثقافات ) 


إدمان الإنترنت ” كتاب صادر عام 2010 من تأليف الطبيب النفسي الفرنسي ميشيل أوتفُي والدكتور دان فيليا دكتور نفسي في عدة مستشفيات في باريس ومسؤول لعدة مراكز نفسية علاجية بفرنسا. الدكتور ميشيل أوتفُي مؤسس لمركز “إماجين” في فرنسا لعلاج المدمنين ، وهو مؤلف لكتاب “الإدمان وسلوكيات إدمانية”. الكاتبان هما أول من أشارا إلى وجود عنصر الإدمان في الإنترنت وأول من كتب حول نظرية إدمانه دون مخدرات سواء للبالغين أو للأطفال. وأعتبرا أن هذا النوع من الإدمان مُعترف به من المجتمع بعكس المخدرات فهو لا يُقلق الأهل ولا يصدم المجتمع.ويعتبران أن إدمان النت أحد فروع الأمراض النفسية والعقلية.

يقول الكتاب بأن المجتمع المعاصر أصبح نشيط في الهرب من الواقع ، من الملل والإحباط والإنترنت ساهم بهذا الهرب. فعالم الإنترنت عالم سهل الوصول إليه والسيطرة عليه وتغييره

المشكلة تكمن بوجود عنصر الإدمان ، وإدمان النت ضار للكبار والصغار على حد سواء ويتفاقم بالنسبة للصغار بسبب نظرة الأهل الإيجابية له. يعتبر مؤلفا الكتاب بأن هذا الإدمان حديث ودون مخدرات ومقبول ، حيث أن المجتمع لا يقبل الإدمان الذي لا يمكن السيطرة عليه أو الذي يشكل خطر عليه لذا يتم تجاهل إدمان النت أو عدم التعرف عليه.

الشخص المدمن عادةً شخص يعيش معاناة ما ، يريد أن يملأ الفراغ الإجتماعي أو العاطفي الذي يشعر به ، ومن أنواع هذا الإدمان ما يتعلق بالألعاب الإلكترونية ، المحادثات “chats”

البريد الإلكتروني وقد يزيد النت من إدمان موجود سابقاً مثل مشاهدة الأفلام الإباحية أو ألعاب القمار الشراء عبر النت. ما يميز عالم النت ويجعله جاذب هو أنه يسمح لأي شخص مهما كانت خلفيته الأخلاقية والنفسية والإجتماعية أن يختلق لنفسه هوية جديدة ، ويجد لذاته عالم من الأحلام حيث يحل التواصل الإفتراضي محل العلاقات الإجتماعية الحقيقية التي قد تثير بعض المخاوف أو الصدود. الحالة المرضية لا تنشأ من الأداه نفسها بل ممن يستعملها وكيفية استعمالها ، بالنسبة للبعض النت يعوض عدم الإشباع أو الصعوبات في الحياة الحقيقية ، إدمان النت مثل كل أنواع الإدمان الأخرى هو جواب ملتف حول المشكلة الأساسية هذا مع الأخذ بعين الإعتبار ما يشكله النت من خطر حقيقي بحالة العنف موجه لذات الشخص أو للآخرين حيث أن النت يمكن أن يُغذي أي توجه سلبي أو إيجابي. الكتاب لا ينفي أهمية النت العلمية والثقافية والتواصلية ولكنه رسالة تحذير للمجتمع وللأسرة خصوصاً بالنسبة لصغار السن الذين يبدون أكثر هشاشة في مواجهة هذا العالم الإفتراضي شديد الإتساع وعميق الخطورة.

هذا الكتاب دفعني إلى إجراء أبحاث أخرى متعلقة بتأثير النت على الفرد وخصوصاً الفيس بوك وهي دراسات أمريكية صادرة عن مراكز أبحاث مختصة وهذه بعض نتائجها:

– تم إجراء بعض الأبحاث العلمية مؤخراً والتي أثبتت وجود تغيير في أدمغة مدمني النت ، حيث لوحظ وجود انخفاض في الحجم لبعض مناطق الدماغ ويحصل تغيير أشبه بالتشويش للمادة البيضاء الموجودة بين خلايا الدماغ وهي أعراض مشابهه لما يحدث في أدمغة مدمني الهرويين وأنواع أخرى من المخدرات. كما وأكتشف العلماء وجود علاقة سلبية بين حجم الدماغ وبين الوقت الذي يتم قضاءه على النت ، أي كلما طالت المدة كلما زاد التأثير على الدماغ.

– قام الباحثون بسؤال مجموعة من الأشخاص حول كيفية تأثير النت على حياتهم ، هل يشعرون بالعصبية بحال تركهم للنت ؟ هل يستعملون النت للتخفيف من التوتر أو الهروب من المشاكل ؟ هل يستعملونه لمقاومة الشعور بالعجز والذنب أو الكآبة ؟ هل فقدوا بسبب النت علاقة ما أو فرصة عمل أو تعلم ؟ هل يتم الكذب بخصوص إستعمال النت وكيفية استعماله؟ إذا كان الجواب نعم على الأقل على خمسة من هذه الأسئلة بنعم فلابد للشخص من مواجهة كونه مدمن أو معتاد أكثر مما ينبغي على النت .

– أتضح للعلماء أن المنطقة المتأثرة لدى مدمني النت هي المنطقة المتعلقة بالناحية العاطفية ومهارات التفكير والإنتباه ، وأن التغييرات التي تحدث للدماغ مشابهه للتغيرات التي تحصل للدماغ بحالة إدمان الكحول أو المخدرات.

– أحد الحقائق في علم الأعصاب أن كل التجارب تترك أثرها على الدماغ ولكن الأطفال هم الأكثر تأثراً لأن أدمغتهم بمرحلة تطور ولا يوجد لديهم خبرات واقعية كافية مقارنة مع ما يقدمه لهم النت.

الفيس بوك:

أما فيما بتعلق بالفيس بوك فقط خلصت بعض الدراسات والأبحاث العلمية إلى ما يلي:

_ ملايين الأشخاص يسجلون عبر الشاشة لأجل الصداقة، أطفال من عمر 8-17 سنة لديهم فيس بوك خاص بهم أي أن أجزاء بأدمغة الأطفال تبدو مُهددة. وهي ممارسة لا يمانعها الأهل لأنهم يشعرون بالأمان لبقاء اولادهم في المنزل بينما يجد الطفل كامل حريته عبر الشاشة.

– الشبكات الإجتماعية تُرضي الشعور الأساسي للإنسان بالإنتماء وبث الرسائل واستقبالها تعتبر قيمة يشعرها مشترك الفيس بوك على مدار الساعة وبنفس الوقت يترافق هذا التأكيد الدائم للإنتماء مع الإبتعاد عن قلق المواجهه وجه لوجه لمحادثة حقيقية.

– يتجنب مشترك الفيس بوك البحث عن أجوبة ذكية ، ويتجنب حركات الجسد التي يمكن فهم حقيقته من خلالها كما يتجنب إظهار نبرة صوته . أي أنه يتجنب كل مهارات المحادثة الطبيعية ويصبح اقل أهتماماً لتقييم الاخرين له وهذا ما قد يغير طبيعة المحادثة بين الناس.

– لاحظ بعض المدرسين تغيير في قابلية الطلاب مستخدمي الفيس بوك بكثرة بفهم مشاعر الآخرين مقارنة مع الطلاب في سنوات سابقة ، لقد كانت الروايات في السابق تساعد في فهم مشاعر الآخرين وبذلك يمكن فهم شعور الطفل المتوحد بالإرتياح حين يلعب ألعاباً إلكترونية كما وأن كثرة مشاهدة هذه الشاشات الإلكترونية قد تكون عنصر هام في التسبب بالتوحد.

– يبدو أن الكمبيوتر يشكل إدمان مثل أي إدمان آخر حيث أنه يمس أنظمة الدماغ الأساسية لأنه يمنح شعور ممتع على مدار الساعة ولكن هذه التجارب مع الكمبيوتر عقيمة المعنى على المدى البعيد ومن المحزن أن يقضي الانسان ماله ووقته بلعب ألعاب وإجراء محادثات دون هدف أو نتيجة تنعكس ايجابياً على حياته الواقعية.

– يبدو أن الفيس بوك يدمر العلاقات ويتسبب بالعديد من حالات الطلاق ، فلا أحد يحب أن تقول زوجته أو أن يقول زوجها لأحد آخر أنت جميل أو رائع. وهو سبب لإثارة الغيرة بسبب كل تلك الصور والأخبار والكلمات التي قد تكون حقيقية أو لا تكون ولكنه أكيد مؤثرة.

– تحول الفيس بوك إلى نرجسية إجتماعية لإظهار الذات وأكتشف العلماء أن التباهي ورفع شأن الذات تؤثر مباشرة بمراكز حسية تجلب الفرح .وأتضح أن الأقل أستعمالاً له أشخاص أكثر نظاماً ويستعملونه لأسباب مهنية .

– يعبر مشتركو الفيس بوك عن مشاعرهم وأفكارهم وهم بذلك يمنحون كمية كبيرة من خصوصيتهم ورغم إفصاحهم عن هذه الخصوصية قد لا يعرفون الشخص الذي يتحدثون إليه في الحقيقة بل يتحدثون لمجرد صورة ومعلومات شخصية قد تكون حقيقية أو زائفة ، وهو عالم خيالي يمكنك به ان تكون من تشاء ولكن ليس بالضرورة أنت.

– في دراسة أُجريت عام 2008 أوضحت هذه الدراسة أن 40% من مجموع البروفيل في الفيس بوك مزيفة وليست حقيقية . كما وأن أرسال معلومات حقيقية به مخاطر عديدة لا مجال للحديث عنها .

– لاحظ الخبراء أن أصدقاء الفيس بوك مختلفين تماماً عن أصدقاء الحياة الحقيقية . الأشخاص الذين يشعرون بتقدير للذات متدني يشعرون بالأمان والتعويض بإستعمالهم للفيس بوك .

– في تقرير نُشر في بريطانيا للديلي تلغراف تم نشر نتائج قامت بها جامعة سالفورد بأن أغلب حالات القلق والتوتر تتعلق بالفيس بوك وشبكات النت وأنها تسبب نقصان الثقة بالنفس بسبب المقارنة المستمرة مع الآخرين مما ينعكس على العمل والعلاقات الحقيقية.

– في بعض الدول الاسيوية تم فتح مراكز صحية نفسية لمعالجة الإدمان من الفيس بوك.

-المدمنون عليه لديهم فترات عدم انتباه وقابلية لعدم التركيز وتنتابهم سعادة كبيرة حيث يرسل لهم رسالة أو طلب صداقة وهو شعور يشعر به من يأخذ جرعة دوبامين (مادة كيميائية موجودة بأجسامنا تُفرز بقوة حين يحصل شيء مُفرح مثل مغامرة أو رياضة أو مخدر ما ) لذا يبدو أنه من الصعب الإبتعاد عنه.

– البعض من مستخدميه تأثرت حياته الخاصة لأنه يشعر بأنه خارج الفيس بوك كسمكة خارج الماء لذا يمكنه أن يضحي بعلاقات حقيقية لأجل الفيس بوك.

أوردت أحدى التقارير هذه النقاط ليمتحن الشخص إلى أي حد هو مدمن أو لنقل لا يستغني عن الفيس بوك ، فإذا وجد أربع أو خمس نقاط تتطابق مع حالاته فلابد أن يُعيد التفكير بطريقة استعماله للفيس بوك:

1- يبدأ بتجنب الناس أو الحديث معهم ويفضل الشات .
2- نصف أصدقائه على الفيس بوك أشخاص لا يعرفهم ولم يقابلهم.
3- توجد صورة لأي شخص بحياته حتى لقطته أو لكلبه على صفحته.
4- حتى لو ذهب إلى القهوة يصور نفسه ويرسل صورته.
5- من السهل التواصل معه عبر الفيس بوك اكثر من الهاتف.
6- يخبر أصدقائه ليلة الإمتحان بأن الإمتحان سوف يكون كارثة ولكنه لا يدرس تحضيرا لإمتحانه.
7- لديه أكثر من بروفيل على الفيس بوك.
8- يصادق اولاده وزوجته وجيرانه عبر الفيس بوك.
9- أول شيء يعمله حين يستيقظ أن يتفقد صفحته وإذا ارسل أحد ما له رساله .
10- يشعر بأنه محبط إذا لم تصله أي رسالة من صديق.
11- يشعر بأنه يجب ان يرسل like لكل ما يرسله اصدقاءه حتى ولو لم يحب ما يرسلون او ما يكتبون.

كل ما ورد أعلاه معلومات علمية تمت ترجمتها ولا رأي لي بكل ما كُتب أعلاه ، ولكن ما دفعني لقراءة الكتاب ولترجمة هذه المقالات العلمية ليس استعمال البالغين للنت بل الأطفال،

حين أرى بأن أطفالنا يقضون الساعات خلف شاشة الكمبيوتر لأجل الفيس بوك أو مواقع التسلية أو حتى المواقع الإباحية فإن أقل ما أفعله أن أترجم هذه المعلومات ، أغلى ما نملكه كبشر هو أدمغتنا وقد كرم الله تعالى الانسان بعقله ، فإن إستهان الانسان بأغلى ما يملك لن يصبح لديه أي شيء ثمين بعد ذلك ، والأخطر هو أدمغة أطفالنا رجال ونساء المستقبل ، نحن في عصر لابد لنا به من التوقف والتفكير أمام تكنولوجيا جذابه مُبهرة ولكنها مستنزفة لإبداع وذكاء الانسان إن لم يستعملها بصورتها الصحيحة. 

* روائية من الأردن

شاهد أيضاً

القارئ الشرقي المتخيل: عثمانيون وتوابل ما بعد كولونيالية

*محمد تركي الربيعو يُعدُّ كتاب المؤرخة ميري شيفير موسنسون «العلم عند العثمانيين» واحداً من الكتب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *