الرئيسية / مقالات / قدّاس الوحشة الأليفة

قدّاس الوحشة الأليفة


*خيري منصور

تخطيّا للسائد الموسمي في وداع من لثغنا بالابجدية على أيديهم، ثمة مقترب يفرض نفسه على جيلنا، الذي يزداد شعوره بالوحشة كلّما سقطت أرزة او سنديانة او زيتونة مضرّجة بدماء عناقيدها .

أنسي الحاج، عزلة شعرية مضادة بقدّاسها وسؤال مبكر بقدر ما هو برّي عن وجود كلّما غرزنا فيه اصابعنا على طريقة سيرين كيركيغورد ازداد غموضا، وما ان نشرع في الكتابة عنه حتى نشعر بأننا نقشر بصلة بحثا عن لبّ مُتخيّل وافتراضي، فالسؤال يجرّ وراءه اسئلة لا نهاية لها، والاجابات محض زفير مشحون بالشجن يبحث عمّن يترجمه .
أنسي من سلالة نادرة لم يتسع الايقاع المقرر والموروث بقوة العادة الشعرية لاحزانها واشواقها معا، ففي مقدمة ديوانه ‘لن’ كان المانفستو الأول لما نسميه اجرائيا ورغما عنا قصيدة النثر، فالقصيدة قصيدة ولا شيء آخر، لكن ما حل بثقافتنا من انتحاء والتباسات معجمية جعلنا مشغوفين بإضافة النعوت، كالقول الأخرق بأن هناك شعرا حقيقيا مقابل شعر زائف، وان هناك شاعرا كبيرا وآخر صغيرا، ناسين ان الشعر شعر وان الشاعر شاعر ولا شيء آخر.
قد يكون أنسي اهتدى بسوزان برنار او سواها من خلال هواجس جمالية لكن ليس بهدف شرعنة المنجز اللقيط كما وصفه في تلك الايام سدنة العمود ممن تجاهلوا الفارق بين زهور داجنة على الشرفة وزهور برية في الغابة، وبين بحر يراد له ان يسكب في زجاجة وبين بحر يتشبّث بأمواجه وزرقتها التي تتخلّق من كثافته وكأنه سحابة تحولت الى نافورة بسعة قصيدة كتلك التي اوصى بها أدونيس نفسه حين قال : زد سعة الأرض … في تلك الايام التي اضاءتها شمس سليطة الضوء وشعر جسور على مسأءلة الكون والتاريخ والجسد، سئل محمد الماغوط اسئلة تقليدية تحولت الى وتر رثّ تحت آلاف الاصابع الأمية عن تقنية قصائده، فأجاب بأنه كان غريقا في البحر وارتطم جسده بخشبة طافية على السطح فلاذ بها كي ينجو.
ولم يكن لديه من فائض الرفاهية والوقت كي يسألها عن نسبها؟ وما اذا كانت جذع سروة ام أرزة او زيتونة، هكذا كان التنوّع غزيرا حتى بين من يكتبون خارج السّرب، ويوصفون بالعقوق الشعري من اولي الشعر الذين هم توائم اولي الامر في ثقافة تشبعت بالباترياركية المحرومة من الفطام.
حساسية أنسي الحاج اللغوية استبدلت حديد العمود الذي تصلّبت شرايينه من فرط النظم لا الدسم بحرير الليل كي تفلّه لهذا كان أنسي صديقا حميما لليل يضع خدّه على زغبه الاسود كما فعل ريلكة، ويصغي لصمت سماوي عريق حين كتب ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة ؟ أقام فاصلا جذريا بين ما يصنع وما يفعل، فالوردة نقيض الذهب لأنها تموت ولأنها تعشق ببراءة ومجانية فما من أحد يأكلها، انها درس في براءة الوجود مقابل تلك البلاغة الذرائعية في التعامل مع الذهب بكل ما يعنيه من برودة وشحوب ونفعية.
أنسي من هؤلاء القلة الذين كبروا خارج الزمن فهو يرحل الآن عن العشرين الرابعة من العمر، توقف عند الثانية والعشرين ليحشد كل حيويته الراعفة باتجاه رحلة الأبد، وبعبارته هو يعيش في ريعان الموت، لغة أنسي التي تقطّر منها معجمه الشعري ذات حفيف رسولي، يضمّخه شوق يتجاوز الشرط الأرضي، لأن جدلية الفناء والديمومة، تشترط لكي تبقى روحا وثّابة، وحنينا الى مطلق المكان والزمان، لأن الحدود قيود .
* * * * * * 
كتب مبكرا في النقد بدءا من الانطباعي المتزامن مع صباه الشعري، حيث كان يسود التبشير بالحداثة ،حتى التطبيقي المتحرر من نمذجة الذات، واعتبارها محورا للوجود ومقياسا للابداع، اذكر للمثال مقالته بعنوان واقعية المرض والانفعال عن الراحل البياتي في مجلة ‘شعر’ وكذلك ما كتبه عن الراحل عبد الصبور واستقصى من خلاله اصداء اليوت خصوصا من قصيدته الارض اليباب، وحين قرر ان يتقمص حالة التردد الهاملتية عند شكسبير، لم يجد ما يختصر ذلك سوى تكرار مفردة واحدة هي كلمات ثلاث مرات، وهذا بحدّ ذاته وقاية مبكرة من الإصابة باليقين الذي يحرم ضحاياه من نعمة الشك بكل جدوى حتى لو كانت جدوى الكتابة ذاتها.
يقول انسي :
زيارتكم عاجلة وسفري طويل 
تلك هي المفارقة الكبرى في مغامرة الحياة والابداع معا، تماما كما ان كتابتنا عنه الآن في لحظة وداعه خاطفة ان لم تكن عابرة ولا تليق بسفر طويل.
لهذا قال عنه ادونيس انه الأنقى بيننا، وان كان ادونيس قد أبقى باب المفاضلة في النقاء بين البشر ومنهم الشعراء مفتوحا على مصراعيه، ليقبل تأويلات لا نهاية لها، ولا اظن ان أدونيس الصارم في احكامه جازف بهذا الوصف لأنسي الحاج، لمعرفته اكثر من سواه بشعاب الشوائب المضادة للشعر في ايامنا، حيث حاول العشب المصنوع من المطاط والورق الايديولوجي المقوى ان يسطو على العشب الاعزل واجتاح الاشباه والاشباح معا الأصول بحيث بات كل اصيل بحاجة الى اعادة كشف حتى لو كان شجرة او طائرا !
لقد فضّل انسي بثّ طاقته في السجال خارج المدارات اليومية كالمقهى والرصيف والجريدة، وادخر هذه الطاقة لمساجلة الحياة ذاتها في تناقضاتها وتجلياتها وانتحاراتها عندما يختلط الأمر على الجميع فيظنّون الورم شحما، والسرطان عافية، والأرض كلها مجرد غرفة، بعكس هذا كتب أنسي:
ما عدت احتمل الأرض
فالأكثر من الأرض لا يحتملها
وهذه مناسبة للبوح في مناسبة تتيحه بامتياز لأقول كم هم محظوظون من لم يعيشوا ذلك العقد الفريد وهو ستينات القرن الماضي وما مهّد له من خمسينات الاشتباك والتجريب الجسور، لأنهم نجوا مما نشعر به الان من وحشة الفراق لمبدعين حملونا على اكتافهم كي نقطف ما نأى من العناقيد ونرى ما هو أعلى من الضوء والسحاب والسماء.
من لم يعش ايامهم قد يصف ما نقول بالنوستالجيا او التورط بنظرية هزيود عن تراتبية الأزمنة، فما مضى هو دائما من ذهب وما يليه من فضة وينتهي الامر عند الصدأ … بعد ان يكون قد اتى على القصدير كلّه، بلا مواربة او احتراز، نشعر بالوحشة التي تتزايد كلما رحل واحد من تلك السلالة، فقد عبدوا لنا طرقا في الغابة وفي الصحراء ايضا، فالحداثة في زمنهم كانت اجتراحا يحاصرها التأثيم من الجهات الستّ، اذا اضفنا الى البوصلة السماء والأرض …
اتخذ أنسي الحب مكان كل مكان، فاهتدى الى الرحيق حيث هو .. في نشيد الانشاد او في ريشة الغراب المُتلألئة سوادا ومضى ….
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *