الرئيسية / “الإيمان بمحمد ” : قراءة في مراجعات المفكر السوداني النيل أبو قرون

“الإيمان بمحمد ” : قراءة في مراجعات المفكر السوداني النيل أبو قرون




د. عادل عبدالقادر بابكر*

( ثقافات )



بين يدي مجموعة من الإصدارات الجديدة لأحد الكتاب والمفكرين المتميزين ، وهو الشيخ النيّل عبدالقادر أبوقرون الذي لا يحتاج لتعريف إذ يعرفه أهل السودان، ويعرفون كذلك أسرته الكريمة على اختلاف أجيالهم كما يعرفه المهتمون بقضايا التشريع والفكر والتاريخ الإسلامي، وذلك لطرحه كثيراً من الآراء الجريئة حول بعض ما يكتنف هذه القضايا من إشكالات ومفاهيم موروثة، وذلك أدى بدوره إلى نقاشات ساخنة ومحاورات فكرية شغلت الرأي العام لفترة كتلك التى دارت حول إعادة قراءة بعض الوقائع التاريخية مثل قصة أسرى بدر وقصة سحر النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وتفسير بعض الآيات (مثل تفسير سورة عبس) وهو موروث أخذ به المسلمون كمسلّمات دون النظر إلى ما يكتنفه من إشكالات كطعنه فى عصمة النبوة ودون البحث فى تناقض كثير من الروايات التى تستند إليها بعض التفاسير حسب ما أوضح فى طرحه.
أرى فى صدور هذه الكتب وتوفرها بالمكتبات الآن فرصة عظيمة لكل باحث ولكل طالب علم، ولكل من ينشد معرفة الحقيقة من مصدرها الأصلي دون اللجوء إلى بناء معرفته (إضطراراً أو إختياراً) ومن ثمَّ بعض أو كل مواقفه من هذا الطرح إستناداً على مصادر سماعية لا يمكن إلا أن تحمل إنطباع ورأي الغير. 

المحور الأساسي الذى يدور حوله الطرح الفكري للشيخ النيّل أبوقرون هو الرحمة العظمى التى أرسلها الله للعالمين سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله وبارك عليه وآله، الذى سبق أبانا آدم فى الخلق وختم رسالات الله إلى خلقه فقد أخطأ المسلمون بأن فصلوا الرسالة عن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله، وظنوا مخطئين أنهم يعرفونها خيراً منه وجوزوا لأنفسهم بذلك محاكمة جنابه الشريف إلى رسالته، وأن يخطّئوه فى أدائها فكان هذا باباً لانحراف الأمة ووقوعها فى كثير من الضلالات لقصورهم عن معرفة الرحمة التى أرادها الله لعباده.
يورد الشيخ الكريم هذا المبدأ الأساسي فى رسالته “فى رحاب الرسالة” والتى حواها كتاب “مراجعات فى الفكر الإسلامى” الذى صدر عام 2008. يضيف الكاتب الكريم أن الرسالة لا تنفك عمن جاء بها وهو المُرسَل رحمةً لكافة الناس ، قال تعالى: (إنا كنا مرسلِين، رحمة من ربك إنه هو السميع العليم) وقال: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) وقال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ، ثم إن النبي الأكرم صلى الله وبارك عليه وآله كان أعظم خلق الله خُلُقاً إذ كان خُلقه القرآن ، قال تعالى: (وإنك لعلى خُلقً عظيم) فلا يمكن أن يصدر منه أي خطأ أو ما يصدر من غيره من عامة الناس أو أن يتصف بما يخل بمكارم الأخلاق ، كما أن المقصد من البعثة الشريفة كان كما أخبر عنه النبى صلى الله وبارك عليه وآله (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) لذلك جاءت الرسالة الخاتمة مكملة لما جاءت به الرسالات السابقة ولم تأت ناسخة لها لذا كانت هى الرسالة الخاتمة المرجع ومطلب الكمال الإنساني.
بناءاً على ذلك جاءت بعض هذه الإصدارات لتناقش كثيراً من تلك القضايا التى تتعلق بكل جوانب الإيمان بالله وبرسوله المعظم صلى الله وبارك عليه وآله وعلاقة الإنسان بنفسه ، بأخيه الإنسان وبالكون مثل كتاب “الإيمان بمحمد” وكتاب “كلية الإنسان” الذى يتكون من كتابين (الصراط المستقيم وكلية الإنسان) 

من الكتب التى تبحث فى تاريخ الأديان (أو قصص الأنبياء إن شئت) وتاريخ منطقة السودان كتاب “نبى من بلاد السودان” الذى يقدم قراءة مغايرة لما هو متعارف عليه من قصة سيدنا موسى عليه السلام حيث يُرجِع الكتاب أصله إلى منطقة شمال السودان الحالي كما يدلل على أن فرعون هو الملك النوبي تهراقا.

كتاب آخر يناقش رأي الإسلام فى النظم السياسية وعلاقة الدين بالدولة وهو كتاب “الإسلام والدولة” الذى يجيب فى رأيي على الإشكالية المزمنة حول علاقة الدين بالسياسة أو إشكالية الإسلام السياسي التى ظلت تمسك بتلابيب المجتمعات والدول الإسلامية منذ فجر الخلافة الإسلامية وحتى يومنا هذا.
آخر إصدارات الكاتب الكريم هو كتاب “شفاء الذمم من إتهامات المسلمين للنبي الأعظم” الذى يجمع فيه آراءه التى رد وفنّد فيها كثيراً مما يعتبره غير جائز ولا مقبول فى حق الجناب المحمدي الشريف وهو ما بلغ مجموعه تسع عشرة مسألة مثل قصة أسرى بدر وقصة السحر وتفسير سورة عبس وغيرها.

إن الهدف من كتابة هذه المقالات هو لفت انتباه القارئ الكريم إلى رقي الطرح الفكري والعلمي الذى تحتويه هذه الإصدارت مما يحملنى على الجزم بأنها أرقى وأرفع ما قرأت، ذلك أنها تخرج بالقارئ من سياق الطرح التقليدي الذى يجنح إلى الفذلكة الدينية والتاريخية والذى تحتويه كثيرٌ من الكتابات الحديثة أو حتى القديمة منها. لذا سأحاول فى كل مرة إستعراض جزءٍ من هذه الكتب وحتى لا أطيل لنبدأ بكتاب :

الإيمان بمحمد 

يحتوى كتاب الإيمان بمحمد على ثلاثين قسماً تتعرض لعدة مواضيع مهمة بالتحليل والنقاش. يتحدث الشيخ النيّل فى مفتتح الكتاب عن قدسية النص وعدم قدسية الفهم ويؤكد أنه لا يلزم أحداً بفهمه، كما أنه لا يلزمه فهم أحد للنصوص ….. يتحدث أيضاً عن محبة النبي صلى الله وبارك عليه وآله وأنها هى التى عليها المدار إذ هي الإيمان ولا إيمان بدون محبة ولا محبة مع قبول ما يطعن فى عصمة النبي، العصمة التى يتعرض لها معنىً واصطلاحاً فى أول جزءٍ من الكتاب حيث يقدم فهماً راقياً ومتقدماً لمعناها، ويتعرض لجنوح بعض التفاسير إلى إلقاء اللّوم على الجناب المحمدي الشريف فى وقائع تاريخية أو الطعن فى عصمته بقصص وهمية مثل قصة سحر النبي والصلاة على الصحابي إبن سلول وتفسير سورة عبس وغيرها مما يخالف صحيح القرآن حيث يقول تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم) ويفند الكاتب الكريم ما ذهب إليه هؤلاء المفسرون ويرد فهمهم معلناً بأن الله قد جعل طاعته طاعة النبي، وأن عصمته صلى الله وبارك عليه وآله عصمةٌ ذاتية لا تقاس على شئ لأن إفتراضية وقوعه فى أي خطأ غير واردة أبداً بمعنى أنه لا يقال أنه صلى الله وبارك عليه وآله لا يخطئ لأن ذلك يصح تقييماً للمتّبِع، ونبينا صلى الله وبارك عليه وآله مشرِّع وأنّ فعله هو فعل الله عز وجل.

يتعرض الكاتب الكريم بالنقاش لبعض الظواهر الكونية مثل الأرض وعلاقتها بالكون وبالشمس والكواكب الأخرى، ثم القمرومنازله وعلاقة القمر بالأرض وبما عليها ومن عليها خصوصاً علاقة القمر بالإنسان ويدلل على أن الأرض هى مركز الكون، ثم يتعرض لتبدل الأهلة والخلفية التاريخية للتقويم القمري أو الهجري عند المسلمين مع مناقشة الجوانب الحسابية و التطبيقية للتقويمين القمري والشمسي ومواقيت الأهلة. 

يطرح الكاتب الكريم أيضاً كثيراً من الأسئلة الصعبة حول بعض المُسلّمات مثل سرعة الضوء فى مقابل سرعة الصوت وفرضية تعامد الشمس على بعض أجزاء من الأرض وما يحكم توزيع درجات الحرارة على سطح الأرض، وعلى أجزاء العالم وسر ظلمة وبرودة الفضاء حول الأرض مع قربه من الشمس المفترض أنها مصدر الحرارة.

يتعرض الكاتب الكريم بالشرح والتحليل لأول معصية بل وتحدٍّ لله عز وجل سجّلته الكتب السماوية ألا وهوعصيان إبليس أوامرالله عزّ وجل بالسجود لآدم عليه السلام ثم كانت معصية آدم عليه السلام وأكله من الشجرة التى نهى عنها ويقدم فى ذلك تحليلاً نفسيا متميزاً لدوافع المعصية عند إبليس والتى سمّاها “المعصية بفتوى” حيث دفع هذا المدخل وهذه النفسية (إن صح تعبيري هذا وجاز لى القول) إلى الإفتاء أمام الحق عز وجل بالخيرية فى الخلق على آدم (قال أنا خيرٌ منه….) وكان ذلك هو سوء الأدب بعينه مع الله تعالى ، كل ذلك كان فى مقابل تواضع آدم عليه السلام واعتذاره لله وإقراره بذنبه (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) لذا قبلت توبته بل لم تمنعه من إصطفاء الله له (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين).

يذكر الكاتب الكريم فى قسم من الكتاب سمّاه “الفتاوى والدين” أن الله عز وجل لم يأت على ذكر حواء عليها السلام مع اشتراكها فى المعصية كما دللت الآية أعلاه ولكنه قال: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وفي ذلك اشارة من الشارع الحكيم بوجوب ستر المرأة وحسن معاملتها وتكريمه لها إذ هى الأفضل مدللاً بالآية الكريمة (وليس الذكر كالأنثى) والتى فهمت خطأً أنها تعطى الأفضلية للرجل وما نتج من ذلك وغيره من استسهال إدانة المرأة وفضحها.

من المواضيع المهمة التى ناقشها الكتاب موضوع “علم الغيب” ومصطلح “النبي الأمي” حيث يعرّف الكاتب الكريم مصطلح الغيب ويبين أقسامه وإمكانية إحاطة الإنسان ببعض الغيبيات وموقع علم النبى صلى الله وبارك عليه وآله من ذلك ضارباً المثل بعلمه بالمنافقين وإعلامه الصحابي حذيفة بذلك.

يناقش الكاتب الكريم أيضاً مصطلح “النبى الأمي” ويبين الخطأ الذى وقع فيه أغلب المسلمين بادعائهم أنها تعني الجهل بالقراءة والكتابة، ويبيّن أن منبع هذا الفهم هو الإعتقاد بأن جبريل كان معلماً لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله علماً بأن الله يشير إلى معرفة النبى صلى الله وبارك عليه وآله بالقرآن وأنه كان عنده كاملاً قبل نزول الوحي، ولكنه لم يؤمر بالتكلم به قبل ذلك، قال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) وكلمة أمّي لم تكن سوي أنه منسوب إلى قومه الأميين وهم الذين لم ينزل إليهم كتاب كما كانوا يُدْعوْن من أهل الكتاب والذين قال تعالى على لسانهم: (ليس علينا فى الأميين من سبيل) وقال: (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ..) وقال: (هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم) ، إذن فالأمية لا تعني عدم معرفة القراءة والكتابة لأنّ كثيراً من القرشيين كانوا يعرفون القراءة والكتابة ويستدل الكاتب الكريم بمعلقات الكعبة وبالكتّاب الذين كانوا يكتبون الرسائل والأحاديث النبوية على عهد النبوة وما تلاه، أما الأميّون فى أهل الكتاب فهم الذين ليس لديهم العلم بالكتاب المنزّل إليهم ، قال تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون).

أقول تعليقاً على هذه الجزئية البالغة الأهمية أن الفهم السائد وسط أغلب المسلمين لمصطلح أميّة النبى صلى الله وبارك عليه وآله هو من المفاهيم الكارثية إذ يقود إلى إلحاق نقص برسول الله صلى الله وبارك عليه وآله وهو الجهل بشئٍ – حاشا لله – ثم يقود بالمقابل إلى أن يفضل المرء نفسه على رسول الله وتلك هى إحدى المصائب التى حلت بالأمة ، لذا أرى أن ما قدمه الكاتب الكريم هو فهم مهم ومصحّح بل ومنجىٍ من إحدى المهالك التى سيقت لها الأمة. 

ختاماً أكتفى بهذا القدر من استعراض كتاب “الإيمان بمحمد صلى الله وبارك عليه وآله” وهو كتاب جدير بقراءة متأنية لما يحتويه من طرح فكرى راقى بأسلوب سهل بسيط ولما يلقيه من الضوء على كثير من القضايا الهامة والمنسية وسأستعرض بإذن الله فى المرة القادمة كتاب “الإسلام والدولة”.


* باحث وأكاديمي من السودان يقيم في السويد



شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *