الرئيسية / إضاءات / الراحل جوزف حرب: كل أسطورة تحتاج إلى يومياتها..

الراحل جوزف حرب: كل أسطورة تحتاج إلى يومياتها..


وغيمة كان يأتي إلى دمشق؛ شاعر “شجرة الأكاسيا” و”السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية” لم يتنازل عن “محبرته” التي أهداها مرةً أخرى وبكل وضوحٍ إلى الموت، مُسجلاً أكبر كتاب شعري في التراث العربي المعاصر عميقاً في غنائيته، أصيلاً في بسالته الأولى، فمنذ أن كتبَ لفيروز أجمل أغانيها، كان ما يزال يأتي إلى برّ الشام كي يشرب القهوة معنا، تغني فيروز قصيدته “لبيروت من قلبي سلام” وتزنّر جنوب لبنان بـ(أسوارة العروس) الأغنية التي كتبها قبالة شاطئ “المعمرية” قريته الجنوبية المطلة على بحر صيدا. من هناك أتى الشاعر وإلى هناك يمضي أخيراً..هكذا دوّن صاحب “دواة المسك” يوميات أشجاره، ناجزاً في صباحاتنا، لطيفاً وحميماً كأسراب من رسائل دهرية.

التقيت الشاعر جوزف حرب أثناء زياراته التي لم تنقطع إلى دمشق وكان معه الحوار الآتي:
÷ من يقرأ ديوانك “أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها” يفاجأ بقدرتك على كتابة المزيد من النصوص الشعرية الجديدة في مناخاتها وصورها الإبداعية، وكأنكَ تنسى كل ما كتبته.. من أين تأتي بهذا السيل العارم من الصور والأمثولات الشعرية؟
} أستطيع أن أقول لك إنه ليس هناك خطة أو منهج لكتابة الشعر، بل هناك ولوج لمجهول؛ له أول لكن ليس له آخر، فالقصيدة من يحرّكها في داخل الشاعر هو الاستغراب والتعجب منها، كيف استطعت أن أنسى كل ما كتبت حتى عدتُ وكتبتُ ما كتبتُه، طبعاً الناقد الذاتي هنا لا يكل ولا يمل عن محاسبتك ونهيك إزاء أفكار كثيرة، الناقد الذي في داخلي لا يتركني سعيداً أبداً..
÷ هناك أماكن في ديوانك المكتوب بالمحكية “تركتك قصب فليت نايّ” تبرأ من القصيدة التي تعزوها لشاعر آخر يكتب عنك، هل الشاعر وسيط للقصيدة ليس أكثر؟
} صحيح.. فالشاعر في حالات معينة هو عبارة عن وسيط، وهنا يكتفي الشاعر بدور المُحب الذي يرى قصيدته تعبر منه وتلتبس عليه؛ لكن ما يميز هذا النوع من العطاء الشعري هو المحبة لما تكتب وإيمانك المطلق به. وكأن هناك أحدٌ آخر غيركَ لا تعرف ماذا سيكتب، ولا متى سيأتي إليك أو متى سيتركك دونما رجعة. هذا ليس شعراً بقدر ما هو حالة شعرية بحد ذاتها، المهم أنني أشعر بالسعادة لما وصلتُ إليه من الكلمات والصور التي أستطيع من خلالها أن أترجم هذه الحالة الشعرية إلى قصيدة. لذلك أنا أدين هنا للشاعر الآخر الذي يسكنني ويعتريني، شاعر لا أعرف عنه شيئاً إلا في لحظة إشراق عالية يكتب عني، ويلهمني، أما أنا فأبقى وحيداً من غيره، ولا أعرف إلى أين ستذهب قصيدتي من بعده..
÷ في ديوانك “أجمل ما في الأرض أن أبقى عليها” تقول: الشعر ناي..النثر قصب؟
} قصدت هنا النثر وليس القصيدة النثرية، فالشعر الموزون إما أن يكون موزوناً على تفعيلة، أو بحر، والبحر الشعري مكوّن من تفاعيل كما تعلم، لكن هناك تفعيلة مخصصة لكل بحر؛ خذ مثلاً تفعيلة “فعولن” سترى أنها تحتوي على عدة تفعيلات فيجوز فيها “فعلن، فعولُ، فعولْ..إلخ، ما أريد قوله إنه ليس هناك وجود لما يسمى قصيدة النثر، هناك قصيدة التفعيلة وقصيدة الموزون، وللأسف أغلب الشعراء لم يكتشفوا هذا الأمر، بل جربوا أن يكتبوا شعرهم بتكرار التفعيلة الواحدة في قصائدهم، على نحو”فعولن، فعولن فعول” فلديك فاعلاتن، أو مستفعلن فاعلاتن، أو مستفعلن فعلن؛ مستفعلن فعلن مثلاً، وهناك تفعيلة بحر الرجز التي كتبتُ بها أولى قصائد “مملكة الخبز والورد”. إن أغلب الذين كتبوا شعر التفعيلة وفي مقدمتهم محمود درويش نظموا على التفعيلة المتكررة “فاعلاتن فاعلاتن فاعلن” لبحر الرمل أو مجزوء بحر الرمل؛ أما أنا فكتبتُ بطريقةٍ دائرية؛ إذ كنتُ أختم دائماً بإيراد بيت موزون عند كل مقطع أو قصيدة للدلالة على نوعية البحر الذي أكتبُ على وزنه؛ مثلاً تفعيلة بحر الرمل التي كتبتُ عليها كنتُ أستخدم منها مجزوء بحر الرمل “فاعلاتن فاعلاتن، وكنت أختم بأبيات موزونة للدلالة على البحر الذي أنظم عليه القصيدة.
قصيدة النثر
÷ أفهم من كلامك أنكَ تريد القول إن قصيدة النثر موزونة؟
} قصيدة النثر قائمة على تفعيلة بحر المتقارب بكل جوازاتها، وهي تتقاطع أحياناً مع تفعيلة البسيط “فاعلن” تصبح “فعلن” أو تفعيلة بحر الخبب “فعلن فعلن فعلن..” ويجوز هنا أن تكون “متفعلن” أو “فاعلن”. وجميع قصائد النثر مكتوبة على هذه الجوازات التي تشكّل بحركاتها وسواكنها إيقاع القصيدة الحديثة. وقد خالفني بهذا الرأي الناقد المصري جابر عصفور” في المؤتمر الأخير لمجلة “العربي بالقاهرة” فقلت له: جرّب أن تقيس ما تقرأ من الشعر الحديث على جوازات المتقارب وسوف ترى كيف أن مجمل ما يكتب اليوم تحت مسمى قصيدة النثر ينتمي لهذه الصيغة في النظم أو الأوزان الشعرية.
÷ بهذا الفهم هناك الكثير من النقاد صنفوا كتابيك “رخام الماء” و”كلك عندي إلا أنت” بأنها نصوص نثرية؟
} أجل ..لكن لماذا؟.. لأن معظم الشعراء الذين يكتبون القصيدة الموزونة اليوم أو قصيدة التفعيلة عوّدوا القارئ على أوزان تعتمد التفعيلة الواحدة التي تتكرر طوال النص الشعري، أما أنا فاستخدمتُ في “مملكة الخبز والورد”، أو “شجرة الأكاسيا” مثلاً وزن “مستفعلن مستفعلن فعلُ” أو “مفاعلاتن مفاعلاتن فعولُ” أي أنني حاولت أن أكسر ما يسمى بتكرار التفعيلة الواحدة “فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن” أو بحر الخفيف الذي كتب المتنبي معظم أشعاره على عروضه. طبعاً هنا لا أقصد بالنثر قصيدة النثر ذاتها، فكاتب قصيدة النثر إذا كان لديه إلمام بسيط بالبحور الشعرية سيعرف أن هناك الكثير من الأسطر في قصيدته موزونة من غير أن يقصد ذلك، ولنأخذ مثالاً أشعار بول شاؤول أو عباس بيضون؛ ستلاحظ أن نصف ما كتباه في قصيدة النثر هي قصائد موزونة من دون أن يتقصدوا ذلك، وهذا مردُه برأيي إلى عبقرية اللغة العربية وإيقاعاتها التي كتُبت على هذا النحو المضبوط إيقاعياً، هذا يأتي من لا وعي نطق الشاعر وكتابته للحركات والسواكن في القصيدة الحديثة؛ حيث سنلاحظ خطأً واضحاً عند شعراء قصيدة النثر يتعلق بتكرار التفعيلة في السطر الواحد سبع أو ثماني مرات وهذا ما يمكن أن يعيبه الجرجاني على شعراء اليوم عندما حدد أربع حركات للسطرأو “البيت الواحد” وهذا أيضاً يتعلق بمفهوم القول. أوكتافيو باث شاعر المكسيك كان يؤمن أن الشعر قول وكذلك الشاعر الإسباني “لوركا” كان ينادي بأن الشعر قول، أي طبيعة السمع ووقع الجملة على الأذن، جميل أو ليس جميلاً، أي إن أداة السمع وأداة النطق تشتغلان على ما يسمى بالإيقاع ؛ وقع الجملة إذا كان يشتمل على إقواء أو بدونه، من هنا قال الناقد عبد الله العلايلي بأن أي كلمة إذا خالفت الأصول، ووقعت وقعاً حسناً في السمع استعْملها حتى وإن خالفتَ الأصل.
برأيي على الشعراء الجدد أن يطلعوا على الأوزان الشعرية لا بهدف الكتابة وفق هذه الأوزان؛ وإنما الإطلاع عليها لمعرفة إيقاعات اللغة، إذ لا معنى لتسمية “قصيدة النثر” لأن هذه القصيدة كما أسلفت موزونة عبر علاقات في أصل الإيقاع الذي تختزنه اللغة العربية ضمن تركيبها الفونيمي، بالمقابل أي نص نقدي هو نثر، أما قصيدة النثر أو ما يسمى بـ”الشعر المنثور” فهذا لا معنى له أيضاً؛ في النهاية نحن أمام شاعر أو لا شاعر، فإذا أتى خمسة شعراء كل مئة سنة فهذا أمر يجب أن نحمد الخالق عليه إذا ما تحقق.
÷ أفهم من كلامك أن محمود درويش كان يعرف بأن هناك تهالكاً للغة الشعرية العربية؛ لا سيما ما يخص إيقاعاتها عندما قال: “سقط الحصان مضرجاً بقصيدتي، وأنا سقطت مضرجاً بدمِ الحصان”..هل كان ذلك تلميحاً إلى سقوط الشاعر المعاصر عن الوزن القديم الذي صاغته حوافر الخيل والإبل؟
} أولاً علينا أن نعرف أن شعراء الجاهلية كتبوا الشعر قبل أن يضع الفراهيدي بحوره الشعرية المعروفة، الشاعر اليوم ليس محكوماً بمعادلة تراثية، بل هو محكوم بإيقاعات اللغة، فإيقاعات اللغة هذه ما زالت هي ذاتها منذ الجاهلية وحتى اليوم، المتحرك ما يزال متحركاً، والساكن ما يزال ساكناً، هذا لا يمكن أن تضيف عليه اليوم؛ فالإضافة هنا لا توجد أصلاً لأن تكوين الحركة في اللغة هو ذاته منذ قرون، فطبيعة الحركات والسواكن في اللغة العربية هي طبيعة واحدة ليس في الشعر فقط، وهذه العلاقات بين الحركات والسواكن تقارب ست عشرة حركة؛ حتى في نص مكتوب عن المال وأخبار البورصة يمكنك أن تلاحظ العلاقة نفسها بين هذه الحركات والسواكن الموجودة في النص، والتي تصل إلى ستة عشر إيقاعاً في أي نص مهما يكن نوعه. إنه مأخوذ كما قلتُ لكَ من اللغة، وليس الفراهيدي من أخذ هذه الإيقاعات من الشعر، لذلك شاعر مثل محمود درويش إذا استقى من اللغة هذا شيء؛ وإذا استقى من الإيقاع فهذا شيء مختلف تماماً، هذا منوط بإيقاعية داخل اللغة العربية لها علاقة باستحداث أشباه أوزان مكتملة تستطيع أن تكتب عليها قصيدة شبه موزونة.
÷ ماذا عن شعراء قصيدة النثر؟ هل يشتغلون على أشباه الأوزان، أو أعشار الصوت؟ إذا جاز التعبير؟
} الطامة الكبرى أن معظم شعراء قصيدة النثر ليس لديهم أدنى دراية بإيقاعات اللغة العربية، هذه مصيبة حقيقية بالنسبة للشعراء الجدد الذين يريدون أن يكتبوا قصيدة النثر من غير الشغل على عبقرية اللغة التي لا يمكن اختبارها إلا باكتشاف أسرار إيقاعاتها المخبوءة؛ والتي هي جزء من طبيعتها الفريدة. باعتقادي الإيقاع جزء مهم من عبقرية الشروط الإبداعية للغة العربية؛ والتي أعتبرها من أهم اللغات الحيّة، وذلك لأنها لغة مفتوحة بحكم اشتمالها على خاصية الاشتقاق، فأي شيء له جذر في اللغة العربية، خذ مثلاً لفظتي “البسكليت، والأتومبيل” التي وجد لها علماء اللغة مرادفات جميلة وعبقرية من جنس اللغة العربية، لاحظ أن الاشتقاق هنا يجب أن يكون حسن الوقع في الأذن، فسار أسرعَ من درَجَ، لذلك السيارة أسرع من الدراجة، ويقولون سار الرجل ولا يقولون درج الرجل، بل درج الطفل، ولذلك اشتق العلماء كلمة “سيارة” من فعل “سار” وكلمة “دراجة” من فعل “درج” ومثلها كلمات مثل قطار ومطار..إلخ..ما أريد قوله أن علماء وفقهاء اللغة اختفوا من حياتنا واختفت حركة الاشتقاق والتصريف معهم، وهذا بسبب اختفاء الباحثين الذين يتمتعون بإتقان الأصول الصرفية والنحوية، ولديهم فكرة واسعة عن مجموعة المفردات التي تشتمل عليها اللغة العربية، وثراء هذه المفردات والقدرة على الاشتقاق المناسب والصحيح منها. المطلوب اليوم من الشعراء الجدد ليس البحث المنهجي في الأصول الصرفية والنحوية، فهذا ميدان له باحثوه وعلماؤه، لكن على الأقل الشغل على طبيعة الإيقاع وجمالية الوقع على الأذن؛ باعتبار هذه الأذن هي الناقد الأول لما يقوله الفم، حتى وإن كنا أمام قراءة بصرية وخرساء للقصيدة التي يكتبها الشاعر، فبين الأذن والفم هناك حالة نقدية لا يمكن إدراكها إلا بالتربية الجمالية لهذه الإيقاعات والتناغمات الموجودة في طبيعة اللغة العربية؛ فالأذن – الناقد تمارس دوراً جمالياً في حذف واصطفاء الكلمات والجمل المناسبة في القصيدة أو المقطع الواحد.
÷ يعني المنطوق المعقول والمنطوق الأخرس يتساويان هنا..؟
} طبعاً ليس مطلوباً أن نرفع صوتنا في القراءة لنتعرف على الإيقاع في الجملة الشعرية، فالأذن العقلية تمارس نقداً شفافاً لهذه الجملة وتحاكمها جمالياً.
÷ البعض يقول على الشاعر أن يقرأ قصيدته بصوت عال ليتعرف على جسد قصيدته؟
} ليس من الضروري أن نفعل ذلك، فعندما نقراً القصيدة بصرياً تكون الأذن في حالة استماع وليس مطلوباً أن ترفع صوتكَ كي تسمع أذنكَ، فهي تسمع من غير الحاجة إلى علوّ طبقة الصوت لفعل القراءة الداخلي الذي هو بالأصل دفين وعميق في النفس.
÷ لكن شعراء الجاهلية كانوا يجيدون الخطابة وقراءة أشعارهم؟
} لهذا السبب، العرب تاريخيّاً، أسموا الشعر قولاً أو إنشاداً، ولذلك شاعر مثل بشار بن برد كان ينغّم الشعر فأطلقوا عليه لقب”صناجة العرب” ومثله الشاعر “عز الدين مناصرة” الذي كان ينشد أو ينغّم شعره في الأمسيات الشعرية.
درويش الأخير
÷ هل تؤيد الشاعر شوقي بزيغ بما قاله عن كسر في الوزن الشعري في ديوان درويش الأخير “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي”؟
} الخطأ عند الذين أخذوا ديوان “درويش” الأخير ونقلوه كما يحلو لهم، ثم من قال لهم بأن محمود درويش يريد نشر هذا الديوان؟! من قال لهم إنه لم يكن يفكر في إعادة النظر بما كتبه؟ الذي حدث أن سبعة أو ثمانية أشخاص ذهبوا ليحضروا هومير من جزر اليونان القديمة ويفتتحوا العصر الجديد بموته، وكأنه الديوان الأول لمحمود، كانوا انتظروا على محمود سنتين أو ثلاثاً؛ الرجل الآن يعيش.. وللتوّ مات.
÷ ثمة من يقول إن أشعاركَ تنتمي إلى أشعار الأنساق الأولى..جنة عدن..جمهورية أفلاطون..كتاب الموتى الفرعوني..الماركسية..؟
} إذا كان يتحتم عليك إتقان الأشياء التي تقوم بتكوينها، عليك أن تحمل كل جذورها معك، وإذا أردت الاستمرار في بحثك لا يمكنك أن تتخلى عن أية بداية، أنت لا تستطيع أن تجتزئ من التاريخ وتضيف عليه إلا إذا استطعتَ قراءة المعنى التاريخي الكلي لمفهوم القصيدة، وهذا لا يعني أن تنقل ما كُتب، بل هو قدرتكَ على الإضافة الحقيقية لما تقوم بالعمل عليه من خلال استقراء ما كُتب، لذلك شاعر اليوم يقع عليه عبء وتعب أضعافاً مضاعفة عما كان يتحمله المتنبي في عصره، لأنه يحتاج أن يحتضن ويهضم كل هذا الإرث حتى يستطيع أن يضيف عليه بشكل فعلي.
÷ لكن هناك من النقاد من يصنف شعر الأنساق الأولى على أنه شعر أسطوري، ويجافي الواقع واليومي، محتفياً بالمقولات الكبرى والأيديولوجية؟
} برأيي الدين أسطوري، الجوع في الكرة الأرضية أسطوري، ولا أستطيع أن أقتنع أن النموذج البشري وصل إلى ما وصل إليه من التطور وما يزال ثلث سكان العالم يبحثون عن رغيف الخبز، هذا يذكّرني بقصيدة رائعة للشاعر التركي ناظم حكمت عندما قال: “الحرير يملأ الدنيا والعراة يملأون الأرض، القمح يملأ الدنيا والجوع يغزو الأرض”.. هذا مردهُ إلى التركيبة الاجتماعية والأنظمة السياسية التي تحكم مجتمعات الجوع والفقر والفاقة، لكن في النهاية كل أسطورة تحتاج إلى يومياتها، فالأسطوري لا يمكن أن تصل إليه إلا من خلال التفاصيل اليومية الذي تعيشها، وحتى تعيش الحالة الأسطورية لحياتك لا يمكن إلا أن تمر في يومياتها، فالقصيدة الحديثة التي تغالي باستعراض تفاصيل التفاصيل اليومية آتية من ينابيع أسطورية، فمهما تعددت مساكبها، فإنها سوف تصب في نهاية المطاف في بحر الأسطورة، لكن ما يجري أن القصائد الأسطورية ارتكبت خطأ جسيماً عندما قامت بتنزيه الشخصية الأسطورية، فشعراء الأسطورة يحاولون أن ينظّفوا صورة هذه الشخصية من حاجاتها البيولوجية، حتى تتمكن من سبغ صفة المقدس عليها، وهكذا لا يمكن لهذه القصيدة إلا أن تقف موقفاً أخلاقياً من شخصياتها التي تحاول أن تنزهها، في حين لم توجد هذه القصيدة معادلاً فنياً لشرح ما يعتري شخصياتها من وسخ اليومي وقذاراته، هومير مثلاً أليس له رائحة عرق تحت إبطيه؟!..باعتقادي هذا ظلم للفن ولمعنى الأسطورة وزمنيتها.
________
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *