الرئيسية / قراءات / ثناء على الاستشراق!

ثناء على الاستشراق!



*د. هاشم صالح
صورة الاستشراق الأكاديمي العالي المستوى شوهت في العالم العربي وليس فقط الاستشراق الآخر الانتهازي العنصري الذي لا قيمة له من الناحية العلمية. ولم يبق منه شيء أصلا. أكاد أقول إننا ارتكبنا «جريمة فكرية» بحق العلم والمنهج الرصين والبحث المضني عن الحقيقة إذ خلطنا بين كلا النوعين من الاستشراق.. ذلك أن الاستشراق الأكاديمي كان باحثا عن المعرفة بكل صدق ومدفوعا بحب الفضول المعرفي بالدرجة الأولى ومتعة اكتشاف الحقائق التراثية. ولم تكن نزعة السيطرة والهيمنة تخطر له على بال. وهذه هي سمة العلماء الكبار.

فقد استطاعوا أن يسلطوا أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي الكبير والعريق. ونحن بأمس الحاجة إلى ذلك في عصر الأصوليات المزمجرة والظلاميات المطبقة. تراثنا بحاجة إلى تجديد منهجي ومصطلحي كامل. إنه بحاجة إلى نفض الغبار المتراكم عليه لكي نستطيع أن نزيح عبء الماضي عن كاهلنا فننهض ونحقق انطلاقتنا. ينبغي أن يتحول التراث من عامل كبح وعرقلة إلى عامل تحرير ومساعدة على الانطلاق الكبير. وهذا لا يمكن أن يحصل قبل أن نغربله غربلة شاملة عن طريق وضعه على محك أحدث المناهج العلمية والمصطلحات الفلسفية. وعندئذ يمكن فرز الصالح عن الطالح منه: أي الجوهر عن القشور. عندئذ نتخفف من أحمال وأثقال كثيرة لم يعد لها أي مبرر سوى عرقلة انطلاقة العرب والمسلمين. عندئذ يتحول التراث، ولأول مرة، من عامل تأخير إلى عامل تحرير، من عامل شد إلى الوراء، إلى عامل شد إلى الأمام. ولكن هذا المكسب العظيم لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تطبيق منهجية التفكيك الفلسفي والتاريخي على التراث. هذا ما فعله محمد أركون وكبار المستشرقين من أمثال جوزيف فان ايس وجاك بيرك وآخرون كثيرون.

هل كان إدوارد سعيد أصوليا؟

ينبغي التفريق بين نقد المسلمين المحافظين للاستشراق/ ونقد المفكرين العرب الحداثيين من أمثال أنور عبد الملك وإدوارد سعيد. وينبغي العلم أيضا بأن إدوارد سعيد تخلى، في أواخر أيامه، عن هذا الهجوم الحاد على الاستشراق ودعا إلى تشكيل نزعة إنسانية وعلمانية كونية تجمع بين الغرب والشرق على بساط واحد. والواقع أن أكثر ما كان يزعجه هو موقف المحافظين الجدد والمتطرفين الغربيين وليس الغرب ككل ولا الاستشراق ككل. فإدوارد سعيد ليس أصوليا! ولا ينبغي أن نستنتج خلاصات خاطئة من كتابه عن الاستشراق. نقول ذلك على الرغم من بعض الأخطاء التي ارتكبها والأحكام المتسرعة التي صدرت عنه بسبب عدم تخصصه في الدراسات الإسلامية. فهو ليس متبحرا في الشؤون التراثية الإسلامية مثل أركون أو بيرك أو رودنسون على سبيل المثال لا الحصر. إنه أستاذ في الأدب المقارن والنقد الأدبي بالدرجة الأولى. ولكنه في نهاية المطاف كان ذا نزعة إنسانية عميقة ويشكل جسرا حضاريا رائعا بين العالم العربي والعالم الغربي. وللأسف فقد رحل عن عالمنا مبكرا عندما كنا بأمس الحاجة إليه وإلى تنويره وذكائه الوقاد.

منهجية نقد التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي

لكي نفهم سبب حصول الصدام المروع بين المسلمين التقليديين والمستشرقين ينبغي علينا أن نموضع الإشكالية ضمن منظورها الواسع العريض. ينبغي العلم بأن المنهجية الفيلولوجية – التاريخية كانت قد طبقت أولا على التراث اليهودي المسيحي قبل أن تطبق لاحقا على التراث الإسلامي من قبل المستشرقين الكبار من أمثال غولدزيهر ونولدكه وشاخت وسواهم كثيرين. وبالتالي فعلماء أوروبا من مستشرقين أو غير مستشرقين طبقوا نفس المنهجية العلمية على تراثهم أولا قبل أن يطبقوه على تراثنا. وما كان هدفهم تدمير تراثنا اللهم إلا إذا كانوا أيضا يرغبون في تدمير تراثهم هم أيضا! العلم لا يدمر إلا الجهل والمعارف الخاطئة. العلم يعمر ويبني ويفتح الآفاق الواسعة. ولكنه مضطر أحيانا لأن يدمر الأفكار الخاطئة قبل أن يعمر أو يبني الأفكار الصحيحة. فالتصورات التي يحملها المؤمنون التقليديون في أعماقهم عن تراثهم الديني تبجيلية ولا تاريخية في معظم الأحيان. والعلم الاستشراقي لكي يتوصل إلى الصورة الحقيقية للتراث الإسلامي مضطر إلى تفكيك هذه التصورات الخيالية التبجيلية الموروثة عن الماضي منذ مئات السنين. ولذلك نشبت المعارك بينهم وبين أقطاب الأصوليين والشيوخ المسلمين.
وبالتالي كفانا محاربة للعلم في العالم العربي والإسلامي كله! كفانا معارضة لحركة التاريخ! التراث الإسلامي سيخضع للمنهجية النقدية التاريخية مثلما حصل للتراث اليهودي – المسيحي. هذا تطور مؤكد لا مفر منه إذا ما أردنا أن نلحق بركب العصر ونخرج من تخلفنا وانحطاطنا التاريخي المزمن. يضاف إلى ذلك أن هذه التصورات الخاطئة عن التراث والدين والإيمان مكرسة من قبل برامج التعليم والمدارس التقليدية في شتى أنحاء العالم الإسلامي. وهي السبب في تفريخ ملايين المتطرفين والجهاديين الإرهابيين. ولا يمكن مواجهة هذه الحركات إلا بعد تفكيك تصوراتها اللاهوتية التي تعمر عقولها والتي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. ومعلوم أن اللاهوت الديني القديم – أو الفقه التكفيري – هو الذي يخلع المشروعية الإلهية على هذه الحركات المتطرفة وهو الذي يعطيها ثقة هائلة بالنفس وقوة دفع لا مثيل لها. ولولا ذلك لما تجرأت أصلا على القيام بكل هذه التفجيرات العشوائية التي تحصد المدنيين بالعشرات أو بالمئات أو حتى بالآلاف كما حصل صبيحة 11 سبتمبر. وبالتالي فمكافحتها ينبغي أن تتم على أرضيتها الخاصة بالذات: أي أرضية الفكر الديني وإلا فلا يمكن التخلص منها ومن وبائها المستفحل الذي أصبح بحجم العالم. إن الإسلام كدين عالمي كبير يستحق مصيرا آخر: إنه يستحق نظرة أخرى وفهما تجديديا مستنيرا.
لكن بالمقابل ينبغي على نظرائنا الغربيين أن يعترفوا بأن هذه الأصولية الظلامية كانت موجودة عندهم أيضا. وقد عانت منها أوروبا ما عانته إبان محاكم التفتيش والحروب المذهبية الكاثوليكية – البروتستانتية. ولم تتخلص أوروبا من إرهاب الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية إلا بعد أن ظهر فلاسفة الأنوار وتصدوا لها ولفهمها الخاطئ المتعصب للمسيحية ورسالة الإنجيل بكل جرأة وقوة. كل اللاهوت القروسطي الطائفي تم تفكيكه على يد جون لوك وليسنغ وفولتير وروسو وديدرو والموسوعيين وكانط وهيغل ونيتشه الخ.. لهذا السبب سقطت المشروعية اللاهوتية القروسطية في الغرب ولم تسقط حتى الآن في العالم العربي أو الإسلامي عموما. لم تظهر عندنا حتى الآن حركة تنويرية ضخمة كتلك التي حصلت في أوروبا إبان القرن الثامن عشر والتاسع عشر. لا ريب في أنه ظهرت محاولات نهضوية تنويرية هنا وهناك ولكنها ليست كافية حتى الآن وليست راديكالية بالشكل المرجو. ولكن المستقبل واعد بالأمل لأن بعض المثقفين في العالم العربي أدركوا خطورة الوضع وأصبحوا يبحثون عن تشخيصات جديدة وحلول. وعليهم تعقد الآمال. قصدت المثقفين النقديين الأحرار لا المثقفين الديماغوجيين الذين يتواطأون صراحة أو ضمنا مع الفكر الأصولي الطائفي القديم. وعلى الرغم من أن هؤلاء الأخيرين لا يزالون يشكلون أغلبية عددية حتى الآن فإن مواقعهم تنكشف وتنحسر أكثر فأكثر. فالمثقفون النقديون المتنورون تتزايد أعدادهم أكثر فأكثر لحسن الحظ في مشرق العالم العربي ومغربه. على أي حال فإن المعركة الفكرية بين الطرفين محتومة ولا مفر منها. وهي ذات المعركة التي حصلت بين فولتير وخصومه في القرن الثامن عشر، أو فيكتور هيغو وخصومه وكذلك إرنست رينان وخصومه في القرن التاسع عشر. إنها معركة المثقفين التنويريين ضد المثقفين الأصوليين. وكنت قد كرست لها كتابا كاملا فيما سبق.

عنف الكنيسة الكاثوليكية.. الموقف يتكرر

هل نعلم أن الكنيسة الكاثوليكية هاجمت المنهجية النقدية التاريخية بنفس العنف الذي هاجم به المحافظون العرب الاستشراق؟ هنا نلاحظ أن علم الأصوليات المقارنة يقدم لنا إضاءات رائعة. فهجوم شيوخ الإسلام التقليديين على الاستشراق لا يختلف في شيء عن هجوم باباوات الكاثوليك ومنظريهم على إرنست رينان وبقية العلماء الذين طبقوا المنهج التاريخي على المسيحية الأولى وشخصية يسوع. فقد اعتبروا ذلك بمثابة تجديف وكفر وانتهاك للمقدسات المسيحية. وبالتالي فلا ينبغي أن نستنتج خلاصات طائفية أو عنصرية ضد الإسلام والمسلمين بسبب الظرف التاريخي الصعب الذي يعيشونه اليوم. لا ينبغي على المتطرفين في الغرب أن يستغلوا ذلك لتشويه صورتنا. فالإسلام سوف يغير موقفه عندما تنتصر الحداثة فيه مثلما غيرت الكنيسة الكاثوليكية موقفها بعد الفاتيكان الثاني. المسألة مسألة وقت ليس إلا. والمسلمون على الرغم من كل العراقيل سائرون على طريق الاستنارة والتقدم. لنقارن هنا بين ما فعلته السلطات البابوية بالعالم الفرنسي ألفريد لوازي الذي طبق المنهج التاريخي على الإنجيل، وبين ما فعله الأزهر وبقية المحافظين بطه حسين بعد صدور كتابه عن الشعر الجاهلي. رد فعل الأصولية الإسلامية على المنهج التاريخي لا يختلف في شيء عن رد فعل الأصولية المسيحية كما ذكرنا في مطلع هذه الدراسة.

الاستشراق.. إنقاذ التراث العربي

لكن لنعد إلى الاستشراق بالمعنى الحرفي للكلمة. نلاحظ أن انطلاقته الكبرى ابتدأت في منتصف القرن التاسع عشر أو قبله بقليل. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، أي طيلة قرن ونصف، شهدنا ظهور عدة موجات من المستشرقين الكبار. الموجة الأولى تمثلت بسيلفستر دو ساسي، وإدوارد ويليام لين، ورينهارت دوزي، وميكائيل جان دو غوجيه، وهنريش فليشير، وكراشكوفسكي في سانت بترسبورغ وسواهم. وفي هذا السياق ظهرت ترجمة القرآن إلى الألمانية على يد غوستاف فلوجيل عام 1834. إن هؤلاء المستشرقين الأوائل هم الذين مهدوا الطريق للدفعة الثانية عن طريق تأليف القواميس العربية وكتب النحو والصرف. فمعرفة اللغة العربية، أي لغة الإسلام الأساسية، تشكل البداية الأولى الإجبارية للانخراط في استكشاف مجاهيل التراث الإسلامي. وبالتالي فقد أصبح ممكنا لمن جاء بعدهم أن يدرس القرآن دراسة تاريخية فيلولوجية أو لغوية لأول مرة. وعندئذ ظهر كتاب المستشرق الألماني الشهير تيودور نولدكه «تاريخ القرآن». وقد اعتبر بمثابة الثورة الكوبرنيكية للدراسات القرآنية. فقبله كنا نفهم القرآن بشكل، وبعده بشكل آخر. أو قل قبله ما كنا نفهم القرآن على حقيقته. فلأول مرة يطبق المنهج التاريخي على نص الكتاب المقدس للإسلام. الكتاب صدر لأول مرة عام 1860، ولكن أضيفت إليه أجزاء جديدة على يد تلامذة نولدكه بين عامي 1909 و1938. وهكذا اكتمل الكتاب فصولا. ولكن هناك خدمة كبيرة أخرى قدمها الاستشراق للدراسات العربية الإسلامية غير تأليف القواميس والكتب النحوية هي: تحقيق المخطوطات العربية القديمة بطريقة تاريخية فيلولوجية. لأول مرة تُسحب هذه المخطوطات العتيقة التي علاها الغبار من بطون المكتبات والكهوف المظلمة لكي تُصحح وتُنقح وتُطبع على أحدث الطرق العلمية. هذه خدمة لا تقدر بثمن لتراثنا العربي الإسلامي. وكثيرا ما ينساها مهاجمو الاستشراق. من بين أهم المستشرقين الذين دشنوا هذا التحقيق العلمي لمخطوطات التراث نذكر: موريتز ستينشنيدر الذي تخصص بتحقيق المخطوطات العربية المسلمة واليهودية على حد سواء. ونذكر أيضا المستشرق الشهير كارل بروكلمان الذي اختص بتحقيق المخطوطات العربية بشكل عام سواء أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية لا على التعيين. ونذكر أيضا المستشرق جورج غراف الذي تخصص بتحقيق المخطوطات العربية المسيحية. هذا وقد تابع الباحث التركي فؤاد سيزكين أعمال أستاذه بروكلمان في تحقيق المخطوطات التراثية القديمة منذ عام 1967.. كم من المخطوطات أنقذها الاستشراق من النسيان والتلف؟ من يذكر بالامتنان هذا العمل الجليل للمستشرقين الفيلولوجيين الغاطسين في أعماق التراث ومخطوطاته والبعيدين كل البعد عن الشؤون السياسية الآنية؟ ما علاقة هؤلاء بالاستعمار؟ إنه لشيء مضحك أن ندينهم بحجة أنهم ينتمون إلى أمم غربية من إنجليزية وألمانية وفرنسية.. لا ريب في أنه كان هناك مستشرقون آخرون مرتبطون قليلا أو كثيرا بالإدارة الاستعمارية ولكن ليس هؤلاء.

التراث العربي في ضوء المنهج العلمي الحديث

بالإضافة إلى تحقيق المخطوطات وبالتلازم معه ساهم المستشرقون الرواد الأوائل في دراسة التاريخ الإسلامي بطريقة علمية. نذكر من بينهم المستشرق ألفريد فون كريمر الذي تخصص في دراسة التاريخ الثقافي الإسلامي، ويوليوس فلهاوزين الذي تخصص في دراسة التاريخ السياسي للإسلام. وأما المستشرق رينهارت دوزي فقد اشتهر بكتابه الموسوعي عن تاريخ إسبانيا الإسلامية عام 1861.
بعد أن تجمعت كل هذه المعلومات في اللغات الاستشراقية الأساسية كالإنجليزية والألمانية والفرنسية أصبح ممكنا دراسة الإسلام كدين وكذلك دراسة المجتمعات والثقافات الإسلامية. وعندئذ ظهر مستشرقون كبار من أمثال اينياس غولدزيهر، وهيلموت ريتر، ولويس ماسينيون. هؤلاء الثلاثة مهدوا الطريق لمن جاء بعدهم. ونضيف إليهم أسماء أخرى لا تقل أهمية إن لم تزد كالمستشرق جوزيف شاخت الذي هرب من النازية ولجأ إلى إنجلترا ونال الجنسية البريطانية وكتب مؤلفاته الكبرى. فهو الذي طبق المنهج التاريخي لأول مرة على الفقه الإسلامي أو الشريعة وخرج بنتائج باهرة. والآن يتابع أعماله ويطورها ويغنيها البروفيسور وائل حلاق في جامعة كولومبيا بنيويورك. وهو باحث عربي من أصل مسيحي فلسطيني. وهو مستشرق أيضا بالمعنى العالي والنبيل للكلمة.

تعريف واسع للاستشراق

سوف أقدم هنا تعريفا واسعا للمستشرق على النحو التالي: كل من يطبق المنهج التاريخي – الفيلولوجي – النقدي على التراث الإسلامي فهو مستشرق سواء أكان من أصل غربي أم عربي! أو لنقل إنه عالم مختص بالإسلاميات والدراسات العربية إذا ما أردنا تحاشي كلمة مستشرق. ولكن لماذا نتحاشاها؟ بهذا المعنى فإن المسلم الباكستاني فضل الرحمن مستشرق، وقل الأمر ذاته عن الكثير من الباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في مراكز البحوث والجامعات الغربية من أوروبية أو أميركية شمالية. ونذكر أيضا هاميلتون جيب الذي درس تاريخ المؤسسات الإسلامية بشكل خاص. هذا بالإضافة إلى المستشرق النمساوي غوستاف فون غرونباوم الذي تخصص في دراسة تاريخ الثقافة والحضارة الإسلامية. ولا ينبغي أن ننسى المستشرق أرندت جان وينسينك الذي درس الإسلام ضمن منظور علوم الأديان المقارنة. وهذا منظور جديد مقارن غير معهود بالنسبة للإسلام والمسلمين المنغلقين داخل السياج الدوغمائي المغلق: أي الذين يعتقدون أنه لا يوجد في العالم إلا دين واحد هو الإسلام وكل ما عداه ضلال في ضلال. ينبغي العلم أن هذا المستشرق الكبير كان وراء أكبر مشروعين في تاريخ الاستشراق والدراسات الإسلامية قبل الحرب العالمية الثانية وهما: الموسوعة الإسلامية في طبعتها الأولى بين عامي 1913 – 1942، ثم المطابقة والإشارات الخاصة بالتراث الإسلامي. وقد ظهر في ثمانية أجزاء بين عامي 1933 – 1989. وكلا المشروعين طبع في مدينة لايدن من قبل مكتبة بريل الاستشراقية الشهيرة. وهي أصل كل المشاريع الاستشراقية الكبرى.

أجيال المستشرقين

بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت ثلاثة أجيال من المستشرقين: هي جيل 1945 – 1960، وجيل 1960 – 1990، والجيل الحالي 1990 – 2013. وهذه الأجيال الثلاثة التي ذكرناها بشكل تقريبي ألقت إضاءات كبيرة على تراثنا العربي الإسلامي وبالأخص على الدراسات القرآنية والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بشكل عام بدءا من الفتوحات وحتى يومنا هذا. نذكر من بين أقطاب الاستشراق في هذه المرحلة مونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، ومن تلاهم كجون وانزبروف، وجوزيف فان ايس، وميكائيل كوك، وباتريسيا كراون، وأنجيليكا نويفرت، وجاكلين شابي، وكلود جيليو، وجيرد رودي – بوين، وتيلمان ناجيل، وعشرات غيرهم. هذا وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياسا إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال وكذلك المنهج والمصطلح. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولا «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعا وشمولا. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة.
وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون وليس فقط غربيون. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى الجديد للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي على تراثنا العربي الإسلامي. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة جدا هي: «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها الباحثة الأميركية جين دامين ماك أوليف. وشارك فيها أيضا باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، وأوليغ غرابار، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية للقرآن. وبالتالي فيمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة الإيمانية التبجيلية للمتدينين المسلمين. هذا لا يمنع ذاك. نحن لا نريد القضاء على العبادات ولا على التقى والإيمان وإنما نريد فقط أن نقدم للمسلم النظرة الأخرى عن الدين. ونحن نعتقد أن النظرة العلمية التاريخية توسع الإيمان وتجعله مستنيرا ناضجا ولا تنقضه بالضرورة. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما!

وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن» الذي صدر في باريس بإشراف الباحث الإيراني الأصل محمد علي أمير معزي. وقد شارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثا أكاديميا مسلما وغير مسلم. نذكر من بينهم محمد حسين بنخيرة، وأسماء هلالي، ومحمد أركون، وفرانسواز ميشو، وماري تيريز أورفوا، وفرانسوا ديروش، الخ.. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد مقتصرا على الباحثين الأجانب وإنما أصبح يشمل الباحثين العرب والمسلمين الذين يتقنون مناهج البحث العلمي ويقبلون بتطبيقها دون تردد على تراثهم الديني. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والأجانب يساهم مساهمة فعالة في حوار الثقافات والحضارات.
أخيرا سوف أختتم هذه المقالة التدشينية بقول ما يلي: إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب المناهج العلمية الحديثة بحجة حماية التراث! وهكذا أصبح الجهل حليفنا والعلم عدونا. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. أبدا لا. لا عصمة في العلم. هناك انتقادات كثيرة يمكن توجيهها للاستشراق والمستشرقين. فبعضهم ليس متحررا من الخلفيات المسبقة بما فيه الكفاية. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل نقدها. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه. وإذا كان بعضهم متحيزا ضدنا فإن البعض الآخر يحاول أن يكون موضوعيا منصفا بقدر الإمكان. وبالتالي فلا يمكن أن نضع الجميع في سلة واحدة حتى فيما يخص الاستشراق الأكاديمي. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي تبجيلية أو عبادية تقوية ليس إلا. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي قدم لنا الصورة التاريخية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا نضر أنفسنا عندئذ ولا نضره. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل تحريري لسببين: أما لأنهم عاجزون عن تطبيق المناهج الحديثة على التراث، وإما أنهم لا يتجرأون على ذلك إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع ورجال الدين. في كلتا الحالتين لم يبق لنا إلا الاستشراق الذي قدم لنا أكبر خدمة مجانا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة بالدرجة الأولى وإنما حب الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فورا بفتح مركز كبير للترجمة متخصص فقط بنقل أمهات الكتب الاستشراقية إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من تراكمات الماضي والانغلاقات التراثية.
_________
* مجلة المجلة

شاهد أيضاً

القيسي يصدر كتابه البحثي الأول عن “ابن عربي”

مراجعة جريئة تكشف تناقضات “الشيخ الأكبر” وانتقاصه من مقام النبي    بعد عشرة كتب في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *