الرئيسية / قراءات / .”قرطاج” رواية جديدة لجويس كارول أوتس

.”قرطاج” رواية جديدة لجويس كارول أوتس


*ترجمة: نجاح الجبيلي

في مقابلة معها وصفت الروائية الأمريكية “جويس كارول أوتس” روايتها “كنا عائلة مولفاني” الصادرة عام 1996 كونها تحرياً في “الحياة السريّة والمستقلة للعائلة.. الأفراح والأتراح، استمرارية النكات والدعابات، الألم المشترك؛التوق المتضارب للحرية المتزامن مع التوق إلى الحياة المنزلية؛ إن السر الذي لا يوصف هو في مركز العائلة. أريد أن أكتب عن الحيوات المعقدة بينما هي تتناسخ في ما بينها وتعرّف دائماً نفسها بالنسبة للأخرى”. تدور تلك الرواية حول اغتصاب امرأة شابة وصدمة الجريمة على عائلتها إذ تكشف ردود أفعالها المختلفة للحادثة عن ألغاز مخفية والضعف الذي قد أخفوه عدة عقود. 

والآن، وبعد عشرين سنة، تتحرى “قرطاج” الرواية الجديدة لأوتس ” منطقة مشابهة لكن بقسوة دوستويفسكية جديدة وتعرض الواجهة التي نصبها زوجان ناجحان- هما “زينو ميفيلد” وهو محامٍ مشهور ومحافظ قديم للبلدة محبوب من الجميع، وزوجته الشجاعة الحامية “آرلت”- أمام الضغط الضاري الذي لا يمكن تحمله تقريباً حين تختفي ابنتهما بعد ليلة غريبة في حانة صاخبة بجانب البحيرة يرتادها سائقو الدراجات والأفراد المشاكسون. وحسب الشهود كانت “كريسيدا” قد شوهدت لآخر مرة بصحبة شخص يدعى “برت كنساد” وهو جندي شارك في حرب العراق ومصاب بالصدمة الشديدة ومما يعقد المسألة أنه فسخ منذ وقت قريب خطبته لـ”جوليت” ،الأخت الكبرى للفتاة المغدور بها. 
قول المزيد عن الرواية سيكون خطأ لكن سرعان ما يصبح واضحاً بأن “قرطاج” ليست رواية مثيرة مشوقة كما يبدو لأول وهلة فحسب. بطبيعة الحال، هناك تشويق: هل ضلت “كريسيدا” طريقها في “البريسرف” وهي شبه برية من الغابات والبحيرات إذ يتيه السائرون أحياناً أم أنها قد جرى خطفها وإن كان الأمر كذلك فهل كان “بريت كنساد” مسؤولاً؟ ولماذا فسخ خطبته لجوليت؟ هذه الأسئلة الكافية بشكل طبيعي تصبح مركز التفكير في البلدة لكن الأخرى وهي أسئلة محيرة ، تبقى دون إجابة. 
لماذا كانت “كريسيدا”، الابنة الذكية العنيدة التي سميت نسبة إلى “كريسيد” غير الوفية التي كان مصيرها في نهاية القصة أنّ ” لا أحد أحبها ولا اعتنى بها” بينما أختها الجميلة التقية تدعى “جوليت” ،الأكثر رومانسية بين البطلات؟ وماذا كانت تحاول أن تتصل به حين كانت تلميذة في المدرسة إذ حاولت أن تخلق رسومات بقلم الحبر بإلهام من “أم سي إيشر” وفيها “أشكال مؤنسنة بيضاء.. تطورت بدرجات إلى أشكال تجريدية وأصبحت “سوداء”- ثم تطورت رجوعاً إلى أشكالها الأصلية وبياضاتها الأصلية- لكنها تغيرت بشكل عميق”. حينما يجري سؤال “كريسيدا” عن اسمها يكون رد فعل أبيها وأمها طارداً :” أوه حبيبتنا هيا. نحنُ لا نؤمن بالقدر في الولايات المتحدة لأمريكا في عام 1996- هذه غير العصور الوسطى”. لكن كل الآباء والأمهات، وبضمنهم “زينو” و”آرلت” يعرفون بأن “هناك أطفالا مشرقين مثل “جوليت ميفيلد”. ساذجة غير متعكرة وسعيدة” وثمة “أطفال عنيدون مثل “كريسيدا”. يتحدرون في حبر السخرية كأنهم في رحم” والسؤال من الذي جعلهم هكذا؟ 
إن الانحدار في حبر السخرية هي حالة خطرة في بلدة صغيرة ممتثلة في أمريكا- على الرغم من أنه ليس أكثر خطراً ربما من الاعتقاد في السرود القياسية للحب والبطولة. وحين يلتقي “زينو” لأول مرة مع “برت كينساد” فهو يذهل من رغبة خطيب ابنته الجادة المستقبلية في خدمة وطنه. “تريد أن “تخدم” الوطن- أي وطن؟ في الواقع أنه لا يجري درج أبناء ولا بنات القادة السياسيين في قوائم الخدمة العسكرية. لا يوجد شباب متعلمون في الكلية. سابقاً في عام 2002 تستطيع أن تفهم أن الحرب سوف يخوضها الأمريكيون من ذوي الطبقات الفقيرة التي يتجاهلها قسم الدفاع”. في الوقت نفسه فإن “جوليت” ،وحتى “كريسيدا”، على الرغم من تعبيرها الساخر الظاهر إلا أنها تطور ارتباطات ساذجة بآخر رومانسي يبدو كله لاذعاً في ضوء مصير أمهما الذي هو بالنسبة للحب والعناية بزوج يحبه الجميع، امتلاك يجب الدفاع عنه، وبتلك الميزة، فهو مخصص بشكل مهذب. 
حين بلوغ نهاية الرواية نرى بأن كل أبطالها الأصغر سناً هم في حالة بحث عن تحول ، يشبه تقليد كريسيدا لإيشر، سوف يحملهم من خلال بعض السواد العميق قبل رجوعهم ،مغفورا لهم من بعض الذنب غير المحدد، إلى أماكنهم الأصلية في العالم. يمكن أن تكون هذه العملية إصلاحاً لكن الإصلاح يمكن الحصول عليه فقط من خلال الكفارة لا فقط لخطايا المرء الخاصة بل أيضاً لخطايا الآباء التي هي ، كما يشير إليها “المهرج لانسلوت” في “تاجر البندقية” “مودعة لدى الأطفال”. في نهايتها التي ألهمها دوستويفسكي ربما تبدو رواية “قرطاج” أكثر عتمة من رواية ” نحن عائلة مولفاني” لكن ما تحققه هي رؤية عميقة حادة للذنب الأمريكي وقوتها الكامنة من أجل نوع من الغفران.
________ 
 عن: الغارديان/ المدى 

شاهد أيضاً

“الرجيف” للنوايسة: طقسٌ روائيٌّ مغايرٌ يلوذ بالإشارات والرموز

خاص- ثقافات محمد جميل خضر* من غير الشائع أن يلج قارئٌ ما إلى روايةٍ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *