الرئيسية / تحت خطم «الخزعلي»

تحت خطم «الخزعلي»


*أمجد ناصر


الرمال التي تدخل إليها من بين جبال اتخذت عند أشهَرِ عابريها في العصر الحديث اسمَ «أعمدة الحكمة السبعة»، بين أضلاعها الصخرية توجد الصحراء الحقيقية الوحيدة في البلاد. إن كانت الصحراء تعني رملاً، فهذا هو الرمل. لكن للرمل، هنا، اسماً وتاريخاً. تناقض! فليس للرمل، عادةً، اسم وتاريخ. تاريخ الرمل واسمه هو الرمل نفسه. كثبان وهضاب صغيرة قابلة للتغيُّر والترحال. عرعر. رمث. غضا. رتم. طلح. سرخسيات. عبوات ماء بلاستكية مشقَّقة. فردة حذاء رياضي ماركة «نايك» مقلوبة. مشبك شَعر حديدي رفيع. بقع زيت قاتمة. أشياء هشّة كخطى العابرين. كأشباح الظلّ. العزلة ليست وصفة جاهزة للاستشفاء. الظمأ ليس فكرة. التيه يعدك بعلاماتٍ مؤكّدة. ستقول: كيف أعود أدراجي؟ تكوينات نحتية تصعد من سرابٍ متراقصٍ. حتٌّ وتعريةٌ لا يتوقَّفان. أيدٍ تركتْ، في عُبورها الحائر، أثراً أيضاً. كتاباتٌ ورسومٌ على صفحة الصخور يقال إنها تنتمي إلى «ثمود»، ثم كتابات توحيدية لاحقة، قد تكون لطردِ لعنة أحاقت بقومٍ غابرين. ذِكْرُ إلهٍ أوحدَ، اجتثَّ، بكلمةٍ وضربة سيفٍ، الآلهة الإناث والآلهة الذكور، يتردَّدُ بخطٍّ لم يُضِع زخارفه الألفية بعدُ.
***
هناك من يتوقَّف تحت خطم جبل «الخزعلي» المكعَّب، أمام ذكرى أخرى. أحدث عهداً، بكثيرٍ، من كتابات «ثمود». ذكرى حملتها السينما إلى بقاع شتى في العالم: ثورة في الصحراء. أمراء وبدو وإنجليز ينسفون سكّة حديد، ويغيرون على قلاع معزولة تنوخ تحت قيظ ظهيرات حارقة. ضبّاط أتراك يخبِّئون ذهباً «عصملياً» على جانبي طريق لن يعودوا إليها مرة أخرى. وعودٌ تُقْطَع. خارطةٌ تتفكَّك. وعود تُنْكَث. خارطةٌ أخرى مخبّأة في أدرج عواصمِ إمبراطوريةٍ بعيدةٍ تنفردُ على الأرض. الأمرُ يتعلّق، لمن لا يعرف، بإقامة ضابط إنجليزي غامضٍ بين متمرِّدين على سلطة «الباب العالي» المتداعية وسط هذه الجبال، بالقرب من نبعٍ صخريٍّ سخيٍّ. لم تكن تلك الإقامة أكثرَ من وقفة تكتيكية. عبور إلى مدن وتجمُّعات وأعلام تُرفع على مقرّات حكومية فرَّ مديروها العموميون. لِمَ نرى شعلة العبور الليلي السريع ولا نسمع أصوات الذين أقاموا طويلاً بين أضلاع الجبل؟ ولكن، ها هو صوت معزول يصل. فهنا سَمِع الإنجليزي الغامض، وهو يستحمُّ بماءٍ بلوريٍّ ثمينٍ، رجلاً يقول «المحبَّة من الله، لله، في الله»، فاستغرب أن يكون «الساميُّ» قادراً على هذا العناق العاشق. اللا مشروط. فـ «الساميّون» (يقول لنفسه) صدّوا الباب أمام تعاليم المحبَّة، فسافرتْ إلى الجهة الأخرى من البحر. هل زحزح قول البدويّ الأشعث عن المحبَّة كتلة الأفكار الجاهزة في رأس الإنجليزي الغامض؟ ربما قليلاً. لكنَّ ذلك الإنكليزي الذي فتنه الوادي الذي وقع، على ما تضمر كلماته، في غرام أجساد ضامرة وحدقات واسعة، لن يعرف أن تلك المياه التي استحمَّ بها ستُسَمّى لاحقاً «عين لورنس».
_______
* مجلة الدوحة

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *