الرئيسية / إضاءات / يوسف زيدان: ثقافتنا عليلة إلى أن تحترم كيان الأنثى

يوسف زيدان: ثقافتنا عليلة إلى أن تحترم كيان الأنثى


حل الروائي المصري يوسف زيدان في عمان مؤخرا، ونظمت له ندوات ولقاءات مع جمهور أدبه، أحد هذه اللقاءات عقد في مقهى “فن وشاي” في وسط العاصمة، وصل زيدان متأخرا، ما حمل الحضور على الإنزعاج والتململ، لكن الكاتب الذي مازح الحضور بدد بحضوره الدمث واللطيف موقف المنتظرين المتململين من تأخره، لم يقدم اعتذارا عن التأخير كما العرف والعادة بل ابتدأ بتغيير شكل الجلسة ليكون الجميع يحيطون به وأمامه هو الذي يحب النظر في العيون حين يقول أو يستمع.

بدأت الحوارات بالصدفة من جذور الكلمات بالعربية لاستعمالها بشكل سليم وهو الموضوع الذي يغري زيدان كثيرا بالعمل عليه وقال: “اللغة مستند وجود للجماعة” و”اللغة شيء وضعي” مستشهدا بمقولة ابن الجني ” حد اللغة أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم” فمثلا اتفق العرب على أن المقهى هو المكان الذي يتناول الإنسان فيه القهوة أي البن ولكن القهوة تعني الخمر أيضا لأنها تقهي شاربها عن الطعام وتذهب بشهوته دون علة أو مرض، وبالتالي قد تصح كلمة مقهى على مكان تناول الخمر أي-البار-، ويعتبر زيدان أن عدم فهمنا للغة بشكل سليم يجعلنا نستخدمها بشكل مغلوط وأتى على ذكر العلاقة بين الشاعرين جرير والفرزدق التي اصطلح على تسميتها “هجاء” واعتبارها لونا من ألوان الأدب والتي هي بالحقيقة شتائم مقذعة لم نعد لنفهمها نتيجة اندثار بعض ألفاظهما ومصطلحاتهما من اللغة التي نستعملها اليوم.
مرح الكتابة
وفي إجابته عن سبب الانقلاب الحاصل على صعيد الفكرة والشكل بين رواية “ظل الأفعى” ورواية “عزازيل” التي تلتها قال: بداية رواية ظل الأفعى التي كتبتها عام 2005 كانت نوعا من مرح الكتابة والاستخفاف بالنقاد ومحاولة قلب الطاولة بكتابة نص يخرج عن مألوفهم، وهو نفس الانقلاب ما بين عزازيل وما تلاها أي اللاهوت العربي ونفس الانقلاب بين اللاهوت العربي والذي بعده، فالخطاب واحد والفكر واحد، لكن الشكل هو الذي يختلف، وحصل أن تناقشت بهذا الموضوع مع أدونيس الذي يقول إن المفكر أو المثقف لديه فكرة أو فكرتان ويعيد إنتاجها وطرحها إلى أن تصل للمتلقي وخالفته بقولي إن كل لحظة فكرة وكل كتابة شكل.
ووصّف أحد الحاضرين روايات يوسف زيدان بأنها حلقات فكرية متتابعة تحمل موقفا واضحا وقويا جدا من المرأة ليعقّب زيدان بعد ذلك بقوله: “الموقف من المرأة لا شأن له بالأدب، هذا موقفي بشكل عام وأنا منحاز للمرأة، فثقافتنا ستبقى مريضة ومعلولة إلى أن تحترم الأنثى، وقد تعددت مواضيع رواياتي وتنوعت بالقدر الذي يتيح لي التعبير عما أريد وقول ما أرغب، ففي ظل الأفعى الأنوثة المقدسة هي الموضوع، وفي عزازيل كانت قضيتي العنف الديني، أما في رواية “النبطي” فقد ركزت على استكشاف المنطقة المنسية فينا نحن البشر والتي تتعلق بمفهوم الإنسانية الذي لا يكتمل عند غياب الأنوثة أو الذكورة، وبأننا لن نصبح مجتمعات حقيقية إلا عندما نولي أهمية للتكامل بينهما لأن كليهما يصنع الإنسان، أما في رواية “حاكم” التي تجري أحداثها قبل ألف سنة وتتحدث عن الزمن الفاطمي والقاهرة القديمة وعن المهدية في تونس فقد عملت فيها على تحليل مفهوم وبنية السلطان والسلطة”.
ومن بعد رواية “حاكم” التي تجري أحداثها قبل ألف سنة انتقل زيدان مباشرة الى رواية ” محال” التي تجري أحداثها في الزمن الحاضر الآني جدا مبررا هذه النقلة بقوله: “عندما قامت الثورة المصرية شعرت أنه ليس من المنطقي أن الناس تموت في الشارع وأنا منشغل بتحليل بنية السلطة ونفسية السلطان قبل ألف سنة ولا بد من الاقتراب من الزمن الحاضر فظهرت رواية “محال” التي لم أستطع قول كل ما أريد فيها وقررت أن تكون ثلاثية جزؤها الثاني “غوانتانامو ” الذي أعمل عليه حاليا”.
دوامات التدين
ولزيدان مقولة حول العلمانية أخذت حيزا لا بأس به من النقاش فهو يقول: “لا وجود للعلمانية في الثقافة العربية لا لفظا ولا معنى، فمن حيث اللفظ واللغة لا بد من اللجوء الى سياق ثقافي ثان من أجل تعريف المفردة وهو الأصول اللاتينية، ومن حيث المعنى فالعلمانية هي فصل الدين عن السياسة فمتى تم هذا في التاريخ والثقافة العربية؟”، منطلقا من مقولته هذه – وبناء على سؤال موجه إليه- حول مسؤوليته ودوره في الظرف السياسي والاجتماعي والفكري الحالي الذي يعيشه الشباب العربي قائلا: “عملي مع الشباب العربي يتركز على محاولة إعادة بناء الوعي العام على أسس سليمة، لذلك أقف عند المفردات والكلمات وأناقش كل كلمة ومصدرها وارتباطها بالمفردات المشتقة منها، وأشرح معنى المنطق- المنطق الصوري والمنطق الاستقرائي والمنطق الاستنباطي- بوصفها أشكالا مختلفة للتفكير وكيفية استخلاص العبر من التاريخ،، ومن هنا أنا أتعمد وضع أجزاء كبيرة من كتبي على الشبكة العنكبوتية لأن ما يهمني هو أن يقرأ الناس، وأنصح الشباب بقراءة كل شيء وأي شيء، بشرط سعيهم لتقوية قدراتهم الذهنية على الفصل والحكم وبناء الأفكار بشكل متماسك، ولي محاضرات كثيرة عن دلائل صدق الخبر وعلامات كذبه وعن كيفية رؤية الماضي وكل ذلك يندرج ضمن محاولة بناء الوعي التي تتناقض مع دوامات التدين التي تخلق حالة الدوار لدى الناس”.
وانطلاقا من دوامات التدين كان لا بد من العودة إلى رواية “عزازيل” التي أثارت لغطا كبيرا في المجتمعين العربي والمصري والمجتمع الكنسي تحديدا مما جعل زيدان يخصص لها فصلا كاملا عبارة عن سبع مقالات من كتابه “متاهات الوهم” ردا على كل ما أثير حولها وكان هذا الفصل بحسب قوله للدلالة على كيفية تحول التدين إلى دوامة تأخذ الوعي العام بعيدا على غير أساس وللتدليل على نمط من أنماط اللعب السياسي بالقضايا الثقافية.
والسؤال عن عدد اللغات التي تُرجمت إليها “عزازيل” فتح شهية زيدان للحديث عن موضوع الترجمات الأدبية إلى اللغات الأجنبية ولفت النظر إلى أنها “لعبة من ألعاب الثقافة العربية وعلى أن في أمر الكثير من الترجمات خدعة، فالجامعات الأجنبية التي فيها فروع لتدريس اللغة العربية تكون أحد مقررات الطلاب الدراسية ترجمة عمل أدبي من اللغة العربية وغالبا ما تتم هذه الترجمات بناء على معرفة شخصية بالكاتب ولا تتجاوز المئة نسخة، وبالتالي ليست هي ترجمة حقيقية بل مقررا دراسيا، والعبرة ليست إلى كم من لغة تُرجم عمل ما، بل كيف تمت الترجمة؟ وأين تمت طباعتها؟ وعدد نسخها والصدى الذي أحدثته هذه الترجمة”، وفي سياق الترجمة تحدث زيدان عن مسؤولية قد تغيب عن البعض وهي مسؤولية تحسين صورة المؤلِّف والمؤلًّف العربي في المجتمع الأوروبي آتيا على ذكر أن الروائي نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل كان يتقاضى مقابل ترجمة أحد كتبه إلى لغة ما “ألف دولار” فقط تضاف إليها طبعا نسبة من التوزيع تزيد أو تنقص بحسب رواج الكتاب المترجم، بينما هو يتقاضى الآن مقابل الموافقة على ترجمة عمل ما من أعماله “ثلاثون ألف يورو” وهو يفتخر جدا بهذا الشيء ليس لأن المبلغ كبير بل لأنهم أصبحوا مضطرين لمعاملة المؤلف العربي كمعاملة المؤلفين الأوروبيين .
شرط الكتابة
وحول شرط الكتابة وفيما إذا كان زيدان تعمد طرح أفكاره وموضوعاته بأسلوب روائي كون الرواية أكثر رواجا ومبيعا من الكتب الفلسفية والفكرية يقول: “لا توجد رواية ليس فيها فكر وفلسفة، ومقولة إن الرواية أكثر رواجا فهي مقولة دور النشر، بدليل أن “اللاهوت العربي” التي تعتبر عملا فكريا أكثر مبيعا من روايتي “عزازيل” و”ظل الأفعى”، وبدليل أن كتاب العالم المصري أحمد زويل “عصر العلم” هو الأكثر مبيعا في مصر خلال السنوات السبع الماضية، بل أكثر من ذلك أقول ليس هناك كتابة بالمطلق فالكتابة مشروطة بالشكل وبالقارئ والناشر والمكان وبالمسموح أيضا، وإن القلق والشغف والاهتمام والاحترام ودوري الذي ارتضيته لنفسي هو ما يدفعني للكتابة وأشعر أن الوقت أصبح ضيقا لذلك لا بد من قول كل شيء، وأنا أقرأ مخطوطي خمس عشرة مرة تلافيا للتكرار، وأطلب قبل نشره من عدة أشخاص قراءته وأسمع رأي كل منهم على حدة”.
على الرغم من أنه أوضح في بداية الجلسة عدم رغبته في الحديث في السياسة لتبقى الثقافة ويبقى الأدب محور الحديث إلا أن أحد الحاضرين وبقوله “إن الشعب المصري يصنع فرعونه ويعبده بمعنى الرئيس أو الحاكم مستدلا على ذلك بالحراك الذي يحيط بالسيسي ” يرد زيدان: “بداية الشخصية المصرية جزء من الشخصية العربية، لو كان الأمر كما تقول لما رأيت رئيسين مصريين في قفص الاتهام وقيد المحاكمة أما فيما يتعلق بالسيسي فهذا إعلان وإعلام، وبعد شهرين فقط ستجد كيف يتعامل المصريون بهذا الشأن، وقلت سابقا في أحد اللقاءات إن على السيسي أن لا ينخدع بهذا الكلام لأنه حالة مؤقتة”.
_______
*(العرب)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *