الرئيسية / مقالات / ساعة الثأر

ساعة الثأر


*عباس بيضون
جاء في الأخبار أن شاعرين أوكرانيين، أحدهما شاعر نثر والثاني شاعر وزن، تجادلا واحتدم بينهما الجدال فعمد شاعر النثر إلى قتل شاعر الوزن. لولا أن الخبر روي على هذا النحو لكنا حسبنا ان شاعر الوزن فتك بشاعر النثر فهو صاحب ثأر وليس شاعر النثر كذلك. ليست هذه طرفة ولو أنها طرفة. فقد مرت محنٌ على هذه البلاد ولم نسمع أن شاعراً فتك بشاعر، ولو أن شيئاً كهذا حقيق بأن يجري لكان أدعى له أن يجري في بلادنا، فإن ما بين شعراء الوزن والنثر ثأر منذ ما يزيد عن ستين عاماً، ولم تهدأ له ثائرة منذ ذلك الحين. لا أعرف شيئاً عن اللغة الأوكرانية لتحظى وحدها بهذا الشرف، ولا أعرف شيئاً عن الشعر الأوكراني لأفهم كيف سُقي وحده بالدم المضيء، لم أسمع أن شاعر وزن عربياً أو شاعر نثر حسد الأوكرانيين على هذا السبق، ثم قلت إن الحروب المتوالية في بلادنا منذ سنين أغنتنا عن هذا الباب، وإن لدينا أسباباً أخرى للقتل والتقاتل غير الخلاف على الوزن والنثر، فلا بأس إذا سبقتنا بلاد أخرى إليه. غير أن الحكاية، وإن دلفت إلينا من بلاد أخرى، لا تزال مقلقة، فبعد اليوم لن يقابل شاعر وزن شاعر نثر إلا على حذر. بعد اليوم سينظر إلى الذي اقتلع رؤوس الأوزان والقوافي على أنه قابل لأن يقتلع رأسه. أما شاعر النثر، الذي لم يلحقه إلى الآن ندم على ما جنت يداه بعمود اللغة، فإنه يعرف أن الغل الذي في صدر شاعر الوزن كامن متأرث، وأن ساعة لا نعرف متى سيتفجر فيها هذا الحقد فلا يعي شاعر النثر إلا ويد الآخر تلوي رقبته وتنزع رأسه، وتسفح دمه على مذبح الشعر الذي أهين ودُنّس وتنجس.
ما زلنا في الطرفة، فإذا كان الشاعر الأوكراني قد لوى رأس رفيقه وانتزعه فنحن لم نشهد سابقة لذلك في أي من الآداب والفنون، رغم أن أطواراً في بعضها كانت عاصفة ولم تسلم من الأيدي والاشتباكات والتلاسن والتضارب، ففي مسرحية هرناني لفيكتور هيجو ثارت موقعة بين الكلاسيكيين والرومانسيين فامتدت أيدي الرومانسيين إلى شعور الكلاسيكيين المستعارة وألقتها أرضاً. غير أن ذلك وقف عند هذا الحد فلم يغرس واحدٌ سكينه في قلب آخر، كما فعل شاعر النثر الأوكراني أخزاه الله. أما في بلادنا فلم تسلم قصيدة التفعيلة من أن يقال فيها إنها يد الاستعمار تلعب في ثقافتنا وديننا، وقيل يومئذ إن العمود بشطريه هو شرف الأمة وحصنها، وإنه إذا فُقد شطر فقد فقدنا معه عذرية لغتنا ومناعتها، قيل هنا في قصيدة التفعيلة وهي لا تزال على الوزن في القافية، فلن يقال في قصيدة النثر أقل من ذلك. سيقال فيها إنها كفرٌ وإنها مسٌ بالأقداس وإنها تخريبٌ مصمم محسوب في بلاد الاستعمار وإن أهلها والمشتركين فيها عملاء بالتأكيد. قيل هذا فيها وأكثر، أما أهلها فتصدوا بأكثر ما يكون التصدي. قالوا إنهم ورثة الشعر وإنهم أجدّ ما فيه وآخر ما وصل إليه من تطور وأكثر ما حازه من تقدم. قال شعراء الوزن أن ليس هذا شعراً في حال وسيقول أهل النثر أن هذا هو الشعر. لن يهتم أهل الوزن بأن في لغتهم نصوصاً وسطاً بين الشعر والنثر، ولن يهتم أهل الوزن بأن في أصل تسمية ما يكتبون ما يعود صراحة إلى النثر، وأن قصيدة النثر ليست قصيدة إلا في صلتها بالنثر، وأن المسألة ليست استبدالاً، فقصيدة النثر ليست بديلة من قصيدة الوزن، إنما هي نوع بين الشعر والنثر، إنما هي شعرية النثر بالدرجة الأولى. يمكننا عندئذ أن ننظر إلى قصيدة النثر كفن جديد يتوسط بين النثر وبين الشعر، عندئذ لا يخاف شعراء الوزن على الشعر فقصيدة النثر ليست بديلاً منه، وليست دعوة لإزاحته وتنحيته جانباً، وليست تطويراً له أو صورة متقدمة عنه.
هذا ليس مشروعاً للحل وليس تسوية ولا مصالحة فقصيدة النثر منذ كانت كان هذا مبدؤها. إذا عمل روادها الأوائل على شيء فهو تمييزها عن الشعر الخالص. لا ننسى أن أحد روادها الأوائل كان بودلير، كبير شعراء الوزن في زمنه، الذي وازن «أزهار الشر» الموزون بـ «سأم باريس» المنثور، هكذا خرجت قصيدة النثر من رحم قصيدة الوزن وقبلها الشعراء الفرنسيون بدون أي معركة وراجت بدون عوائق. عمت الشعر الفرنسي تقريباً بدون أي نزاع، فقد فهم الجميع هناك أن المسألة ليست مسألة استبدال وأن قصيدة النثر هي بالدرجة الأولى قصيدة نثر. أي وسط بين الشعر والنثر.
لم تكن الأمور مسهلة في لغات أخرى. لم تسدْ قصيدة النثر ولم تنتشر بدون تحفظات في اللغات الأخرى كما فعلت في اللغة الفرنسية، لقد بقيت نوعاً من أنواع وظلت في بعضها أقلوية وهامشية، أما في منطقتنا فقد دخلت أول ما دخلت إلى القصيدة الإيرانية وكانت علامة التجديد في الشعر الإيراني في اللغة العربية التي هي لغة مقدسة وفي فكر هو متواليه من المقدسات، كان على قصيدة النثر ان تواجه معركة ضارية. اللغة التي تقوم بحماية النص المقدس يُخشى أن يؤدي أي حراك فيها إلى إضعاف هذه الحماية وتوهينها، كانت المعركة حول الشعر الجاهلي من هذا الباب. ثمة إحساس بأن أي لعب بركائز اللغة والأدب سيؤديان إلى ترك النص المقدس مكشوفاً بلا حصانة. اللغة حاضنته وكي تبقى حاضنته عليها أن تبقى على محافظتها وأن تبقى لها أركانها الأولى وقواعدها. أيُ لعب بهذه الأركان والقواعد لن تبقى معه حاضنة فعلية. لذا يبدو أيُ حراك للغة العربية تهديداً للمقدس نفسه. قصيدة النثر تبعدنا عن الشعر الذي لا يزال مفتاحاً ضروريا لفهم النص المقدس. لغة مقدسة لحضانة نص مقدس وأيُ لعب من الداخل، أيُ تعديل وتجديد، مجازفة بهذا المقدس واعتداءٌ عليه، من هنا هذا الغليان الذي لا يزال ضد قصيدة النثر التي ينم وجودها وحده عن شجاعة فعلية. لقد تقبلت اللغة هذه القصيدة وتركتها تسود وتنتشر ولكن على حساب الشعر الذي صار أكثر فأكثر فناً أقلوياً. خرج هذا من مكانته ومقامه الأولي وتراجع ولا يزال يتراجع حتى صار في المؤخرة. لا نحتاج الآن إلى شاعر وزن يغرس سكينه في عنق شاعر نثر. من دون ذلك يجري ذبح القصيدة وتغييبها.
______
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *