الرئيسية / نصوص / المايسترو والبارمان

المايسترو والبارمان


*نبيل قديش

( ثقافات )

جلس الشيخ إلي طاولة وحيدة في الحانة الفرنسيّة القديمة. أسند عصاه المصنوعة من الخشب الصّقيل على حافة الطاولة. تأرجحت قليلا. راقب انزلاقها البطيء أمام ناظريه، ثم سقوطها أمامه على الأرض. لم يشأ أن يرفعها، ذلك أنه لم يشأ أن يفسد جلسته وقد ضمّ ركبتيه إلى بعضهما وألصق قدما بأخرى. قرّر أن يتركها على تلك الوضعيّة إلى حين مغادرته. برّر بأن بقائها مستلقية ربما كان أفضل لكليهما. هي رفيقة وحدته الدائمة. كان المكان خاليا من الزّبائن، غارقا في صمت موحش، وقد بدت آخر خيوط الضوء تنسحب من شيش نافذة كبيرة إلي الخارج. كان ذلك متزامنا مع إعلان الساعة المعلقة أعلى الكنتوار عن قدوم المساء. فعل كما دأب عندما يجلس هناك قرب النافذة مع حلول مساء كلّ سبت. يضع علبة السجائر والولاّعة فوق الطاولة، يشعل سيجارة، يخرج من جيب سترته كيس المكسّرات، يفرغ محتواه علي الطاولة ويطلب زجاجة جعة في انتظار ندمائه. الطاولة الوحيدة الحزينة كان يحيط بها في مواساة أربعة كراسيّ خشبيّة عريقة من زمان بيار وأنتونيو وفابيان وهو: ” “المايسترو” كما كان يحلو لهم أن ينادونه. جلس على كرسيّه الملتصق بالحائط حيث تعوّد أن يجلس. كان لكلّ واحد منهم مقعده الذي توضع في مقابله كأسه ومنفضة السجائر تبعه. تأمل الكراسيّ الشاغرة المحيطة به وسرح في الذكريات. رآهم واحدا تلو آخر. تأمّلهم جيّدا، كلّ جلساء البار المألوفون منهم والغرباء. شلّته المتكوّنة من رباعيّ فذ لا تجود به كلّ الأيام. اغرورقت عيناه بالدموع وهو يوشوش: سأشرب نخب أيامكم الجميلة هذه الليلة. نظر إلي السقف حيث النجفة الكبيرة لا زالت في مكانها. بدت ساكنة لا روح فيها. لم تعد تتأرجح على وقع الهواء المتسلّل من الخارج كما في الماضي. هذه النجفة أطلق عليها أسم الغانية لأن أيّ هواء خفيف يغريها بالتمايل. أكلها الصدأ المسكينة، غرقت في كآبتها من بعدهم. سرحت عيناه في المكان المألوف. نظر إلي أخر الصالة الكبيرة حيث المبولة التي تندلق فيها الأفواه والمثانات. جاءه الصوت من زمن قصيّ، أغمض عينيه مستسلما، سمع ضحكتاهم، قرع الكؤوس، قهقهات المخمورين المنفلتة ، تخلّلها أصوات الفلّين المنطلقة من فوهات القوارير كالرّصاص، والاحتفاء بكل زجاجة نبيذ جديدة تفتح، صحون الزيتون المخلّل والجبن الأحمر وعلب السجائر تتلاقفها الأيادي الممتدة من بين الطاولات. تصبح تلك الأغراض ثمينة نادرة بعد أن تغلق الدّكاكين أبوابها في الخارج . تشترى وتباع بأضعاف أثمانها. بيعت في ليلة سيجارة وحيدة بثمن دستة من علب السجائر. كانت الأخيرة. نظر إلي الكنتوار بحرقة، كان خال من الزبائن، كان في أيّامه يعجّ بهم وبعلب الجعة التي تتراص أمامهم منهوبة الروح. قال في حسرة أن الحانة فقدت زبائنها على ما يبدو. وراء الكنتوار كانت الخزانة الخشبية الزنجيّة تحوي نفس قنينة الويسكي الفاخر. لطالما راود النادل لافتظاظ بكارتها. أين هو الآن ذلك العجوز الماكر ؟ كان وسيما و لبقا على الرغم من ذلك، هو و شلّته كانوا يأتون إلي هذه الحانة من أجل المكان ولأجله أيضا. عصقور أفضل بارمان في كل حانات بنزرت.يوفّق عصفور دائما لمنحهم انتشائهم الأقصى. يقوم بعمله بحرفيّة عالية. يجهز طاولتهم منذ الصباح ، تكون الوحيدة التي توضع عليها لافته ” ريزرفي” ،يؤثثها بالمناديل البيضاء الناصعة ، ويظل يحرسها من الطامعين إلي حين قدومهم . أين هو الآن ؟ لقد اشتاق إليه كثيرا . ينبغي أن يكون قد رحل، كان عمره ثلاثين ربيعا عندما كان الأخر أبيض الرأس ، لون ناسب الطقم الأسود و ربطة العنق البيضاء ، كان قصير القامة و أنيق ، عرفه باسم العصفور ، عصفور النادل. كان يطير من زبون إلى آخر ومن طاولة إلى أخرى كالعصفور. هو من قال أنّ النادل المثاليّ لا يترك كأس زبونه خاوية. إن حصل معه ذلك فهو لا يستحق لقب نادل في حانة، يوم كان النادل مهنة لا يتجرأ عليها أي كان . عصفور يفهم في كلّ شيء. لقد أعطاه درسا ذات مرّة في البقشيش. قال له تلك الليلة بعد أن أغدق عليه المال : بني اسمع منى ، يجب أن لا يتجاوز البقشيش عشرة بالمائة من مبلغ الفاتورة. لا تجعل أي نادل يضحك على ذقنك. يأخذ مالك ويهزأ منك. تعلمت ذلك من الفرنسيين، كانوا هم من اخترعوا “البوربوار”. لا أرغب حقاّ أن تشدني من ياقة قميصي في الصباح لاسترجاع مالك بعد أن تفيق من سكرك..احذر أن تتصرف بكرم عندما تلعب الخمرة برأسك، ستعود وتستجدي مالك ممن أغدقت عليه.
لا لا يا عم لمين ، محال ، خذها هي حلال عليك-
-عن أي حلال تتحدث يا بنيّ؟ دعك من الحلال والحرام الآن.. 
يضحكان، يواصل دورانه علي الطاولات بنفس الهمة. تبقى طاولتهم ذات الحظوة. هو لا يسهو عنها بتاتا، فهي بمثابة محطة الاستراحة في كل ذهاب وإيّاب. سمعه ذات ليلة وهو يخاطب فابيان بلغة فرنسية طليقة بعد أن انهكه الزبائن الذين كانوا يشربون بشراهة ولا يرتون:
– Tu sais , mon ami une nuit j’ai fait 300 km et j’ai ouvert 2000 bouteilles de bièrre
– Ah bon, génial , alors encore une tournée cher asfour
عاد إلي الكنتوار وأدار قارئ الإسطوانات العتيق. غمز بعينه فابيان الذي انتشى على لحن لمغنية فرنسية، لحنه المفضّل. التفت فابيان إلي جلسائه وقال :
Il est excellent ce serveur
انقلبت تلك الليلة ليلة عصفور، صاح كل من كان في الحانة، بسكرهم و بعواطفهم التي فاضت: عصفور، عصفور، عصفور. تردّد اسمه تلك الليلة أكثر من اسم لاعب كرة قدم أو ممثل سينمائي. في ليلته تلك لم يشرب عصفور ولو كأس واحدة. 
كان الشاب يقف بجانبه منذ برهة. انحنى قليلا ليتأكد من أنه لم يكن نائما. كانت عيناه مفتوحتان وينظر بهما بعيدا، قال له :
هل أجلب لك شيئا سيدي؟
علبة جعة باردة من فضلك. أجاب الشيخ 
ابتسم الشاب قليلا قال وهو يغمز إلي زميله الذي يقف خلف ماكنة القهوة: 
هل قرأت اللافتة المعلقة في الخارج يا شيخنا؟ 
حدّق فيه الشيخ بعينين ناعستين، وقد تهدّل فوقهما جفنان كثاّ الشعر. تابع الشابّ وهو يكبت رغبة في الضحك: 
إنه مقهي يا شيخنا، وليس حانة، هنا نوزّع قهوة وشايا…هل تريد أن أجلب لك شايا أو قهوة؟ تساءل الشّاب في مكر
وتلك القنينة؟ وهو يومئ إلي قنينة الويسكي التي تصدرت الفترينة منذ زمن بعيد. تأمّلها جيّدا. لاحظ أنّ عنقها أصبح طويلا جدّا، أكثر من اللاّزم. كان بجانبها زجاجات كولا بنفس العنق الطويل المنصهر أيضا. بدأ يساوره الشكّ. عند ذلك قال الشّاب: 
-مجرّد ديكور، ألا ترى أن عنقها منصهر؟
أفاق الشيخ من سهوه، خيّل له أنه كان في حلم، نظر من حوله. تحوّل المكان فجأة إلي مقهى في لمح البصر. تحامل على نفسه ، نهض ، توجّه نحو الباب. قام بخطوة يتيمة خارج الباب، لكنه عاد علي أعقابه. قال هامسا إلى الشاب الذي لم يفارقه الذهول: 
بنيّ هل لا زال عصفور يعمل نادلا في هذا الحانة؟
انفجر الشاب ضحكا في هذه المرّة. رمقهما الشيخ في حياد بارد. استدار ناحية الباب. خرج بينما كان صوت نقر عصاه علي الأرض بطيئا وحزينا. بقي الشاب حيث هو يبتسم، حين رجع زميله من المبولة حيث كان يسكب ماء مستعملا في البالوعة قال له : 
أمره مضحك، لقد سألني عن عصفور. أضنه مصاب بالزهايمر 
عصفور؟ ماذا قال لك بالضبط 
سألني عن عصفور البارمان 
أين هو؟ 
لقد خرج
إنه صديق عمر المرحوم، سألحق به 
رمى الشابّ المنديل على الأرض، خرج كطلقة. كان صوته يتردّد في الشارع: 
يا عم مايسترو، يا عم مايسترو

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *