الرئيسية / قراءات / «كافر سبت»: رواية المضمون ..

«كافر سبت»: رواية المضمون ..


*تحسين يقين

لم أكن أعلم أن هذه الرواية قد ترشحت للدخول في منافسة جائزة البوكر للرواية العربية، فقد علمت ذلك بعد الانتهاء من كتابة نصي. فما الذي ميّز الرواية الأولى لكاتب عربي شاب حتى ترشح للبوكر؟ وما الذي جعل الرواية من أهم الأعمال الأدبية التي تم الاحتفاء بها في فلسطين؟ للبوكر رؤيتها وللقراء والنقاد رؤيتهم..بداية، لعلي أبوح بأن استمتاعي بهذا النص وسعادتي به، هو ما دفعني إلى القراءة الإبداعية نقديا للنص. وهو يستحق فعلا أن نرتقي له نقديا. وإنني لأرجو أن أحقق نقدا إبداعيا لنص الكاتب، والذي هو نص إبداعي حقيقيّ قلّ نظيره فيما نقرأ من نصوص أدبية فلسطينية. إن المتعة والوعي والنقد الحقيقي لأحوال الناس هنا في “كافر سبت” بما رافق ذلك من مشاعر صادقة تأثرنا بها، دلالة على إننا أمام نص يثير الفكر والشعور: التفكير والتأمل والأمل والألم، والقدر والإرادة، وفلسطين والقدس، والآخر الملتبس والإشكالي، معان اشتبك معها الكاتب فاشتبكنا معها.ولعل الوعي في السيرة-الرواية يجذبنا نحو تحليل الشخصيات، أكثر ما يغرينا الشكل الأدبي، فالسيرة أيضا رواية بوجه من الوجوه.

مستقبل الصراع-البقاء
لعلنا نبدأ من النهاية،
“لم أناقشه كعادتي، ولم أشتمه لأنه عنصريّ، كما كنت أفعل دوما، ولم أستفزه بصراخي في وجهه: إن دولته هي دولة القانون، ولكن قانونهم هم، ومن أجلهم هم، ولم أعطه الفرصة ليقتادني خلفه مثل الكثيرين قبله، إلى أقرب مخفر، بتهمة السبّ والتطاول على موظف حكوميّ أثناء تأدية واجبه، لأقضي ليلة في الحجز، وأخرج بكفالة مالية، (غير مستردة) تذهب لخزينة الدولة كي تصرفها على الجيش والعسكر، ليقمعنا كما يجب، وقّعت هذه المرة على قبولي المخالفة بلطف وخنوع، وأكملت دربي…”.
فهل هي نهاية المطاف؟ أم أن هناك بحثا في ذهن الكاتب والقارئ عن أسلوب آخر للتعامل مع هذا الصراع هنا، وفي القدس بشكل خاص؟
ربما يظن القارئ أن الكاتب جعل نهاية المطاف هو “قبولي المخالفة بلطف وخنوع” لكن السياق العام للرواية يوحي بما لم يكتبه الراوي، لعله الكامن في اللاوعي عنده، وربما خشي البوح به لحساسية الصراع هنا. وهو البحث الذكي والإنساني عن أسلوب آخر من العيش أكثر من البحث عن أسلوب آخر للمقاومة، ولكنني ظننت أن مقاومته الإيجابية هي في البقاء هنا،…”وقعت هذه المرة على قبولي المخالفة بلطف وخنوع، وأكملت دربي…”.
ولعلها النهاية هنا هي بداية النهاية: “أكملت دربي”، وهي هنا بداية أمل لا بداية يأس، حتى وإن تذكر أن مقاومته في المرات السابقة لم تحقق طموحه، حين رفض الخنوع حين كان يعمل في أحد فنادق القدس الإسرائيلية، حيث اضطر لترك العمل بعد ان ردّ الشتائم على من شتمه. كما أن سياق مقاومته للاحتلال والسلب منذ طفولته، حين كان طالبا صغيرا، وفتى مشاركا في الانتفاضة الأولى، وصدمته باتفاقية أوسلو التي لم تجئ كمثل توقعاته، والتي أجلّت موضوع القدس، جعلته واقعيا من حيث المقاومة المادية، التي تكون نتيجتها “المسكوبية”، بل إن المقاومة اللغوية صارت صعبة بوجود عملاء ينقلون للمخابرات الإسرائيلية ما يقول.
وما يؤكد ما مضينا في فهمه حول مقاومة المستقبل، هي القصة التي رواها أحد مرتادي الحانات الذي لم يدفع حساب المشروب الذي احتساه، والذي أنقذه الراوي من عمال الحانة، “أصحابك أولاد العرب ضربوني بأوامر من أصحابي أولا اليهود”. وهي قصة الكلب، القصة الرمزية ربما من المهم اقتباسها: “كان هناك شاب فقير من أشكالنا تعيش في حارة الأغنياء، في غرفة صغيرة، تحت إحدى الفلل، ..عندما كان يمر الشاب أمام البيوت، كانت جميع الكلاب تشتم رائحته الكريهة، فتبدأ بالنباح عليه، إلا كلبا واحدا كان يبكي عندما يراه. استغرب الشاب من الكلب الذي يبكي لرؤيته، فتمالك نفسه ودخل إلى الحديقة، ودقّ الباب فخرجت سيدة برجوازية من البيت، وقالت له: ماذا تريد أيها المتشرد؟
– أريد أن أعرف لماذا يبكي كلبكم حين يراني. أجاب.
– يبكي لأنه يجلس على مسمار وضعناه له حتى يتأدب! وحين يشتم رائحتك الكريهة يحاول القيام عنه ليهاجمك فيوجعه أكثر.
صعق الشاب من الجواب وسأل مباشرة:
– لماذا لا يقوم عنه مرة واحدة وللأبد؟
قالت السيدة وطرقت الباب:
– يبدو أنه لا يوجعه كفاية ليقوم عنه.
ثم يتلو قصة الكلب نصيحة من راوي القصة المقتبسة نفسه: “لا تفعل مثلي وتجعل المسمار يقتلك حتى تقرر القيام لأنك لن تقوى على ذلك عندها، وسوف تموت والمسمار فيك”! ثم يتلو التأمل التالي: والذي بدا كأنه من راوي قصة الكلب:
“فالويل لمن يعشق الوحدة التي تعجّ بالأجساد، وتفتقر إلى الأرواح، والويل لمن يفترش القشور ويمتهن الأنين، ويفضّل النحيب على نفسه، آملا بأن يرثيه الناس. سيّان إن كان يعلم وينكر، أو لا فيجهل، فالجاهل عدو نفسه، وأنا عدو ما أجهل..يا فتى في معادلة الطاقة والحكمة خاصتنا الجروح تنكأ دوما والجروح تذبل، ولا يضيرنا وجودها، ولا تحرمنا ندبها من الوقوف على باب السماء، وفي النهاية لا يبقى غير الله”.
راوي قصة الكلب كما يصفه الراوي”لم يبد مشردا أبدا، كان أشقر ملتحيا، ويضع نظارات طبية، ويلبس هنداما مرتبا”.
فهل هذه التأملات لذلك الإسرائيلي –اليهودي من سنهدريا لها دلالة ما!
هل لها علاقة بما ابتدأنا به عن بجث ذكي لأسلوب المقاومة؟ مقاومة المستقبل؟ أسلوب آخر للعيش، للتعايش، للتكيّف، للبقاء؟ المهم هو إبداع الوجوه للإنسان الفلسطيني على هذه الأرض.
ربما تأملات الإسرائيلي الخارج من الحانة بعد احتسائه المشروب، لم تكن صريحة، بل رمزية، لكنها تعني الخلاص:
– خلاص الراوي، كون النصيحة وجهت إليه من راوي قصة الكلب الرمزية.
– خلاصه هو الذي لم يتحقق، “لا تفعل مثلي وتجعل المسمار يقتلك حتى تقرر القيام عنه، لأنك لن تقوى على ذلك، عندها سوف تموت والمسمار معك”.
– خلاص الخائف من المبادرة-وهي الرمزية الإنسانية في النص.
– خلاص الصراع، وهو ما شعرت أن النص يوحي به، بشكل غير مباشر، من خلال السياق.
ولأقف عند خلاص الراوي-الكاتب وخلاص راوي قصة الكلب الرمزية، حيث يشعر القارئ كأن نصيحة اليهودي-الإسرائيلي هنا للفلسطيني العربي تتمثّل في المبادرة وعدم الانتظار، أي التفكير بحلّ ذكي للصراع والبقاء هنا، ويعني الخروج عما هو سائد فلسطينيا..
أما خلاص راوي قصة الكلب، فهو الخلاص المنشود الذي لم يستطع عليه، وهو أيضا يعني الخروج عما هو سائد إسرائيليا. وعما هو سائد “فلسطينيا وإسرائيليا” يرسّخ الصراع ولا يحله حقيقة. أما عبارة “أنه لا يوجعه كفاية ليقوم عنه” فتعني أن اعتياد الألم لن يكون إلا عائقا أمام تجاوزه. والألم هنا بشكل عام يصيب القوميتين، وإن كان بشكل متفاوت، لكنه يبقى ألما. وثمة إيحاء بأن النخب الحاكمة غير مدركة لأي من الألمين القوميين! فلا بدّ من تحرك الناس هنا وهناك، أي الشعبين.
لماذا صورة الإسرائيلي؟
وما قد ابتدأنا به من تحليل أدبي لماهية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي-القومي، إنما انطلقنا (ربما انطلق الكاتب منه) من إيراد الشخصيات الإسرائيلية-اليهودية، حيث إن وجوه هذه الشخصيات وإيرادها بقصد او (بدون قصد) إنما جاء ليؤكد ما مضينا نحوه.
ظهر اليهودي-اليهودية، كإنسان أكثر ما ظهر بشكل افتراضي أو مطلق، أو اليهودي بسبب المشاعر القومية العربية؛ فلم تقف الرواية عند اليهودي الجيد أو اليهودي السيئ، كما هو حال النمط التقليدي الذي ساد سنوات طويلة بسبب الصراع، بل طرحت الشخصيات بما فيها، حسب منشأها ومصالحها، وكما هي فعلا في المجتمع الإسرائيلي، وليس كما يشعر أو يتخيل الرواي وغيره.
بشكل عام، أزعم أن رؤية/وصورة اليهودي في السيرة “كافر سبت” لم تنبع من كون الراوي/السارد-والروائي متناقضا معها، أو في صراع، بقدر ما نبعت من موضوعية، رغم شحنة الانفعال بالسلب والاحتلال لديه كفلسطيني.
أفقيا ظهر المشغّل الإسرائيلي واليهود المتدينون والمحقق والعسكر، كما ظهر اليهودي (إبراهام) الراوي الذي اربتبط به عم الراوي بعلاقة طيبة قبل عام 1948، ثم التقيا ثانية بعد عام 1967، حين سقطت باقي فلسطين تحت الاحتلال، حيث صار بالإمكان التواصل الجغرافي بين أراضي 48 وأراضي 67. وظهر المحقق كابتن يتسحاق، واليهودي الأمريكي، والنادلة الحسناء، والحاخام بنحاس، واليهودي الروسي(المسيحي) والمؤرخ إيلان بابيه (من خلال السرد) وشاؤول العراقي الأصل، والفنانة الرسامة، وسمحة البخاري…
خلال ذلك ظهر مثلا المجتمع المتدين، خصوصا في مدينة القدس المكان الأكبر للرواية، حيث تتميز القدس بوجود المتدينين اليهود، حيث وصفهم الراوي قدر اتصاله بهم، فظهرت طقوسهم وثقافتهم الاجتماعية، الطعام والشراب، والخبز، والعلاقة مع الآخر، واللغة..ولم يكن من الممكن الوصول إلى هذه الصورة للمتدينين بدون معايشتهم، حيث جرى ذلك من خلال العمل، ويبدو أن الراوي اهتم بالتعرف على كتبهم وطرقهم، فقدمه لنا كمعرفة من خلال السرد.
ولم يكن الصراع بعيدا عن علاقته بهذه الشخصيات، حيث ظهرت أفكارهم ومشاعرهم تجاه الفلسطينيين والنزاع من خلال الحوار معهم.
وربما نقف عند بعض الشخصيات الإسرائيلية العادية، لنحاول فهمها، ربما لنلقي الضوء على ما ذهبنا إليه من قبل:
إبراهام صاحب عم الراوي، الحاخام بنحاس، شاؤول، الرسامة، وسمحة البخاري.
خمسة أنماط من الشخصيات تمثّل إضافة للشخصيات النمطية السائدة، كالمحقق والعسكر والنادلة..كشخصيات ظهرت في عديد الروايات والقصص الفلسطينية والعربية.
أولا: إبراهام، صديق عم الراوي قبل عام 1948، تفرقا بسبب الحرب، حيث أصبح كل منهما يعيش في دولة أخرى بينهما عداوة. بعد حرب عام 1967 عادت العلاقة لسابق عهدها، كأي علاقة صداقة فيها النديّة، ولم يتم استنكار العلاقة والزيارات، خلال ذلك ساعد إبراهام صديقه المقدسي في الحصول على وظيفة في “بلدية القدس” الجديدة..بلدية الاحتلال!
ازدادت العداوة بين العرب واليهود، لكنها عادت معها صداقة إبراهام وعم الراوي.
التأمل في العلاقة، يمنح انطباعا حول الشكل والمضمون اللذين كان من الممكن أن يكونا (ويستمر) بين اليهود والمسلمين والمسيحيين كسكان في القدس، وكمواطنين عاديين، تجمعهم أواصر مختلفة، قبل أن تخرّب الصهيونية (والحرب) تلك العلاقة وتدمرها. لقد كان استمرار العلاقة (أو استئنافها) بين إبراهام وعم الراوي استثناء وليس قاعدة، والسبب يكمن في العنصرية التي تم تأسيسها هنا، فأثّرت سلبا على جزء كبير من اليهود، جبرا أو اختيارا.
ثانيا: الحاخام بنحاس، وهو الذي شغّله “كافر سبت” أو بالعبرية “جوي شبات”، أب ل 15 ابنا وابنة، وزوجته راحيل، وعليه أن يقوم بمسؤولية كبيرة تجاه عائلته الكبيرة. همّ بنحاس هو تربية أطفاله، والعمل، وبنحاس محافظ على طقوس الدين. كان الراوي يعمل في الحي الذي يقيم فيه “بنحاس من مساء الجمعة حتى مساء السبت؛ فطيلة هذه الساعات من الممنوع عليهم الإتيان بأي عمل. ومن المفترض عليهم الراحة التامة، والعبادة (…) لكن في الحالات الطارئة، فإنه لا ضير أن يستخدموا خدمات “كافر سبت” وهو شخص غير يهودي، “غوي” على رأيهم، ليقوم بالعمل، ولكن دون أن يدفعوا له، أو أن يطلبوا منه العمل بشكل مباشر، لأنهم عندها يؤثمون، وكأنهم عملوه بأنفسهم، بل يجب أن يكتفوا بالرمز إلى الحاجة، وعلى الشخص الفهم والتطبيق” ص132. رغم ذلك، فقد بدا من السياق أن “بنحاس” تعرّض لضغط ما من مجتمع المتدينين، مما اضطر الراوي إلى ترك العمل، ولم يظهر النص أي عداء قومي من قبل بنحاس.
والظن أن اليهودي المتدين هنا، له دلالة على إمكانية تكرار العيش المشترك لليهود المتدينين في المجتمع العربي، أو في مجتمع ثنائي القومية، ذلك أن المتدينين بشكل عام، يركزون على مطالبهم الخاصة المتعلقة بشؤونهم وشؤون أسرهم ماديا وتعليميا أكثر منه مطالبا قومية أو سياسية.
ثالثا: شاؤول، نصف عراقي ونصف فارسي، رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي، “كانت أمي عربية دينها يهودي”. عانى كيهودي شرقي من نظرة فوقية من قبل الاشكيناز (اليهود الغربيين) كاره للصهيونية. تعامل مع الراوي –نبيه، معاملة الندّ، جمعته معه الصداقة، إضافة إلى العمل، فقد كان هو المشغّل. يعكس شاؤول جزءا من اليهود الشرقيين الذين يحنّون إلى أصولهم العربية، لكنهم اضطروا لإخفاء الحنين والثقافة العربية حتى يتقبلهم المجتمع الإسرائيلي.
الرسامة: تعرف عليها نبيه، حين اصلح لها غسالتها، ارتبط بها بعلاقة ثقافية بشكل خاص، فهي مثقفة قارئة وفنانة، فكانت نافذته لدنيا الثقافة، ودنيا النفس البشرية.
تعكس الفنانة (بدون اسم في الرواية) الثقافة الغربية، وهو بالحوار معها، والاندماج يعكس الانتماء إلى الثقافة العربية، حتى ولو على مستوى الشكل أكثر منه على مستوى المضمون. لكن هناك إمكانية التعايش اليهودي-الفلسطيني ضمن ثقافة/ دولة علمانية ذات شكل ومضمون غربيين.
سمحة البخاري، يعكس سمحة حال أثر الإعلام والتعبئة الموجهة للمواطنين الإسرائيليين. “إن العشرين سنة التي قضاها في إسرائيل جعلته كما تريد دولته”. وهو بذلك يعكس ضعف وجهة نظر إسرائيل الدولة، إذا ما دخل في حوار مع فلسطيني قادرا على الحوار، لذلك صار سمحة يتجنب الحوار. وهو من جهة أخرى يعكس ميل الإسرائيليين للسلام، لكن من منظور المسؤولين والساسة في إسرائيل.
هؤلاء هم الإسرائيليون، وغيرهم ممن ذكرهم الراوي، وهم الذين اندمج فيهم نبيه، والمقدسيون بعد عام 1967. تلك هي الأحياء اليهودية وما يضطرب فيها من أيديولوجيات وأفكار وأساليب حياة وعيش، وتلك هي القدس الشرقية بما فيها من سكان أصليين، وما كان من الممكن أن يكوّن المقدسي فكرة عن اليهود الإسرائيليين، جيرانه وأعدائه، إلا من خلال معايشتهم، لكنّ تلك المعايشة كانت تتراوح ما بين وجوده كعامل فلسطيني فقط، ووجوده كعامل تتم معاملته كندّ أحيانا. و”كندّ” تعني الكثير، الكثير من المساواة والاحترام والكرامة.
ربما يضفي ذلك شيئا عن مستقبل الصراع، حيث تصبح المقاومة تفكيرا يتجاوز المطلق والعادي باتجاه استثمار الواقع، حيث أن الفلسطيني أمر واقع كما الإسرائيلي كذلك.
مقولات الفلسفة وعناوين الفصول
يلفت نظر القارئ أن الكاتب-الراوي قد افتتح فصول روايته بمقولات فلسفية من تأليفه، وليس اقتباسا، ولعل استعراض تلك المقولات يمكن أن يلقي وعيا إضافيا، على تيار الوعي داخل عمله الأدبي.
ففي الفصل الأول المعنون “بالعهد القديم”، فقد كانت عبارته الافتتاحية: الصدفة هي الحيّز الضيّق الجاثم على هامش المنطق”.
وفي الفصل الثاني؛ “السر الانجليزي”، كانت: سوف يفعل الصبر كل ما تتمناه دون أن تطلب. لكن حسب وقته هو وليس وقتك أنت.
وفي الثالث، “المادية” كانت: عندما لا تنقد نفسك، ويصبح جبينك أبعد من أن تصيبه، وأنفك أقرب مما تناله.
في الرابع “الثورة” كانت: إن كنا لا نملك سوى الشعارات تحمينا، فالويل لمن يمسّها لأننا سوف نقصيه لنبقيها.
وفي الخامس “العدل” كانت: منظومة العيب نسبية وتتغير بتغيّر الظروف.
في السادس “البئر” كانت: للآخرين وجوه كثيرة، أهمها ذلك الذي نراه.
وفي السابع “كافر سبت” كانت: لا يمكن للحقد أن يكون سلما للأعلى.
في الثامن “الشغف” كانت: في كلّ قصة كلمتان، المال والجنس، والباقي يسبح في بحر التفاصيل.
في التاسع “الخوف” كانت: عندما يتدفق الأدرينالين من الخوف، إما أن يجرفك إلى الضعف أو تجرفه أنت إلى الشجاعة، والقدر ينتظر.
في العاشر “الكذبة” كانت: ويل للمجتمع إذا تآمر الأذكياء.
في الحادي عشر: “الطاقة” كانت: في معادلة الحكمة والطاقة، تنتصر دوما مزاجية الزمان والمكان.
انتهى الاستعراض، للمقولات وأسماء الفصول، لعلها تحيلنا إلى ما ابتدأنا به حديثنا، وهو أن دافع الكتابة هنا تأثر بأفكار الكاتب ومشاعره تجاه نفسه ومجتمعه، وما اضطرب من صراعات داخل النفس، وداخل المجتمع، الذي يعيش أصلا حالة صراع بقاء، ولعل انعكاسات الصراع النفسي والاجتماعي تؤثر على الصراع والنزاع مع الآخر، ومن ناحية أخرى يلقي الصراع-النزاع على الأرض هنا، أثرا على الصراعات النفسية والاجتماعية.
جمل عارف الحسيني الافتتاحية لفصول رواية السيرة الذاتية، هي جمل لها علاقة بالفصول بأحداثها ومضامين الفكر المطروح فيها، ريما جاءت بتفاوت بين فصل وآخر إلا أنها وأسماء عناوين الفصول تعاونتا على تبيان الشعور والتأمل الفلسفي لكل فصل على حدة.
لكنها من جهة أخرى، تربط الفصول معا، باتجاهات فكرية-شعورية، حيث تصبح أعمدة إضافية تمكن الرواية من الوقوف القويّ.
اهتمت الجمل بالفصول من الداخل، كل فصل وحده، ثمّ اهتمت بمجمل الفصول. أي من الخارج للكل.
أفقيا: مهّد بالصدفة كحيّز ضيّق يجثم على هامش المنطق، ربما ليوحي بأن الحياة وإبداعها تتجاوز ما يرسمه الإنسان لها. أي تجاوز المنطق والمتوقع، لذلك “سوف يفعل الصبر كل ما تتمناه حسب وقته” وهذا يحتاج إلى “انتقاد النفس” و”التخلي عن الشعارات” والانتباه إلى “تغيّر الظروف” والتي تدفع نحو معرفة “وجوه الآخرين التي لا نراها” والتخلي عن “الحقد الذي لا يمكن أن يكون سلما للأعلى” ولن يحلّ أي مشكلة، وأن هناك دوافع حقيقية غير الأيديولوجيات “المال والجنس” لذلك لا بد من تجاوز “الخوف” إلى الشجاعة، لكن ذلك لا يتم في ظل “تآمر الأذكياء” والنخب الحاكمة…وفي النهاية “ففي معادلة الحكمة والطاقة تنتصر دوما مزاجية الزمان والمكان”!
هل هي حتمية أخرى!
هل من إشارة رمزية نحو مستقبل البلاد بصراعها!؟
ترك الكاتب ذلك للقارئ كي يفكّر به بشكل حرّ.. ليصل إلى ما يريد القارئ-الإنسان إلى حكمة مراعاة الزمان والمكان: أي الأمر الواقع للشعبين هنا..ربما!
• صدرت الرواية عن دار الشروق في عّمان ورام الله/ مجلة عُمان

شاهد أيضاً

“الرجيف” للنوايسة: طقسٌ روائيٌّ مغايرٌ يلوذ بالإشارات والرموز

خاص- ثقافات محمد جميل خضر* من غير الشائع أن يلج قارئٌ ما إلى روايةٍ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *