الرئيسية / مقالات / من يتذكر كولون ولسون

من يتذكر كولون ولسون


حسين درويش *

خلت الصحف تقريباً من خبر رحيل الكاتب البريطاني الشهير كولون ولسون (1931 ـ 2013)، الذي قدم للمكتبة العالمية قرابة مائة كتاب، كان أشهرها وأكثرها تأثيراً في المكتبة العربية كتابه «اللامنتمي» الذي أعقبه بكتاب آخر لا يقل عنه شهرة، وهو «ما بعد المنتمي»، لكن كتابه الأول كان أيقونة ثقافية تداولها مثقفو الستينات والسبعينات، الماركسيون كانوا في الطليعة، وهواة ثقافة الاستعراض كان «اللامنتمي» يتصدر أرفف مكتباتهم.

في السنوات الجامعية المبكرة، كانت قراءة كولون ولسون تعد فرزاً ثقافياً ليكون الشاب واحداً من جوقة جُلاس المقاهي الطلابية التي عادة من يتزعم طاولاتها عرّاب من عرابي المرحلة، بلحية نابتة وسيجارة رخيصة تحرق الشفتين وثياب مهلهلة ولا بأس بقبعة في وسطها نجمة خماسية.. أو قميص عليه صورة غيفارا، أو خريطة فلسطين من باب التعريب الثوري، أو قومنة ما هو أممي.

«لامنتمي» كولون ويلسون كان على تلك الموائد وطيلة سنوات أُشبع بحثاً وتنقيباً ونقاشاً، ولم يكن كتاباً سهلاً كان نحو 400 صفحة من القطع الكبير وبطباعة دار الآداب اللبنانية، وهناك طبعات أخرى ظهرت في مصر، وأبرز مترجمي الكتاب العراقي زكي حسن، والذي ترجم عدة كتب لكولون ولسون عن الإنجليزية مباشرة، ومن ثم أصبح مصطلح اللامنتمي رائجاً في النقد والتوصيف كمدرسة فكرية كبيرة بعد عصر الوجودية.

ثم اختفت أخبار كولون ولسون حتى كنا نعتقد أنه شبع موتاً، غير أن رحيله في مطلع ديسمبر الحالي أعاده إلى الذاكرة، دون التطرق إلى تأثيره في جيل بأكمله فقد ترك ولسون انطباعاً بالغ القوة لدى قرائه لتحليله الفلسفي المعمق لمعنى الوجود الإنساني الذي قاده إلى البحث عن العديد من الظواهر الأخرى، ومنها أصول الدافع الجنسي الذي خصص له مجلداً كبيراً حمل العنوان نفسه.

لقد تغيرت مرحلة ثقافة الكتب وحلت مكانها ثقافة الإنترنت السريعة، والتي أطاحت بالمكتبة كمرجع موثوق، ومن الطبيعي أن تخلو الصحافة من خبر رحيل ولسون، لأن المرحلة تغيرت كثيراً منذ تسعينات القرن الماضي، وتغيرت وسائل إنتاج الثقافة وترويجها ولسوف تتغير أكثر مع تقدم التكنولوجيا، ولن تتذكر أجيال الغد شخصاً مثل ستيف جوبز مثلاً.

– البيان

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *