الرئيسية / نصوص / اكتمال القمر

اكتمال القمر


*سعيد الشيخ

( ثقافات )

ثمّة دم غزير وسط ضوء مشع يغشي الأبصار، في مكان يبدو لي وكأنه قُمرة بلورية معلقة في فضاء متمدد ومتطاول في المدى اللامتناهي. الدماء تُرشق رشقا من كل الجهات فتتلطخ الوجوه حتى لا يعود يُستدل على من القاتل ومن القتيل. الجميع يتصرف بما يمليه عليه دوره وكأن الضوء الضارب للمكان مصدره شياطين تتسرب الى الاجساد وتحدد من يكون السفاح ومن تكون الضحية. 
كنت ضحية بين الضحايا، أعضاؤنا تصطك من الرعب، وأصوات صراخنا بالكاد أحد يسمعها أو يعيرها اهتماما، كأنها تخرج هامسة أمام قهقهات القتلة التي تزلزل المكان.
أشاهد اختي الكبرى بينهم وبطنها أمامها، تتحرك بينهم كأنها تنتمي اليهم ثم تجلس في حضن واحد منهم وتقبّله برضى وسعادة.
كنت أقف في جهة اخرى وسط طابور للبنات ننتظر دورنا في الاغتصاب والذبح. بعض البنات يغمى عليهن من الخوف فيأتون اليهن بسطل من الدماء يرشقون بها وجوهن حتى يعدن الى وعيهن.
لا تختلف أوصافهم عن أوصاف الهمجيين الذين قرأنا عنهم في كتب التاريخ. لحاهم كثّة وطويلة تأكل وجوههم، يعتمرون خوذات معدنية يتوسطها نتوء صاعد يشبه عُرف الديك. بأيديهم سواطير وسيوف ورماح وآلات حادة اخرى، يجزّون أو يدقون بها الرؤوس، والرؤوس تتطاير وتتدحرج، والدماء تتدفق في كل الجهات. 
حشود بشرية مكدسة هنا ولا احد يعرف احدا. اختي لا تراني وهي في حالة انسجام بالاستئناس مع حامل السيف، وانا انادي والوّح لها بلا انقطاع لعلها تسمعني أو تراني، لتفتح لي السبيل الى باب أستطيع الخروج منه وأنا محتفظة برأسي وكامل أعضائي الى مكان طاهر لم يمْسَسُه دم. لكن كان كأن الكون قد أطبق على هذه الحتمية المتجسدة في رؤياي، مرة كقيامة ومرة أخرى كولادة. برهانها هذا الدم المتواصل.
كان دوري قد حان واصبحت امام الطاولة التي يجزّون عليها الرؤوس، وكأنني مسيّرة من قوة غامضة اضع رأسي على حديد مثبّت بالطاولة ربما هو المقصلة الموصوفة في كتب التاريخ بأنتظار السيف ان ينزل الى رقبتي، لكن في تلك اللحظة أستعيد صوتي الذي اختنقت به، الرعب يستحثني لأن أصرخ من أعماقي بكل قدرة لي على الصراخ، ولكنه يظل محبوسا في داخلي لأنني لا أرى أحد من أهلي يهرع اليّ. 
دبيب الوعي يلامس روحي ويمسح خلاياي بيقظة ضئيلة، حتى اكتشف نفسي ممددّة في سريري ورأسي ما زال على المخدة الناعمة.
*****
أحكي كابوسي لبنات صفّي، بعدما هنّ حكيْن أحلامهنّ بطلب من المعلمة التي طلبت من كل تلميذة ان تحكي عن حلم رأته في المنام. 
ما ان انتهيت حتى اقتربت مني المعلمة تربّت على كتفي وتمسح على رأسي بتعاطف ظاهر. أرى الذهول والخوف على وجوه زميلاتي. 
تقول المعلمة لي والكلام لكل الفتيات:
– عندما تضعنَ رؤوسكنّ على الوسائد طلبا للنوم، إقرأنَ المعوّذات وآية الكرسي فهي تبعد الخواطر السيئة وتدفع عنكنّ الشرور.
*****
قرأت المعوّذات الثلاث التي أحفظها عن ظهر قلب، وقرأت آية الكرسي التي إجتهدت على حفظها طيلة بقية النهار بالرغم من التوعّك المفاجئ الذي أصابني وزرع فيّ عدم الارتياح … منذ المساء وأنا اشعر بإنقباض في نفسي يعكّر مزاجي، رأسي ثقيل ودوار خفيف يتلاعب فيه. كأن في أسفل بطني ثعبان يتلوّى فأشعر بآلام مغص شديدة.
أقرأ وأُكرر لعدة مرات حتى يأخذني النعاس. فيطالعني الدم، يطالعني نفس الكابوس بوجوهه الهمجية. كأن الاحداث في شريط مصوّر تبدأ بالتجسّد في رمشة الاغماضة التي هي علامة الدخول في النوم. 
أرى بطن أختي ما عاد أمامها ليحل بين يديها طفل في قماط يشرشر دما. 
كان صراخي هذه المرة حقيقيا، بدليل وجود والديّ في غرفتي. 
عند رأسي يتمتم أبي ببعض الآيات القرآنية، وأمي تقف بمقابلي وهي تبتسم بوجهي. تغيظني ابتساماتها التي لا أفهم من أين تأتي بها أمام حالتي المزرية، كيف لا تجزع عليّ، كيف لا تقلق من فزعي. كيف صراخ الخوف الذي أطلقته في نومي وجاء بها مع أبي الى غرفتي في هذه الساعة من الليل، كيف لا يحرّك خوفها عليّ. الامور تلتبس عليّ وكأن والديّ جزء من هذا الكابوس.
تطلب أمي من أبي الخروج من الغرفة، فيخرج منصاعا لطلبها في ما بدا لي انه هو الآخر متواطئا مع كل ما يحدث لي.
تقترب أمي وتجلس على طرف السرير وهي تتأمل وجهي والبسمة لا تفارق محياها. تمسك بطرف الشرشف وتسحبه من تحتي، كان ملطخا ببقعة من الدم. أردت ان أصرخ ثانية لرؤية الدم حقيقيا في فراشي، فضَغَطَتْ بكفّها على فمي وأمرتني بالسكوت. وعادت الى الابتسام ثانية فيما أنا ما زلت مسكونة برعشات الخوف.
– أنت الآن صرت إمرأة ناضجة!
لم أفهم كيف أكون ناضجة، فالنضوج للفاكهة. كنا كلما حاولنا أول الصيف قطف عناقيد العنب من دالية دارنا ينهرنا أبي ويقول: اتركوها حتى تنضج. 
فأرمي السؤال بوجه أمي ببراءة الطفلة التي تكتسحني: 
– كيف أكون ناضجة كالفاكهة؟
تتوسّع الابتسامات في وجه أمي، توزعها هذه المرة ما بين وجهي وبين النافذة المطلة على الليل والسماء المزركشة بالنجوم.
ألتفتْ بتلقائية الى النافذة حيث أمي تنظر، فأرى القمر شاخصاً في كبد السماء وهو بتمام الكمال حوله النجوم وكأنها به تتجلى … حينئذ تناهى الى سمعي عواء ذئاب تجوب شوارع المدينة، لا أدري إن كان ذلك وهما أم حقيقة. 
عواء ظلَّ يعلو ويخفت حتى طلوع الفجر بإيقاع يشبه الغناء. 
_______
من مجموعة “جنائن الهستيريا” قيد الاعداد.

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *