الرئيسية / إضاءات / تشارلي تشابلن فى ضيافة جماعة نهج السرد

تشارلي تشابلن فى ضيافة جماعة نهج السرد


*ابتسام القشورى

( ثقافات )

افتتح كمال الرياحى مختبر نهج السرد غرفة تشارلى تشابلن التى انعقدت مؤخرا بالتطرّق لمقاربة طريفة وعميقة ورؤية فلسفية للممثل الهزلى من خلال كتاب “نجوم السينما ” لادغار موران ترجمة ابراهيم العريس وهو من الكتب الكلاسيكية فى مجال الفنّ السابغ تساءل فيه مؤلفه عن شروط صناعة النجوم وعن علاقاتهم بجمهورهم كما يشرح العوامل السيكولوجية والسسيولوجية التى تحدد هذه العلاقة .
فتحدثّ الرياحى فى صناعة النجم اولا عن الفروق الحاصلة بين النجم الرجل الذّى لا يعوّل فى نجاحه فقط على وسامته ولا على شكله الخارجى بعكس النجمة المرأة التى تعتمد كثيرا على الجمال ويكون دورها فى معظم الاحيان دور العاشقة والمحبّة بينما يتعدى النجم الرجل هذه الادوار الى ادوار اخرى مثل الصراع مع القدر مع الشر ومع الموت ..ثم تدرّج فى التحدث عن نجوم الكوميديا مؤكدا انهم عادة ما يكونون قبيحى المنظر سخفاء ومتأخرين خلطة ناجحة ومتميزة للاضحاك ولكن كيف يفرض هذا النجم نفسه ؟ وكيف يصبح النجم الكوميدى نجما كبيرا ؟
يجيب الرياحى اعتمادا على نفس المصدر انّ نجم الكوميدى يصنع نفسه من خلال الكاريكاتور والشكل الخارجى اولاّ وثانيا هو كثيرا ما يقدم نفسه كفرد مضطهد يطارده العالم باسره فينجح فى كسب تعاطف الجمهور وهكذا كانت شحصية” شارلو” القناع الذى لبسه تشابلن واصبحت اسطورة فى عالم السينما واستطاع ان يضحك الناس فى احلك فترات العالم خاصة فى فترة الحروب 
“شارلو” المتشرّد –يضيف الرياحى- كثيرا ما يقدّم نفسه على انّه خارجا عن القانون فهو بطل هزلى اخرق كثيرا ما يقع فى المطبات عاشق فاشل وغير ايروتيكى يضحى بنفسه من اجل الآخرين من اجل المعدمين من اجل الصبية العمياء من اجل العاجز من اجل العمّال فهو يمثّل وهذا مهم جدا دور القربان من اجل العدالة والحب والسلام فهو الحالم بتغيير العالم يتماهى فى ذلك مع” المسيح ” ودون كيشوت الذى حارب طواحين الهواء . يواصل الرياحى اعتمادا على مصدر آخر وهو كتاب “تشارلى تشابلن ” لمارسيل مارتان الحديث عن اسباب نجاح هذه الشخصية مؤكدا انها كانت شخصية قريبة جدا من الناس لذلك نجحت فى البقاء والاستمرار فكوميديا تشارلى تشابلن كانت كوميديا الآن وهنا . حتى ان قناعه الذى استنبطه يعنى اللباس كان من وحي الرجل الانغليزى فى الشارع الشارب الصغير القبعة والعصا والسترة الضيقة والحذاء ولكن بمقاسات متناقضة ليحدث فعل الاضحاك ويقول تشارلى فى هذا الصدد ” انّ هذه الثياب تساعدنى على فهم رجل الشارع يعنى انا نفسي القبعة على صغرها هي محاولة لكي ابدو محترما ” 
ثم تطرّق الى براعة تشارلى تشابلن كممثل ايمائي بالأساس الذى يعتمد فى ذلك على الصورة والحركة الرشيقة وقدرته على الارتجال وظلّ تشابلن رافضا للسينما الناطقة الى زمن وعبر عن كرهه لها فى مذكراته ويرجع ذلك ربما لانّ الكلام يفسّر الفنون وينقص من قدرة الممثل ويلغى جمال الصمت صمت الصورة وحرية تاويلها .
ويختم الرياحى انّ سر نجاح تشابلن راجع الى ذلك القناع الذى لبسه “شارلو” الواحد المتعدد القريب من الناس ومن قضاياهم ولا غرابة فى ذلك فتشابلن كان صديقا لغاندى وانشتياين وبارناد شو .واكدّ ان هناك العديد من الحقائق بقيت غير معروفة عن تشابلن وهذا جزء من اسطرة الشخصية 
ثم فسح المجال لمنشط الحصة المخرج السينيمائي محمود عبد البار فى فقرة مصورة ولقد بدأها بصور لتشابلن فى مختلف اعماره من الطفولة الى الشيخوخة ولم يكن تقديم عبد البار كلاسيكيا وانما ركزّ على اهم فترات حياة تشابلن التى اثرت فيه وفى اعماله الفنية 
وكان اول هده العتبات هي الطفولة المشرّدة التى عاشها تشابلن حيث عاش فى اسرة فقيرة جدا من اب وام منفصلين كان يعملان فى حقل التمثيل والغناء عاش تشابلن فى كنف عائلة ممزّقة اب غائب ومدمن على الكحول يموت وهو فى سن الثالثة عشر وامّ عاشت ويلات المرض لتنتهى فى مصحة الامراض العقلية وليجد تشابلن نفسه مشرّدا فى شوارع لندن ولهذا يدخل الى مراكز الرعاية والملجأ مرتين وهذا الوضع اثّر فى نفسية تشابلن وأعماله كثيرا 
العتبة الثانية كانت سفره للولايات المتحدة الامريكية والعمل مع استديوهات “كيستون” فى سلسلة اطفال يتسابقون فى فينيس” سنة 1914 ثانى ظهور لتشارلى تشابلن واول ظهور لشخصية شارلو الصعلوك ولقد فتن تشارلى الجمهور باعتماد على ركائز تتناغم بطريقة مذهلة كابتكار حالات عبثية استخدام اشياء محولة عن وظيفتها الاصلية (مشهد طبخ الحذاء) الى جانب رشاقة حركاته وقدرته المدهشة على الارتجال والاضحاك ومن هنا يصبح اكثر نجوم كيستون شهرة ومثل معهم العديد من الاشرطة القصيرة ( 62 شريط)
ثم عرض عبد البار لقطات من شريط مهم وهو “الطفل” (1921) عندما استقل تشابلن بنفسه واسس شريكته للانتاج وعبّر عن اهمية الشريط ونجاحه لا لحبكته الدرامية فقط وانما لان هذا الشريط يحمل الكثير من حياته الحقيقية فتشابلن هنا هو الاب والطفل فى نفس الوقت وقد لاقى هذا الشريط نجاحا كبيرا . ثم تناول محطة مهمة من حياة تشابلن وقدم عبد البار لقطات من شريط” الازمنة الحديثة ” حيث بين المخرج ان هذا الشريط لاقى نجاحا كبيرا من طرف الجمهور والاحزاب اليسارية ولكن لاقى نقدا لاذعا من طرف البرجوازية الاميريكية حيث قدّم تشابلن هجاءا مرّا للآلة وسيطرة الرأسماليين على حياة العامل وراحته . ثم انتقل الى لقطات من شريط الديكتاتور (1940) وهو عبارة عن هجاء ساخر ايضا من هتلر والنازية ويعتبر من انجح افلامه تجاريا ثم تطرق عبد البار الى شريط آخر مهم فى حياة تشابلن مابعد شارلو وهو شريط انتجه تشابلن سنة 1952بعنوان” اضواء المدينة ” وعبرفيه عن كابوس يعيشه كل ممثل وكثيرا ما صرحّ تشابلن لاصدقائه المقربين انه يعيش هذا الكابوس باستمرار الا وهو فقدان الممثل لجمهوره الذى يعتبر رأس مال الممثل واكدّ محمود عبد البار ان تشابلن كان يعيش تحت الخوف الشديد من هاجسين الاول الذى ذكره فى الشريط والثانى هو الفقر او العودة الى نقطة الصفر 
هذه الافلام والمحطات الكبرى التى عاشها تشابلن والذى قارب فيها الحقائق المأساوية لعصره ونقد نقدا لاذعا العنصرية والحرب والاحتيال والفساد كانت سببا فى شهرته وايضا فى طرده او التضييق عليه فى الولايات المتحدة الامريكية بالاضافة الى جزئية اخلاقية ان تشابلن كان يحترف المغامرات العاطفية مع الصبايا الصغيرات كل ذلك عجّل برحيله من امريكا والاستقرار فى سويسرا حيث توفي سنة 1977
ويختم عبد البار بالتركيز على عبقرية تشابلن فى التمثيل وفلقد كان ممثلا بارعا وموسيقيا يكتب موسيقى افلامه بنفسه حيث كانت له اذن موسيقية مرهفة وكان يعزف على الكثير من الآلات ولقد حافظ تشابلن على جودة افلامه باحتفاظه بالنسخة الاصلية فى بيته وترك ذلك ارثا لعائلته ولذلك بقيت افلامه الى يومنا بجودة عالية .
فكيف استلهم جماعة نهج السرد هذه الشخصية ؟ولمعرفة ذلك فسح المجال لقراءة بعض النصوص السردية فقرأ هشام الرضوانى نصّا بعنوان “موت بطيئ” وقرأت اريج الامام نصا بعنوان “ماتش او 100بالمائة سعادة” وقرأت مروة القنيشى نصا بعنوان” يوميات طبيبة نفسانية ” ثم نوقشت هذه الاعمال من طرف الحضور واكدّ الرياحى ان هناك العديد من الطرق الطريفة لاستلهام شخصية تشارلى تشابلن مثلا بتخيل الايام الاخيرة للشخصية او تخيل رسالة يكتبها تشابلن الى هتلر او العكس خاصة ان تشارلى كان قال بعد انتاجه لشريط هتلر”مستعد أن أفعل أي شيء لأعرف ما رأي هتلر في هذا ” 
هذه مساحات اخرى يستطيع الكتاب تصحيح ما كتبوا فيها او انتاج نصوص اخرى على هدي هذه الافكار وختم الرياحى اللقاء بالإعلان عن الغرفة الموالية التى ستكون مخصصة ل”فان غوخ.”.
________
كاتبة تونسية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *