الرئيسية / قراءات / قاموس السعادة

قاموس السعادة


*مفيد نجم

يختلف مفهوم السعادة باختلاف نظرة كل شخص إليها، وهكذا الأمر بين فيلسوف وفيلسوف آخر بسبب اختلاف النظرة إلى معناها وشرط تحققها. أستاذ الفلسفة في الجامعات الأميركية نيكولاس وايت يحاول في كتابه “السعادة: موجز تاريخي” (ترجمة سعيد توفيق) أن يتتبع المعاني المختلفة للسعادة عند الفلاسفة الغربيين منذ فلاسفة اليونان القدماء وحتى الآن وذلك عبر سبعة فصول تتوزع عليها محاور البحث في هذا الكتاب.

يبحث وايت بداية في مفهوم السعادة التي يؤكد أنها كلمة ليست مخصوصة بالفلسفة. وعلى الرغم من ذلك ينطلق من مفهوم أرسطو للسعادة والمستند إلى دور ثروة الأسلاف في التأثير على عملية تحقيق السعادة عند الأحفاد باعتبارها تمثل الخير البشري ولو لبعض الوقت. وفي تتبعه لتاريخ هذا المفهوم لا يجد أن معناه قد تغير منذ أرسطو وحتى فرويد الذي يعتبرها هدف كل إنسان في الحياة. ومع التطور الذي شهده عصرنا فقد باتت كثرة الأهداف تفرض نفسها على وعي الناس، في حين أن التفسير الجيد للسعادة يجب أن يبدأ بالوعي بكثرة الأهداف وما بينها من تضارب، ثم يفصِّل في رؤيته هذه، باعتبار أن أي فيلسوف يريد أن يكون قادرا على إيضاح طبيعة السعادة يتوجب عليه أن يضع هذا التوصيف في مواجهة حالة الشخص على نحو ما يكون في الواقع.
ويعود وايت إلى فلسفة أفلاطون في محاوراته التي لاحظ فيها التعدد والتضارب بينما جورجياس السوفسطائي قد تبنى منذ القرن الخامس قبل الميلاد الموقف القائل بأن صالح المرء يكمن في حصوله على كل شيء يريده. ويوضح الباحث أن كلمات كثيرة استخدمت بمعنى مكافئ لمعنى السعادة من قبل الفلاسفة، منها مفهوم الخير الكثير والنعيم، كما استخدمها هوبز في القرن السابع عشر. ويتساءل في هذا السياق إلى أين نتجه من حيث نبدأ، لأن تضارب الأهداف كما يرى أفلاطون هي حالة سيئة بالنسبة إلى الشخص الذي يواجهها. وهكذا يكون على الشخص العاجز عن تحقيق رغبات متعددة في آن واحد أن يتعامل معها بشكل ما لأن الفشل في التخطيط يمكن أن يؤدي إلى فقدان الأشياء.
ويدعو أرسطو في فلسفته إلى أن يكون لكل شخص القدرة على أن يعيش وفقا لاختياره على أن ينشئ موضوعا لنفسه يتطلع نحوه قد يكون هو الشرف أو الشهرة أو الثروة أو الثقافة، وفي مثل هذه الحال فإن جميع أفعاله سوف تستند إلى هذا، طالما أن الحياة يجب أن تكون منظمة وفقا لهدف ما.
المفهوم والكيفية
يركز وايت في هذا الفصل على العلاقة بين مفهوم السعادة وتقرير الكيفية التي نأخذ فيها مجمل الأهداف والمدى المثالي الذي يمكننا فيه أن ننجح في فعل ذلك ما يدل على مدى التناظر بين مفهوم السعادة والأسلوب الناجح في التعامل مع فترة أقصر وأهداف أقل. ويتساءل عن المدى الذي يمكن للتفسير الفلسفي للسعادة أن يذهب إليه مقرا في الآن ذاته أن هذا التفسير يقدم لنا اتجاهات معينة تتعلق بالكيفية التي يمكن بها لشخص ما أن يكون سعيدا أو أكثر سعادة، بينما تاريخ السعادة يقدم أمثلة من هذا التفسير، إضافة إلى توجيهات تتعلق بما ينبغي أن نفعله من أجل تحقيق السعادة.
ويؤكد وايت أن معظم الفلاسفة مالوا بدرجة أو بأخرى إلى قبول وجهة نظر أفلاطون القائلة بأن السعادة يجب أن تقوم على نوع من التناغم بين الرغبات والأهداف. أما فيما يتعلق بالتحديات التي تواجهها السعادة فيراها متمثلة في مفهوم السعادة بمجمله حيث تنبع هذه التحديات من الاعتراضات على وجود تصور المعنى لأنها تنكر وجود هذا المفهوم المتماسك والقابل للفهم والذي يضع في جميع اعتباراته وأهدافه توافرها في حالة شخص واحد.
تنقسم تلك الاعتراضات إلى قسمين قسم منها يقول بأن هناك أهدافا تقع خارج مفهوم السعادة، الأمر الذي يجعل السعادة لا تنطوي على كل الأهداف، ما يجعل ثمة اعتبارات عقلانية تنافس السعادة في التحكم بقرارات الشخص العقلانية.
أما التحدي الثاني فيأتي من القول بأنه لا وجود لمفهوم السعادة، ذلك أن أهدافنا المتنوعة لا يمكن أن تعمل بشكل منسجم في إطار كلي ومتماسك. أما فلسفة كانت فتلح على فكرة العقلانية الفائقة والوضوح وأهمية الإنجاز الأخلاقي، ولذلك تصر في أطروحاتها بأنه ليست هناك طريقة واحدة في تسجيل الهدف المقترن بكلمة السعادة طالما أن هناك طريقة لكن لا يقين فيها. وعليه فإن العلاقة بين السعادة والأخلاق هي علاقة مهمة وإشكالية في آن معا.
مقياس السعادة
في هذا الفصل يتحدث الباحث عن فكرة المقياس الواحد للسعادة، والتي تقول بأن السعادة هي المتعة أو مذهب اللذة، ويوضح خطأها الذي يمكن أن نتعلم منه، لأننا يمكن أن نتعلم ما أردناه من تفسير السعادة ومن شيء ما مما لم نستطع أن نحققه. ويوضح أن هدف مذهب اللذة الكمي له درجة عالية من القوة المنهجية والنظرية وعندما نقوم بتطوير هذا الهدف وتوظيفه بشكل تام يمكننا قياس قيمة كل شيء يمر من خلال خبرتنا وقياس مدى مساهمته في تحقيق سعادتنا. ويذهب الفلاسفة إلى أن التفكير في الكيفية التي يمكن أن نحقق بها الهدف تعني التفكير في الخيارات والاعتبارات والأهداف على نحو ما تقدم به الأشياء نفسها، والتي غالبا ما تكون معقدة، في حين تقدم نفسها لنا على أنها بسيطة ولطيفة. ويعود وايت إلى محاورة جورجياس عند أفلاطون ليكشف لنا عن الموقف من مذهب اللذة وكذلك الأمر في محاورة بروتاغوراس عنده .
أما اللذة الأرسطية فإن ما تحدث به حولها يعد أقل منهجية مما نجده عند أفلاطون فهو يصف اللذة بأنها أقل قابلية للوصف من الناحية المنهجية. في حين يرى أبيقور ان مذهب اللذة لا يمثل نسقا مذهبيا أو هو مؤسس بطريقة حسابية فهو يجد الخير في اللذة وأن اللذة بدورها يمكن تفسيرها باعتبارها غيابا واعيا للألم والإزعاج، وهو ما تسعى البشرية كلها من أجله. وبعد أن يقدم نقده لنظرية أبيقور في اللذة ينتقل للحديث عن فلسفة بنتام التي ظهرت في القرن السابع عشر، حيث عمل بنتام على تطوير مذهب كمي في اللذة فقد بين المعاني الجوهرية المتضمنة فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية وعلى الرغم من أن هذه النظرية ليست جديدة فقد كشف عن كيفية قياس اللذات كميا باعتبار أن لها دلالاتها من حيث الشدة والمدة. إن اللذة كلما كانت أكثر شدّة وأكثر دواما كانت أكبر وأكثر بهجة.
أما في القرن العشرين فقد قدم الفلاسفة أطروحات عديدة تؤيد الفكرة القائلة بأن السعادة هي تفضيل للإشباع أو أنها هي الإشباع. ويجد وايت أنه بموازاة التاريخ الطويل لمناهج اللذة فإن هناك طريقة أخرى تتجاوز فكرة أساليب تنسيق الأهداف التي يقدمها مذهب اللذة. والخطوة الحاسمة في ذلك هي إيجاد سمة عامة لجميع أهدافنا وإشباعاتنا لأنها هي التي تضفي عليها القيمة.
______
*الاتحاد

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *