الرئيسية / إضاءات / هوس التقويم في مجتمعات ما بعد الحداثة.

هوس التقويم في مجتمعات ما بعد الحداثة.


*أبو بكر العيادي
لم تفرض التكنولوجيا الحديثة في المجتمعات الغربية هيمنة ثقافة الشاشة فحسب، بل فرضت أيضا هوس التقويم، إذ صار الإنسان الغربي لا يكف عن تقويم طاقاته وقدراته في شتى مجالات الحياة، وإخضاع ما توصل إليه من نتائج للمقارنة، حتى يدين -ولو بشكل غير مباشر- لدى من بيده الحل والربط ضعف الآخر وهشاشته وقلة كفاءته وتواضع مستواه، خصوصا في مثل هذه المرحلة المتأزمة، وقد تفضي بأرباب العمل إلى تسريح جانب ممن يستراب في أدائهم. وبذلك أوجدت الليبيرالية، من خلال هذه الممارسات التي دفعت إليها دفعا، ما سمّاه أهل الذكر حرب الجميع على الجميع.
اجتاحت حمّى التقويم كل الشرائح المجتمعية، بعد أن صار مراسا يوميا لم يسلم منه الناس حتى في حياتهم الخاصة، وسباقا لتحقيق أرقام، إن لم تكن قياسية، فمساوية للمعدل العام الذي يُطمئن الفرد على سلامته، وساد مفهوم “القياس الكمّي للأنا” quantified-self حسب عبارة الفيلسوفة الأميركية سوزان كين، أي إقدام الفرد على قياس كل نشاط يومي يقوم به، ذهنيا كان أم بدنيا، كقياس عدد دقات القلب ونسبة الكولسترول في الدم وعدد الخطى التي يقطعها أثناء تمارينه الرياضية، بفضل أدوات مستحدثة كالأساور الإلكترونية والساعات الذكية والسمارتفون.. أملا في تحسينه وتطويره.

رغبة امتلاك

شمل ذلك حتى المواقع الاجتماعية، فمستعمل الإنترنت يقيس مكانته داخل المجتمع بعدد الـ”لايك” التي يحصل عليها رأيُهُ أو صورته أو تعليقه أو الفيديو الذي يقترحه على صفحته بالفيسبوك، مثلما يقيسها بعدد أنصار تغريدته على حساب تويتر، وعادة ما يخضع ذلك لمقارنات لا تنتهي مع أصدقائه الحقيقيين أو الافتراضيين، كي يعرف بالضبط حظوته لديهم، مما يولد شعورا بالغيرة وحتى الأسى والعزلة حسب بعض الدراسات الألمانية الحديثة. فما يزعج مستعملي الشبكة أشدّ الإزعاج أن يرى أن عدد المعلقين على صور من يعتقد أنه يفضلهم في الواقع يفوق ما تحظى به صوره، أو أن عدد أصدقائه هو دون عدد أصدقاء نظرائه بكثير. وذلك راجع إلى ما يسميه علماء النفس بالنزعة scopique، تلك التي تولد الرغبة في الحصول على ما يمتلكه الآخر، خصوصا إذا كان من المقربين أو ممن يخالط داخل المحيط الذي يعيش فيه.

للأنا، صارت فيها الذوات أشبه بأسهم في الأسواق المالية، يعتري قيمتها تغير مستمر، صعودا ونزولا، على مدار اليوم، حسب عدد النقرات على اللوحة والآراء الموافقة في الفيسبوك، أو حسب موقع الفرد في قوائم الترتيب المهني أو الاجتماعي أو الوديّ. وكأن لكل فرد مقياسا يراقب من خلاله نجاحه أو فشله، رواج صورته أو انحسارها، كما هو الشأن في “الأوديمات” لقياس شعبية برامج الوسائل السمعية البصرية، وهو ما أدّى إلى تفاقم ظاهرة استعراض الذات، بكل خصائصها أحيانا، على صفحات المواقع الاجتماعية. والسبب في رأي الفيلسوف باسكال بروكنر أن الرقم يطمئن، فهو عزاء وسلوى، وتثبيت موضوعي لإحساس -بذاتنا- مترجرج.


شعور بالعظمة

يذكر بأن ذلك ليس جديدا، فقد كان الناس في العصور الوسطى يشترون صكوك الغفران ليدخلوا الجنة، وكلما ازدادت صكوكهم ازدادت حظوظهم فيها. واليوم يستطيع من يحوز مليون معجب أن يفوز بفردوس من نوع آخر، ليس لكونه حاز مغفرة ربه، وإنما لأنه اكتسب في نظر رواد الشبكة قيمة عليا. هذا الحرص على جعل الأنا قيمة كمية ناجم عن تسرب عدوى الفضاء الاقتصادي إلى الفضاء الخاص، فالفرد إذ يسيّر ذاته كما تسيّر مؤسسة لخلق أسطورته الخاصة، إنما ينقاد طوعا لشروط المجتمع الليبرالي التي تنفر من الصلات الدالة، والصداقات الحقيقية ومواقع الشغل القارة والخبرة المشهود بها لدى أهل الصنائع؛ فهي بحاجة إلى روابط لا قيمة لها، وصداقات افتراضية وتقويم سطحي وأعمال غير قارة، حتى يكون الإنسان الاقتصادي Homo economicus قابلا للتطويع والاستعمال والنقل حيثما يشاء ربّ العمل، وحتى قابلا أن يكون مثل منديل “كلينكس” يلقى به بعد الاستعمال.

هذا الهوس بالتقويم تؤكده الباحثة بنيديكت فيداييه في كتاب بعنوان “قوّموني!” (منشورات سوي 2013) وتفسره برغبة المقوَّم في المناظرة لفضح حقيقة الآخر، في أي مجال كان، ولو في العالم الافتراضي، والتلميح -ولو ضمنا- بأنه أكفأ منه وأقدر. فقد لاحظت أن العمال داخل الشركات يقبلون أن تقوّم جهودهم دون اعتراض، إما للتميز عمن يرفضون، وإمّا -وهذا هو الأهم- لإقامة الحجة أمام أرباب العمل أن الآخرين أقلّ منهم جهدا وكفاءة. ويزداد الوضع حدّة عند اشتداد الأزمة، ونضوب الموارد المالية، وتقلص فرص الشغل، حيث ينتاب المرء إحساس بضرورة مجازاة كل واحد بما يستحق، أي على قدر خبرته وعطائه.

وفي رأيها إن الإنسان الغربي بحاجة اليوم إلى استعادة إدراكه لحدوده، لكي يعرف أن قيمته نسبية وأن عدد الأصدقاء والأنصار وقوائم المفاضلة لا جدوى من ورائها سوى استثارة شعور زائف بالعظمة. والخير في أن يقتنع بأن طاقته على خلق ذاته بذاته نسبية. تقول الباحثة: “ثمة نوع من المنطق الداخلي يحتم على المرء أن يكون هو هو، أي أن يعي ذاته وإمكاناته وحدودها ويسعى إلى تجاوزها بعيدا عن هوس النتائج القياسية المرقمة”.
_______
*(العرب) اللندنية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *