الرئيسية / إضاءات / رحلات وبحار

رحلات وبحار


*لطفية الدليمي

نكتب عن المدن كما نكتب عن الحب ، ونكتب عن الجمال وكأننا في نشوة اكتشاف الحياة للمرة الأولى مع صرخة الولادة ونحاول الكتابة عن الموسيقى فنعجز عن تأويل الأنغام بالكلمات ،فالموسيقى شأن طليق كالريح يصعب القبض على جوهره ، لا تحتويه لغة ولا تشبهه كلمة ولا يمكن صوغه بالحروف وعندما تعزف الموسيقى تهتز أوتار القلب وتنتشي الروح بالنغم والإيقاع وتفيق الأشواق من سبات .

تخطفنا الموسيقى اليونانية في العاصمة القبرصية من عبير الصنوبر وضجة النواقيس بينما عصافير الضحى تتقافز بين أشجار اللوز والجهنميات تفتش في عناقيد وردها عن نحلة أو يرقة والموسيقى تواصل سرقة خطى العشاق نحو المتاهات الأجمل في الأسواق القديمة وأبواب الكنائس والأطلال وتخطف العابرين إلى مدارج آلهة الأوليمب التي وزعت أساطيرها على الأرض اليونانية وقبرص وكريت ، ها نحن نطارد سحر المدينة في روائحها : العطور الأرضية تشع من الحدائق النضرة ومياه المطر ، عطور النساء الجميلات تتمازج في الأزقة الظليلة مع روائح الحجر العتيق ، يخبرنا علماء آثار إيطاليون أن أول عطر عرفه الإنسان كان في قبرص قبل 4000 سنة ، تنسينا عطور الجميلات روائح أطباق شواء السوفلاكي والموساكا ، ثقافة الطعام تتضافر مع الموسيقى وتأتي لنا باليونان على طبق مزين بالمحار والزيتون وتحاول الشوارع أن تموه تاريخها وواقعها الأغريقي بأقنعة لندنية ، تترنح نيقوسيا بين الشرق والغرب ، وبين الجبل القاسي والسهل الذي ينتج عسلا ولبنا ونبيذا وألف صنف من الزيتون تتكفل كلها بجعل الحياة متعة مستديمة .
هناك جزر منسوجة بتاريخ الحضارات كلها ومباحة لأهواء الأباطرة والغزاة وقبرص جزيرة الإلهة افروديت كانت مطمح الآشوريين فبلغوها بسفنهم وهم يبحرون في لجج الملح وتمتلئ سفنهم بنحاس الجزيرة وحريرها وزيتها وياقوتها وفيروزها ، فراعنة وفرس من أكباتانا تصارعوا على أرضها في انتظار أن يأتي الإسكندر ليطرد داريوش من جزيرة الآلهة ، حاضر نيقوسيا الجميلة موسوم بعنف السياسة،هي التي مرت عليها الغزوات والثقافات النهرية من الغرب الآسيوي- من آشور و تركيا حتى بلاد الإغريق ومدارات المتوسط وتركت عليها السياسة ندوبا لا تزال ماثلة على حجارة أطلالها وقلاعها ..
ومازالت قبرص تعانق البحر وتتوزع بين مزاجين إغريقي وتركي وهي تحدق في حاضرها من وراء معبد ومنارة. 
أتساءل وأنا أتجول في أزقة نيقوسيا ، لماذا نحب بعض المدن وتستهوينا إشارات ثقافتها وذاكرة حجارتها ؟؟ ألأنها تهبنا موسيقاها طوال الوقت وتجمع بين أغاني جيورج دالاريس اليوناني ونغمات جورج ثيوفانوس وروح الشرق أم لأن التراث الإغريقي يلوح في وجوه حائكات المصير على طريقة بنيلوبي وهن ينسجن الشالات والدانتيلا برسوم من أردية الآلهة وأغصان زيتون وفراشات وحوريات بحر ؟؟ لماذا تغوينا بعض المدن فنقع في هواها ؟هل لكونها انعكاساً لمدننا عند حافات آسيا فتبلغنا منها ذبذبات مشرقية وغوايات زيتون ولمحة من خشونة آشورية ألفناها طوال العصور؟ 
في الساحة الكبرى –الأغورا يلتقي المعبد والسوق وتاريخ الحرية والاستعباد في آن وفي الأغورا ذاتها أعلن ملكها ( أوناساغوس ) ولاءه لعاهل آشور في القرن السابع قبل الميلاد ثم اغتسل الملكان في مياه نهر ( بيديوس ) :الآشوري ربما ليحتفل بنصره وآلاف الأسرى والقبرصي نشدانا للمغفرة من جريمة تفريطه بوطن وفي ساحة اليوم يبدو كل شيء مقلدا لتاريخ ما وفكرة ، فترى سمات ثقافة إغريقية و إنكليزية وتسمع ترنيمات بيزنطية ترتلها جوقة الكنيسة.
إذا لم تقرأ شعر مدينة ما فكأنك لم تزرها ،وما لم تتعرف إلى أحلام أهلها في قصائدهم فكأنك تجوب مدينة لا ينتابها عشق ولا يمسها حزن وكأنك لا ترى غير حجارة مصمتة،سألت أحد موظفي الفندق عن أهم شعراء قبرص المعاصرين كرياكوس كارالامبيدس، فقال لي الشاب النحيل إنه سيسأل أحد زملائه العاملين في الفندق فهو شاعر ومدمن قراءة ،عاد الشاب ذو الشعر الأسود بورقة مكتوب عليها بالإنكليزية ” هو شاعري المفضل ، لأنه حارس الروح القبرصية ومجدد الشعر اليوناني المعاصر،لا أملك كتبه بالإنكليزية وإليك كتاب عنه “
رفاق الرحلة لا يستيقظون قبل الحادية عشرة ،لذا جلست أحتسي القهوة وأقرأ عن الشاعر الذي يعد الأبرز في الثقافة اليونانية القبرصية وتتردد قصائده في الغرب وهو عاشق للثقافة الغربية دون ان يتخلى عن ينابيع التاريخ الثقافي اليوناني التي تغذي وجوده و ذاكرته وشعره ،يذكر اسمه إلى جانب كافافيس وايليتس وجورج سيفيريس، اقتحم صالة الفندق سياح مرحون ضاجون حيث جلست أقرأ قصيدة ( موت في الإسكندرية ) لأني لم أجد قصيدة حب سواها وهي عن حب مختلف، ،لعل الشاعر أرادها مرثية لكافافيس أو ليؤبن شاعرا يونانيا آخر عشق الإسكندرية واللغة العربية وفضل أن تكون كلمات تأبينه بالعربية :
“بعد شهر من رحيله ألقيت الكلمات باليونانية والفرنسية والإنكيزية ثم الإيطالية والعربية،الشاعر الميت فضّل العربية ،لأنه كان يحسب أن أبجديات الأمم ستتلاشى وتختفي المدن والقصور و الإمبراطوريات وتنجو قصائده من الفناء محفوظة في نقش نحاس عربي ، سوف تبقى “العربية” بعد الجميع ، فهي تبدو كما ” الإغريقية” التي اتسعت وامتدت حتى تخوم صحارى مصر ” 
ما أن أنهيت كتابة القصيدة في دفتر ملاحظاتي حتى حان موعد خروجنا إلى المدينة توغلنا في السوق بطرقه الملتوية وواجهات محلاته العتيقة المزحومة بتماثيل تقلد آلهة الأوليمب فهنا الإلهة أثينا وطائر البوم رمز حكمتها وهذا بروميثيوس سارق نار الآلهة تنهش العقبان كبده فنمو له كبد جديدة كل صباح ، يالقسوة الآلهة ويا لمجازفات البشر التي لن تتوقف مهما عاقبتهم الآلهة.
، غافلت صحبي وتسللت إلى مكتبة صغيرة في زاوية الشارع واشتريت الكتاب الوحيد الموجود لديهم باللغة الإنكليزية لكارالامبيدس، ودسسته في حقيبتي، كان عنوانه ” جهالة الماء” هل يعرف ماء البحر أو ماء النبع بأنه منذور للجهالة ؟؟ قال الماء إنه يجيد تطهير الأرض من خطايانا وتنقية اللغة والأحلام من سوء أفعال البشر، رجل نحيل يعتمر كاسكيتة سوداء يعزف على آلة البوزوكي في مقهى صغير تحتل مقاعده رصيف شارع اوناساغورا، برد كأس الشاي خلال انغمارى بالموسيقى ، تلفعت بالشال من ريح قارسة هبت على ظهيرة نيقوسيا وعندها تناهى إليّ صوت المطربة العظيمة نانا موسكوري واستحضرت صورتها الجميلة بنظارتها الطبية وصوتها السماوي وهي تغني ( قوة الحب ) فازداد الشاي احمرارا في قدحي وتراقصت الشمس على قمم أشجار الدلب التي تظلل الرصيف ،وتفتحت أزاهير الجيرانيوم والبتونيا في الشرفات بقوة الحب التي انهمرت من صوت موسكوري وتعالت ضحكات العشاق مختلطة بصخب العابرين، في المقهى عشاق يتواعدون لأعياد نبيذ باخوس وسائحون يسألون عن خليج بافوس حيث ولدت افروديت من زبد البحر ،تقرر مجموعتنا الذهاب معهم لنتبارك بمولد افروديت التي اختارت ان تهبط في جنة قبرص ثم لتختفي ذات ليلة مقمرة ولا تترك في الخليج أثرا سوى صخور سوداء موحشة تصارع النسيان و موج المتوسط.
________
*روائية من العراق(المدى)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *