الرئيسية / مقالات / وهم الشهرة و«العالمية»

وهم الشهرة و«العالمية»


*فاضل السلطاني

الإبداع، كما يقال، يكره الضجيج. إنه يجري هناك في الغرف المغلقة، ولا شأن له بما يحصل لاحقا إذا حصل، من تسويق وترويج يجيده الناشرون، الذين قد يحولونه بشطارتهم إلى بضاعة تنافس غيرها في السوق، وقد تباع أو لا تباع، وفي الحالتين لا دخل لعملية الإبداع والمبدع بذلك. للتجارة قوانينها، وللإبداع قوانينه.

لقد اشتهرت كتب معينة، وترجمت إلى لغات كثيرة، وعرف كتاب معينون لأسباب ليست لها علاقة بالمقاييس الفنية والجمالية على الإطلاق، بل لاعتبارات «استشراقية» في أحيان كثيرة. والثمن الأكبر على المدى البعيد يدفعه المبدع نفسه، الذي قد يتمكن منه وهم الشهرة و«العالمية»، والأمثلة العربية كثيرة، فيتراجع الإبداع ليركن نفسه في زاوية ضيقة. وقد ينسى هناك إلى أبد الآبدين، متحولا إلى ماض، بدل أن يكون حاضرا ومستقبلا.
هوس لا يصدق بالشهرة و«العالمية» يجتاح كثيرا من كتابنا. وهم يخلطون الضجة التي يصنعونها حول أنفسهم، مستخدمين كل الوسائل الإلكترونية المتاحة، بالشهرة الحقيقية، التي لا يمكن أن يسعى إليها أي مبدع حقيقي، لأنها تناقض جوهر عملية الإبداع نفسه، فهي من خارجها، بل هي عملية قد تأتي لاحقا ويفرضها منتوج معين لهذا الكتاب أو ذاك من دون أن يسعى إليها المبدع نفسه.
وإذا كان الإبداع هوسا، أو جنونا، أو تصوفا، كما في حال كل المبدعين الحقيقيين، في كل زمان ومكان، فتسويقه شيء أرضي خاضع لقوانين وقواعد وشروط لا تمت لعملية الإبداع ذاتها بشيء. إن قسما من كتابنا يخلط بين الترجمة وبين «العالمية»، متناسيا أن لا شيء هناك في الأدب يسمى العالمية، حتى لو ترجم كتاب معين إلى لغات الأرض كلها، بل هناك أدب إنساني يحفر في بيئته، وإنسانه، وشروطه الحياتية والوجودية، بأدوات فنية وجمالية عالية، فيصل إلى البشر في كل زمان ومكان.
لم يكن نجيب محفوظ يفكر في العالمية، أو الترجمة، أو جائزة نوبل حين كتب ما كتب، بل في دروب القاهرة الخلفية، وشوارعها، وناسها، فرأى ما لم يره الآخرون. ووصل كما لم يصل غيره. ولم يخطر على بال إميلي ديكنسون، التي قالت مرة إن الشهرة مزاد للعقل، أن قصائدها التي كانت تخبئها تحت مخدتها الصغيرة، خجلا وحياء، ستزحف بهدوء من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين لتغير كل الشعر الحديث. ولم يحلم كفافي، وهو يجلس في زاويته الصغيرة في مقهى سكندري، بأن قصائده تواصل منذ أكثر من نصف قرن إصابتنا بتلك الرعشة الخالدة، رعشة الشعر، وشحن أيامنا البائسة بضوء الشمس.
كان ريلكه يقول إن الشعر لا يحب الظهور. وهو يعني أنه لا يحب التبجح. إنه يولد في الظل، وعلى الآخرين أن يكتشفوا أين يختبئ. وإذا لم يفعلوا فهم الخاسرون. وأي خسارة كبرى! كل الإبداع الحقيقي لا يحب الظهور. إنه شيء حميمي، شفاف، حي للدرجة التي يخجل فيها من نفسه. في الظل يكون، ومن الظل ينطلق. وحينها قد يحجب حتى ضوء الشمس. كل الأعمال الكبرى فعلت ذلك. وما الفائدة من إنتاج لا يكبر حتى على ظله؟!
_________
* شاعر من العراق يقيم في لندن 
(الشرق الأوسط)

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *