الرئيسية / قراءات / مختارات من و س مرون

مختارات من و س مرون


*ترجمة وتقديم: أحمد شافعي

«ولكن ليس

هناك ساقية 
يا أبانــــا»….
ولد و. س. مرون ـ أو « وليم ستانلي مرون» ـ في مدينة نيويورك عام 1927، ونشأ في نوجرزي وسكرانتن وبنسلفانيا. وكان أبوه قسا مشيخيا. 
يقول مرون: «بدأت أكتب الترانيم لأبي منذ أن تعلمت الكتابة … كان عمري حوالي خمس سنوات حينما بدأت أكتبها. كتبتها من تلقاء نفسي، وكم شعرت بالخيبة حينما لم تستخدم في الكنيسة».
ويقول: «عشت الكبت في طفولتي. نشأت على ألا أقول لا لأحد مهما كان، وألا أقول إنني لا أحب شيئا مهما يكن، وعلى ألا أرد أبدا. حتى جاء يوم، ولعلي كنت حينها في الثالثة …». 
2
كان عمري ثمانية عشر عاما حينما ذهبت لأقابل «إزرا باوند». أيامها كنت في الكلية. وكان هو في عنبر المرضى النفسيين بمستشفى سان إليزابث، فتلك هي الطريقة التي لجأ إليها محاميه لينقذه من الإعدام رميا بالرصاص بعد إدانته بالخيانة العظمى بسبب ما قاله أثناء الحرب العالمية الثانية. الدفع بالجنون إذن. قالوا إنه مجنون، ولعله كان مجنونا بطريقة أو بأخرى. لم أكن أعرف شيئا عن مواقفه السياسية، لحسن الحظ، أما هو فمما يدهشني اليوم أنه تعامل معي بجدية كشاعر. قال «ها هو شاب يريد أن يصبح شاعرا» وقبل بهذا.
وقال: «إذا كنت تريد أن تكون شاعرا فعليك أن تأخذ هذا الأمر بجدية، عليك أن تعمل عليه عملك على أي شيء آخر، وعليك أن تعمل على الأمر كلَّ يوم». قال: «عليك أن تكتب حوالي خمسة وسبعين بيتا في اليوم» ـ تعرفون كم كان «باوند» بارعا في سن القوانين اللازمة لعمل أي شيء، وقال «ولن تجد أي شيء تكتب عنه خمسة وسبعين بيتا في اليوم. أنت تحسب أن لديك، ولكن ليس لديك». وقال: «السبيل إلى ذلك هو أن تتعلم لغة وتترجم. وبتلك الطريقة يتسنى لك أن تتدرب، ويتسنى لك أن تكتشف ما الذي يمكن أن تفعله بلغتك، بلغتك». قال: «يمكنك أن تتعلم لغة أجنبية، ولكن الترجمة سبيلك إلى تعلم لغتك الأم».
* * *
وفي حوار مع مرون، سئل:
ـ هل تكتب كل يوم؟ نصحك «إزرا باوند» يوما أن تكتب خمسة وسبعين بيتا في اليوم؟ هل اتبعت نصيحته؟
مرون: لم أكتب قط خمسة وسبعين بيتا في اليوم، ولكنني أحاول منذ سنوات أن أحملق في ورقة بيضاء لبعض الوقت كل يوم. هذا يجعل المرء يبدو أقرب إلى وحش.
ـ كيف هذا؟
مرون: يكون عليك أن تتسم بالقسوة فتزيح من طريقك أي شيء آخر.
3
درس مرون في جامعة برينستن، وكان من أهم من درس على أيديهم فيها، آر بي بلامر وجون بريمن. وبعد تخرجه في عام 1948، واصل دراساته العليا وبدأ أسفاره في أوروبا حيث عمل على ترجمة الشعر، كما عمل مدرسا خصوصيا، فمن بين من درّس لهم ابن الشاعر روبرت جريفز الذي يظهر تأثيره الكبير عليه في كتابه الأول «قناع لجانو»
4
في عام 1952، اختار دبليو إتش أودن مخطوطة «قناع لجانو» للنشر في سلسلة جامعة ييل للشعراء الشبان، وهي من أهم منصات الانطلاق للشعراء الأمريكيين المبتدئين. وتلت ذلك الديوان كتب كثيرة، بين الشعر، والتراجم. لعلها شارفت على الثلاثين أو تجاوزتها. وعن هذه الكتب حصل مرون على كل أشكال التكريم التي يمكن لشاعر أمريكي أن ينالها، فحصل على الجائزة الوطنية للكِتاب، وجائزة لينول مارشال للشعر، وجائزة بولتزر (مرتين، وهذا نادر)، وجائزة بولينجِن، وجائزة روث لِيلي، وزمالة أكاديمية الشعراء الأمريكيين وغيرها.
5
في عام 1976 انتقل مرون إلى هاواي ليدرس البوذية على طريقة الزن. وانتهى إلى الاستقرار هناك، في قرية على جبل يعلوه بركان خامد، وثمة بدأ يستصلح مزرعة الأنناس المحيطة ببيته والتي كانت تعرضت للبوار. وفي تلك المزرعة السابقة استزرع ـ فيما تروي باتريشيا كوهين في نيويرك تايمز ـ أكثر من سبعمائة نبتة كانت مهددة بالانقراض.
يقول مرون: «عشت الكبت في طفولتي. نشأت على ألا أقول لا لأحد مهما كان، وألا أقول إنني لا أحب شيئا مهما يكن، وعلى ألا أرد أبدا. ولكن، ذات يوم، ولعلي كنت في الثالثة، جاء رجلان، وأخذا يقطعان أغصان الشجرة الوحيدة في الفناء، ففقدت أعصابي وخرجت أجري، ورحت أضربهما». 
ويقول:
«أحب المدينة لكنني أحب الريف أيضا، وكنت أدرك وأنا في المدينة أني أفتقد الريف طوال الوقت، وأدرك في الريف أني أفتقد المدينة بعض الوقت. فالذي استقر عليه رأيي الآن أني أعيش طول الوقت في الريف وأذهب إلى المدينة بعض الوقت. ولكنني لا أتخيل أن أعيش في الريف دون أن أكون جزءا منه، دون أن أزرع أشياء، دون أن أفعل شيئا».
الطفل الوحيد
يضعُ الطفلُ الوحيدُ دُماه أمامه.
يقول لكل من يدنو منه «تعال العب معي … انظر إلى الدمى التي عندي».
لكنهم يبتعدون.
فيهشِّم أول دمية.
ثم يأتي الأولاد ليشاهدوا، ويساعدوه، ويتقاتلون على من يهشم دماه.
حين لا يكون لدى طفل وحيد دمى، فإنه يخلقها.
لغة
هناك كلمات محددة نعرفها الآن لكننا لن نستخدمها ثانية، ولن ننساها أبدا. نحن نحتاج إليها. احتياجنا إلى ظهر الصورة. إلى نخاعنا، إلى لون أوردتنا. نسلط عليها قنديل نومنا، لنتيقن، وإذا بها موجودة، ترتجف من الآن خشية يوم الشهادة. سوف تدخل معنا القبور، ومع الجميع تقوم.
بداية متواضعة
عندما تعلم كيف يقتل أخاه بصخرة، تعلم أيضا كيف يبدأ من صخرة دَرَجًا. وشكر للصخرة هذا وذاك.
تمعن في الصخرة. كانت هنالك طول الوقت، تحفظ سر كل ما قامت به. لم تشر قط، ولو من بعيد، إلى أي شيء فعلتْه. وكانت، أيضا، تحفظ كل الأسرار الأخرى. خر أمامها على ركبيته، مسها بجبهته، بعينيه، بأنفه، بشفتيه، بلسانه، بأذنيه.
رأى أن الصخرة هي التي خلقته. رأى ذلك.
حذاء دِتشاو1
ابن عمي جين (وهوابن عم بعيد) عنده حذاء أخذه من دتشاو. هو حذاء بال تماما. أوضح أنه لم يكن من الأصل حذاء قيما. في نعله شقوق واضحة بالعرض، وجلده مقطوع من الجنبين، وفيه شق من أعلى عند موضع نهاية الإبهام. وهو بلا رباط ولا كعب.
أوضح أنه لم يسرقه لأنه كان على الأرجح حذاء يهودي مات. أوضح أنه كان يريد شيئا بسيطا. أوضح أن الروس نهبوا كل شيء. كانوا يأخذون بالفعل أي شيء. أوضح أنه من الأساس لم يكن حذاء قيما. أوضح أن الحرس أو الكابوز(2) كانوا سيأخذونه لو كان فيه الرمق. أوضح أنه كان محظوظا أن نال أي شيء. أوضح أن ذلك لم يكن خطأ وقد انهزم الألمان. أوضح أن الجميع كانوا يأخذون أي شيء. كثير من الناس كانوا يريدون الرايات والخناجر والأوسمة وما شابهها، ولكن هذا النوع من الأشياء لم يكن يجذبه. أوضح أنه لفترة وضعه بين التحف فوق المدفأة لكنه أوضح أنه لم يكن تذكارا.
أوضح أنه لا جدوى من الرغبة في الانتقام. أوضح أنه لم يشعر بتلك الرغبة. لا يوجد أحد كامل. كان لنا في واقع الأمر جد ألماني. ولكنه أوضح أن هذا ما جعله يخوض تلك الحرب. ما حدث في دتشاو كان جريمة لا ينبغي أن تمر هكذا. لكنه أوضح أننا لم نكن نقدر في واقع الأمر أن نفعل أي شيء لإيقافها بينما الحرب قائمة فقد كان علينا أن ننتصر في الحرب أولا. أوضح أننا لم نكن نقدر دائما أن نفعل ما كنا نود لو نفعله. أوضح أن الروس قتلوا بدورهم كثيرا جدا من اليهود. وبعد سنوات وضع الحذاء في درج. أوضح أن الغبار كان يتجمع فيه.
والآن يضعه في علبة داخل القبو. يوضح أن التدفئة المركزية تزيد من تشققاته. ومع ذلك فسوف يريه لكم وقتما تشاءون. يوضح كيف أنها كانت تمطر، وأنه لم يكن قد بقي شيء حينما وصل هناك. يوضح كيف هو شكله. يوضح أن أخذه كانا مسألة صعبة، حتى عليه. يوضح كيف أنه لم يكن ثمة شيء ذو قيمة، وأن المرء ما كان يريد أن يضبط متلبسا بأخذ شيء من تلك الأشياء، إذا كان قد بقي شيء أصلا. يوضح كيف أن كل شيء بالداخل كان يفوح برائحة. يوضح كيف أنه كان ثمة ملقى في الوحل، ربما في نفس الموضع الذي أفلت فيه. يوضح أنه كان عليه أن يحتفظ به. بشيء مذل هذا.
عليك فعلا أن تذهب لتراه. سيريه لك. كل ما عليك هو أن تطلب. لا أقول إنكم ستجدونه حذاء مثيرا للغاية حينما تنزلون على الفور كي تروه، ولكنكم سوف تعرفون الكثير من إيضاحاته.
سجاننا
لسجاننا عادة أن يضع مصيدة فئران بطُعمها في غرف المساجين في ليلتهم الأخيرة. سجننا منيع، نادرا ما تدخله الفئران، وقليل منها ما يصل إلى الزنازين المسكونة. والسجان يراقب السجناء.
المدهش أن قليلا منهم، كما يقول السجان، هم الذين لا يعيرون المصيدة أي اهتمام على مدار الليلة بطولها. عدد ضخم تأسره المصيدة فيبقى يحملق فيها، سواء بقي يفكر فيها باستمرار أم لم يبق. وهناك نسبة دوَّنها السجان لمساجين يغلقون المصيدة، سواء فور إدخالها عندهم، أو بعد فترة يتفاوت طولها. عنده إحصائيات أخرى لمن يعمدون إلى تحطيم المصيدة، ولمن يحركونها (إلى موضع أنسب فيما يفترض)، ولمن يضعون على الجدار علامة إن وقع فيها فأر، تسجيلا للأمر، أو توريثا له، بوصفه انتصارا ضئيلا، أو بوصفه كذبة.
شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، يراقبهم. ونحن نراقبه. وكلانا يراقب الآخر.
شكرا
اسمعوا
نقول، والليل يقبل، شكرا 
نتوقف عند الجسور فنطل من أسوارها
نفر من الغرف الزجاجية
وأفواهنا مليئة بالطعام لننظر إلى السماء
ونقول شكرا
نقف بجانب الماء نقول له شكرا
ومبتسمين بجانب الشبابيك ننظر منها
إلى ما تقع عليها العيون
نحن العائدين من متتالية المستشفيات من التمثيليات
من الجنازات نقول شكرا
بعد أخبار الموتى
من نعرف منهم ومن لا نعرف نقول شكرا
على التليفون نقول شكرا
في الممرات وفي مقاعد السيارات الخلفية وفي المصاعد
وإذ نتذكر الحروب وإذ الشرطة على الباب
وإذ الخطى على السلالم نقول شكرا
في البنوك نقول شكرا
في وجوه المسؤولين والأثرياء
والذين لن يتغيروا مهما حدث
نظل نقول شكرا
إذ تموت من حولنا الحيوانات
ومعها مشاعرنا المهدرة نقول شكرا
إذ الغابات تسقط أسرع من دقائق أعمارنا
نقول شكرا
وإذ الكلام ينطلق كأنه خلايا المخ
وإذ المدن تنمو حتى تجور علينا
نقول شكرا
نقولها أسرع فأسرع
بينما لا يسمعها أحد
نقول شكرا ونلوح بأيدينا
برغم العتمة.
عن الشعر
أبانا، أنا لا أفهم هذا العالم.
قرب بركة الطاحونة في آخر البحيرة
رجل متهدل الكتفين
يصغي إلى الساقية وهي تدور في الماء
ولكن 
ليس هناك ساقية يا أبانا كي تدور.
جالس في نهاية مارس 
لكنه جالس أيضا في نهاية الحديقة
ويداه في جيبيه.
ليس إرثا يا أبانا ما يمني به النفس،
وليس أمسا يا أبانا ذلك الذي يصغي إليه.
بل ساقية تدور.
حينما أتكلم
فالعالم ما ينبغي لي أن أذكره.
إنه لا يحرك قدميه
بل وليس يرفع رأسه
لئلا يخدش الصوت الذي يأتيه
كالألم الذي لا يصاحبه أنين.
أرانى، يا أبانا، لا أحب 
دأبَه على التهيؤ قبل الإصغاء للإصغاء.
فليس في ذلك الأمر عدل يا أبانا 
تماما كأن تدور ساقية
وإن لم تكن هناك ساقية.
إنني أكلمك عنه يا أبانا
لأنه هناك 
في آخر الحديقة 
يداه في جيبيه
يصغي لساقية تدور
وليس ثمة ساقية
وهذا هو العالم الذي لا أفهمه.
الحاصد
كان الحصاد انتهى. وحتى المنجل لم يكن منجلي. ولم يكن لي مكانٌ أمضي إليه.
في المساء، صادفت شابة تنام على الأرض مثل حزمة قمح، مشعةً، صامتة. ولما انحنيت عليها، إذا بها تنظر لي، وإذا بها مبتسمة.
حملتها إلى منزل خاو بين الأشجار. كانت بجوار المطبخ غرفةٌ فيها سريرٌ، عليه لحافٌ ملون. وضعتها هناك ووقفت بين مصدرين للنور، والغرفة كانت أكثر سطوعا من النهار بالخارج.
لا حول لها. لا تقدر أن تتكلم. لأعتنين بها.
إنه منزلها. عرفت ذلك من امرأة ظهرتْ، على الفور تقريبا، لدى الباب ونادت عليها، وحاولت أن تخدعني، وتسحرني، وترعبني، وتتخلص مني. عجوزٌ مؤذية. ولما غادرت أخيرا، واختفت، تحت شجيرات بجانب البيت، أرنبٌ من حقول القمح المحشوشة يتظاهر أنه ميتٌ، أنه نصف مسلوخ، أنه بلا جفنين، وهكذا يراقب ما أفعله.
لقد سبق أن راقبني. وما أنا بذاهب.
الآن حيثما أغمض عيني، أرى القمح. 
حياة من الحيوات
لو لم أقابل الصبيَّ أحمرَ الشعرِ الذي انكسرت ساقُ أبيه وهو يقفز بالمظلة في بروفينس لينضم إلى المقاومة والحربُ تلفظ أنفاسها ويموت بينما الألمان يتقدمون من إيطاليا إلى الشمال ولو لم يكن لصاحبه الذي شهد موته أخٌ مات ميتةً مختلفةً في زمان السلمِ تاركا طفلين أحدَهما معتلَّ الصحةِ أقعده المرض سنةً عن المدرسةِ
ولو كنت كتبت شيئا آخر أعلى ورقة الإجابةِ في خانة اختيار الكليةِ أو لو كانت الأسئلة في ذلك اليوم مختلفة قليلا، ولو لم تعلِّم فتاةٌ والدي قيادة السيارات وهو في العشرين فأهلته للوظيفة مع راعي إبرشية بيتسبيرج حيث كانت تعمل أمي، ولو لم تكن أمي فقدت والديها وهي طفلةٌ واضطرت إلى الإقامة مع جدتي في بيتسبيرج لما وجدت نفسي على السرير الحديديِّ مقربا رأسي من مدفأة المنزل الريفي الحجريِّ الذي ظل خاويا منذ ما قبل مولدي ببعض الوقتِ لما كنت قمت بتلك الرحلة الطويلةِ لأستلقي هنا أرتجف من الحمي متدثرا بكل ما في البيتِ، ولما رأيت الطبيب اللزج يرفع إبرته أمام الشباك في نور أكتوبر، ولما أبصرت الظلام من شقوق الشباك يحل على الوادي ونهرِه المنساب وسط الجبال الحمراء ولما كنت صحوت في هذه الساعة على صوت سقوط البرقوقِ متوهما أنني أعرف موضعي من العالم وأنا أسمعه يسقط
أمس
يقول صديقي إنني لم أكن ابنا بارا
أتفهم ذلك؟
وأقول أفهم
يقول لم تكن تذهب
لترى والديك كثيرا أتعرف ذلك
فأقول أعرف
حتى عندما كنت تسكن نفس المدينة
كنت ربما تذهب مرة في الشهر
أو حتى أقل
فأقول عندك حق
يقول وآخر مرة ذهبتَ لترى والدك
فأقول وآخر مرة رأيت فيها والدي
يقول وآخر مرة رأيت فيها والدك
سألك فيها عن حياتك
وكيف تدبر أمورك
وذهب إلى الغرفة المجاورة
ليحضر شيئا يعطيه لك
فأقول فعلا
وأنا أستشعر من جديد
برودة يد أبي في آخر مرة
يقول والتفت أبوك في الممر
فرآك تنظر في ساعتك 
فقال أنت تعرف أني أريدك أن تبقى
وتتكلم معي
فأقول نعم نعم
فقال ولكن إذا كنت مشغولا
فلا أريد أن أشعر 
أنك مضطر بسببي على شيء
فلا أقول شيئا
يقول وقال أبوك إنك ربما مرتبط بعمل مهم 
أو على موعد مع شخص ما ولا أريد أن أعطلك
أطل من الشباك
صديقي أكبر مني
يقول وقد قلت لأبيك إن الأمر كذلك
ونهضتَ وتركته
أتعرف ذلك
برغم أنك 
لم تكن مضطرا للذهاب إلى أي مكان
أو القيام بأي عمل. 
إلى القصة
حتى في هذه اللحظة
أفترض أنك تختبئين هناك
في وضح النهار
كدأبك دوما
مولية فقط أقل قدر من الاهتمام
أو غير مهتمة بالمرة
كأنك ذاتٌ انفصلت
فهي في بلد آخر
وزمان آخر
وحياة أخرى
كأنك أعلمُ من اللحظة
بينما اللحظةُ ثمة، مهملة
بما فيها من حادثات وأحداث
ترسل من على البعد إشارات أنت لا ترينها
بينما هي مارقة أمام ناظريك
ليمتنع عليك فيما بعد أن تتذكري
ذلك المفتاحَ الضائع
الذي به يُشرع الحاضر
وحياتُه غير القابلة للتكرار
ويُقضى عليك من ثم
أن تؤلفيه فيقبله العقل
وتقْدرِين برغم المصاعب
وتنهين ما دوَّنه شخص ما
أو لعلك تتذكرين إن أسعفتك الذاكرة
أو لعلك تبتدعين من نفس العناصر والأنفس المستقاة جميعا
من بلد آخر وزمن آخر وحياة أخرى
حكايةً أخرى
لم تكن قط
حقيقةَ ما يُحكى 
كأنما كان حياة وأنفاسا لم تنتبه لها أنظارنا
وكأنما ليس لها في ذاتها أية قصة. 
في آخر الربيع
داخلا الغرفة العليا بعد سنين
وبعد محيطات وبعد ظلال تلال، وأصوات
خسائرَ وأقدامٍ على السلم
بَعد النظر وبعد الأخطاء والنسيان
والتلفت والظن أنْ لن ألاقي من أعرفُ
وأخيرا رأيتك
جالسة في الأبيض
تنتظرين
أنت التي سمعت عنها 
بأذني هاتين منذ البداية
أنت التي غيرَ مرة
فتحتُ الباب مؤمنا
أنها غير بعيدة. 
نشأة القمر(3)
نحر الرجل نفسه فاصلا رأسه
فمض البقية يحضرونه.
وحين وصلوا إليه وضعوا الرأس في جوال.
بعدئذ سقط الرأس على الأرض.
فأعادوا الرأس من جديد إلى الجوال.
بعدئذ سقط الرأس على الأرض من جديد.
وضعوا الجوال الأول في جوال ثان
كان أكثر سمكا.
ولكن الرأس سقط كما سقط من قبل.
ربما السبب في ذلك أنهم كانوا يأخذون الرأس
ليعرضوها على الآخرين.
لم يعيدوا الرأس من جديد إلى الجوال.
تركوه في عرض الطريق.
ومضوا بعيدا.
عبروا النهر.
ولكن الرأس تبعهم.
تسلقوا شجرة عامرة بالثمار
ليروا إن كان سيمضي في طريقه.
لكن الرأس توقف أسفل الشجرة
وطلب منهم ثمرة.
فهز الرجال الشجرة.
ثم طلب منهم المزيد.
فهز الرجال الشجرة
حتى تساقطت الثمار في النهر
قال الرأس إنه لا يستطيع أن يحضر الثمار من هناك.
فألقى الرجال الثمرة بعيدا
ليجعلوا الرأس يبتعد ليحضرها فيمكنهم الذهاب.
وبينما الرأس كان يحضر الثمرة
نزل الرجال عن الشجرة وواصلوا السير.
عاد الرجل ونظر إلى الشجرة
ولم ير أحدا
فمضى يتدحرج على الطريق.
توقف الرجال لكي ينتظروا
لكي يروا إن كان الرأس سيتبعهم.
رأوا الرأس قادما يتدحرج.
فجروا.
بلغوا كوخهم وأبلغوا الآخرين أن الرأس 
يتدحرج خلفهم وأن يغلقوا الباب.
أغلقت أبواب الأكواخ جميعا جيدا.
فحين وصل هنالك، أمرهم الرأس أن يفتحوا الأبواب.
فلم يفتح أصحاب الأكواخ لأنهم كانوا خائفين.
فبدأ الرأس يفكر إلى أي شيء يتحول.
لو تحول إلى أرض فسوف يسيرون عليه.
لو تحول إلى بيت فسوف يعيشون فيه.
لو تحول إلى عِجل فسوف يقتلونه ويأكلونه.
لو تحول إلى بقرة فسوف يحلبونه.
لو تحول إلى فولة فسوف يطبخونه.
لو تحول إلى شمس 
فحين يشعر الرجال بالبرد سوف تدفئهم.
لو تحول إلى مطر فسوف ينمو به العشب
وتأكله الحيوانات.
ففكر وقال «سأتحول إلى قمر»
وصاح «افتحوا الأبواب، أريد أن آخذ أغراضي»
فلم يفتحوها.
بكى الرأس. وصاح «أعطوني على الأقل
بكرتي الخيط»
فألقوا إليه بكرتيه من فتحة.
فأخذهما وألقى بهما إلى السماء.
طلب منهم أيضا أن يلقوا إليه بعود صغير
لكي يلف الخيط حوله فيمكنه التسلق.
ثم قال «بوسعي أن أتسلق، أنا ذاهب إلى السماء».
وبدأ يتسلق.
فتح الرجال من فورهم الأبواب.
والرأس مضى يتسلق.
صاح الرجال «أذاهب أنت إلى السماء أيها الرأس؟»
فلم يجب.
وما أن حاذى الشمس
حتى تحول إلى القمر.
وما أن أقبل الليل حتى كان القمر أبيض، وكان جميلا.
واندهش الرجال
إذ رأوا الرأس وقد تحول إلى قمر.
الغريب(4)
يحكى أنه في الغابة 
في يوم من الأيام
كان هناك شخصٌ
لم يعش من قبل في غابة
كان كالقرَدة
لكنه أطول
وبدون ذيل
وبدون شعر كثيف.
كان منتصب القامة
يمشي على اثنتين فقط
وفيما هو يمشي
سمع من يقول: أغثني
حواليه نظر الغريب
فرأى ثعبانا
ثعبانا هائلا 
من حوله حلقة نار
تتراقص ألسنتها
والثعبان يحاول الخروج
فحيثما ولى وجهه
كانت النار
أتى الغريب على شجرة غضة
فأمال جذعها
وأدلى منها غصنا فوق النار
فلف الثعبان على الغصن نفسه
وبذلك رفعه الغريب
من وسط النار
ولما رأى الثعبان أنه حر
لف على الغريب نفسه
وراح يمتص منه روح الحياة
حينذاك صاح الغريب
لا لا
إنما أنا الذي أنقذ الآن حياتك
فقال له الثعبان
وإنما أنا الآن أعمل بالقانون
قانون أن من يفعل الخير
لا يجز إلا الشر
وشد نفسه على الغريب شدا
ولكن الغريب ظل يقول
لا لا
لا يمكن أن يكون هذا هو القانون
فقال له الثعبان
سوف أريك
وسوف أريك بدلا من المرة ثلاث مرات
وأبقى جسمه ملتفا على عنق الغريب
وعلى ذراعيه
وعلى جذعه
ولكنه أطلق ساقيه وحدهما وقال له 
الآن سر
وسارا معا
حتى أتيا على نهر فقال لهما
إنني أفعل الخير للجميع
فانظرا ما الذي هم بي فاعلون
أنا الذي ينقذهم من الموت ظمأ
فإذا هم يعكرون مياهي
ويلقون إليَّ جيفهم.
قال الثعبان هذه واحدة
قال الغريب فلنكمل
فسارا حتى إذا أتيا على شجرة
وجدا فيها جراحا كثيرة تنز منها العصارة
وإذا هي تتألم وتقول
إنني أفعل الخير للجميع
فانظرا ما الذي هم بي فاعلون
إنني أمنحهم ثمري
وظلي
وهم يجرحونني ويشربون دمي
حتى أموت
قال الثعبان الثانية
قال الغريب فلنكمل
وسارا حتى إذا أتيا على موضع 
سمعا منه صوت نشيج
وإذا كلب غامس إحدى سيقانه في سلة
قال لهما الكلب
إنني أفعل الخير للجميع
فانظرا عاقبتي
وما كان من أمري
مع فهد رأيته 
ذات يوم جريحا
فتعهدته بالرعاية
فلما استرد عافيته
انقلب عليَّ يريد التهامي
غير أنني أفلت منه
فما نهش مني غير هذه الساق
ثم إني أتيت إلى هذا الغار
فاختبأت
وفي هذه السلة العميقة 
وضعت قرعة حليب
عساها تشفي جرحي
غير أن الحليب تناقص
وهو الآن عني بعيد
فهلا ساعدتني على 
بلوغه أيها الثعبان
وكان أحب شيء 
إلى الثعبان
الحليب
فأفلت الغريب
وانسل داخلا السلة
فما كاد يدخل فيها
حتى أمسك الكلب 
عليه نيوبه
وراح يطيح به 
في شجرة
المرة تلو المرة
حتى هلك
وبعدما هلك الثعبان
قال الكلب لـ الصديق
ها أنا أنقذت حياتك
فعاد الغريب إلى بيته 
يصحبه الكلب
وعامله
مثلما ينبغي لغريب
أن يعامل كلبا.
المصادر:
[ مقابلة مصورة مع دبليو إس مرون ـ موقع أكاديمية الشعراء الأمريكيين .
[ حوار نشر في باب «فن الشعر» بمجلة ذي باريس ريفيو الأمريكية سنة 1987.
[ أنطولوجيا «أعظم قصائد النثر الأمريكية من إدجار آلن بو إلى اليوم» تحرير ديفيد ليمن.
[ صفحة الشاعر على موقع مؤسسة الشعر الأمريكية.
[ كتاب ميشيل دلفيل «قصيدة النثر وحدود النوع».
1 – على مقربة من بلدة دتشاو القروسطية، والتي تقع إلى الشمال من ميونخ بولاية بفاريا، أقام النازي أول معسكرات الاعتقال. نقلا عن ويكبديا
2 – الكابوز kapos سجناء كانوا يعملون في معسكرات الاعتقال النازية أثناء الحرب العالمية الثانية في وظائف معينة متواضعة إداريا. وكان يشار إليهم بالألمانية بكلمة Funktionshoftling أو «العمالة الحبيسة»، ولكن النازيين كانوا يشيرون إليهم عادة بكلمة كابو للمفرد، وكابوز للجمع.
3 – يرد هذا النص ضمن كتاب مرون الصادر عام 1968 بعنوان مختارات مترجمة، وهو منشور في صفحة الشاعر على أكاديمية الشعراء الأمريكيين أيضا. لا نعرف على وجه اليقين عن أي لغة ترجم الشاعر هذا النص، كل ما نعرفه أن النص مجهول المؤلف مما يوحي أنه نص شعبي وهو ما يتأكد من النص نفسه الذي أحسبه ينتمي إلى أساطير سكان أمريكا الأصليين المعروفين بالهنود الحمر.
4- كتب دبليو إس مرون عن قصيدة «الغريب» يقول إنه عثر على ملخص نثري لهذه الخرافة فـ «حاولت أن أقولها كما يمكن لجواراني guarani أن يقولها» والجواراني هنود الغابات المطيرة في وسط أمريكا اللاتينية حيث تلتقي البرازيل وبوليفيا وباراجواي.
____________
* مجلة( نزوى)

شاهد أيضاً

القيسي يصدر كتابه البحثي الأول عن “ابن عربي”

مراجعة جريئة تكشف تناقضات “الشيخ الأكبر” وانتقاصه من مقام النبي    بعد عشرة كتب في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *