الرئيسية / مقالات / الكلمة وحبّة الحنطة

الكلمة وحبّة الحنطة


* ساجدة الموسوي

عوّدتنا أمّي منذ نعومة أظفارنا أن نرفع عن الأرض أية كسرة خبز نراها في طريقنا ونضعها في أي مكان لا تطاله أقدام المارة، وحين سألناها ذات مرة عن السبب قالت: اجلسوا، فجلسنا قريباً منها على موقد النار في عز الشتاء، إذ تحلو الحكايات ويحلو السّمر، بدأت تحكي لنا كعادتها قصّة المساء وهذه المرّة كانت عن (حبّة الحنطة)، قالت لهذه الحبّة قصة لا تعرفونها، فقد اشتراها الفلاح من السوق، حرث الأرض وأودع فيها الحبة بكل حرص وعناية، ثم سقاها وانتظر أشهراً لكي تنمو وتكبر حتى أصبحت سنبلة، اطلعت مئة حبّة، وانتظر الحبوب حتى تجف، وحين جفّت أجرى عليها عملية أخرى ففصل الحبوب عن التبن، ثم ذهب للسوق فباع الحبوب، والتاجر الذي اشتراها أخذها للطحان فطحنها ثم باعها طحيناً، واشتراها الخبّاز، فأضاف الماء والخميرة وعجنها ثم خبزها، صارت رغيفاً جميلاً يشبه وجه القمر، اشتريناها وأكلناها، وبالصدفة وقعت كسرة منها على الأرض فداسها (أحمد) أخذت هذه الكسرة تبكي وتشهق تحت قدمه وتقول، بعد كل هذه الرحلة المضنية للأرض والماء والفلاح والتاجر والخباز أداس بالقدم؟

تأثرنا جداً لحكايتها وفهمنا وصيتها وحفظناها .
قصّة حبّة الحنطة هذه ذكرتني بالكلمة المطبوعة في جريدة أو مجلة أو كتاب، كثير من الناس يتعاملون معها على أنها من هبات الطبيعة التي يحصلون عليها بثمن زهيد، هل يعلم معظم القرّاء حجم الجهود التي تبذل في الرحلة الطويلة للكلمة لتتحول إلى جريدة أو مجلة أو كتاب؟
لا أظن أحداً (غير المعنيين بصناعة المطبوع) يعلم بالرحلة الطويلة والمضنية لهذه الكلمة الطيبة التي وصفها تعالى بقوله (مَثَلُ كَلِمةٍ طيبةٍ كَشَجَرَةٍ طَيبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها في السماء . .) كل الذي يعرفونه هو اسم الكتاب أو الجريدة أو المجلة، وربما الأسماء التي تظهر عليها، وقد لا يعلمون أن المئات وربما الآلاف من الجنود المجهولين يشاركون في صنعها .
تبدأ الكلمة مخاضها من قلب وعقل وروح الكاتب الذي يصوغها، تأخذ من روحه ووقته وجهده الشيء الكثير، وقد يعاني ويصاب بالأرق، وقد يرحل من مكان إلى آخر، وقد يسهر قارئاً ومطالعاً كي يستنير أكثر، وما أن تلد الكلمة وتريحه من مخاضها الصعب حتى يحيلها إلى (جهة النشر) وعند هذه الجهة خبراء يمحصونها وقد يرضون أو لا يرضون عنها، في حالة الموافقات التسلسلية تُحال إلى المخرج الفني الذي يصمم لها شكلها الطباعي وهو كفنان سيعطيها من قلبه وروحه وفنّه الشيء الكثير وقد يحيلها للخطاط ليخط العناوين، ثم تحال إلى المصوّر وبعد انتهاء مرحلة التحضير الفني هذه تبدأ مرحلة الطباعة (والطباعة أنواع) وهذه المرحلة، هي مرحلة (صناعية)، بمعنى الكلمة، تدخل فيها المواد الأولية كالورق والأحبار والأصماغ وغيرها وقد تكون هذه المواد محلية أو مستوردة، ولا صناعة في عالم الطباعة بلا مكائن ومهندسين وحرفيين وعمال يقومون بتنفيذ المطبوع، ويقضي المطبوع في المطبعة وقتاً ليس بالقليل ينتابه التعب والسهر والجهد المضمخ بالعرق والجري السريع لكي يخرج المطبوع في الصورة التي يريدها الخبراء والمصممون الفنيون، ما أن ينجز المطبوع حتى تتولى جهات أخرى توزيعه ليصير في أيدي القراء، أو ينام في المخازن ينتظر المناسبة التي تخرجه من سباته .
ترى كيف نجعل من المطبوع خبزاً يأكله الجميع، كيف نخطط لإفراغ المخازن من المطبوعات من دون أن ننتظر المعارض السنوية، لم لا نصنع أكشاكاً للكتب والصحف والمجلات في الجامعات والمدارس وبالقرب من الدوائر المهمة التي يرتادها المراجعون بكثرة؟ لم لا توجد أكشاك لبيع هذه المطبوعات في (المولات) والأسواق الكبيرة؟ لم لا نخصص سوقاً دائمة لبيع هذه المطبوعات ولوحات الفنانين وتكون قبلة للسياح من كل مكان، لقد كان شارع المتنبي المتخصص ببيع الكتب في بغداد عبارة عن دكاكين لبيع الكتب، ومع مرور الزمن تحوّل إلى معلم خالد من معالم العاصمة بغداد .
هذه مجرد أفكار لكي يكون للكتاب والصحيفة والمجلة في حياتنا الاجتماعية حضور يوازي ما يصرف من جهود وأموال لإنتاجها وصناعتها وتيسيرها بأقل ما يمكن من تكلفة، الكلمة كحبّة الحنطة نعمة مباركة تستحق منا كل التقدير والشكر .
________
* شاعرة من العراق (الخليج)

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *