الرئيسية / مقالات / رائحة الحقيقة

رائحة الحقيقة


*عبد السلام بنعبد العالي

«وعرفت بمعنى: أصبت عرفه أي رائحته»/ الراغب الأصفهاني، معجم مفردات القرآن



«كفى! كفى! لم أعد أتحمل. قليلاً من الهواء! قليلاً من الهواء! فمختبر الأدوية، هذا الذي يُصنع فيه المثل الأعلى، يبدو أن رائحة الكذب التي تفوح منه أصبحت تزكم الأنف»./ نيتشه، جنيالوجيا الأخلاق
_________
تعْلَق بذهني ذكرى الفقيه الدّكالي، ذلك المحدّث الذي كان يعطي دروسه الدينية عصرَ كل يوم بالمسجد الأعظم بمدينة سلا المغربية، حيث كان يسأل مستمعيه من حين لآخر باللغة الدارجة ما معناه: «هل شممتم ما أعنيه؟». هذا الاستخدام لحاسة الشمّ أداةً لإدراك المعاني وتمييز الحقائق ربما ليس بالأمر المتداول. فقد تعودنا أن يكون للحقيقة لون، بل صوت وطعم، فكنا نسلّم بأن المعاني يُنظر فيها وإليها، وأن الحقائق يُسمع صوتها، ويُصغَى إلى «ندائها»، بل إنها كانت «تُلمس»، وتكون محلّ ذوق، إلا أننا لم نكن نسمع أن لها رائحة.
ربما لم تكن اللغة العربية ذاتها تسمح لنا بأن نسَلِّم -اللهم- إلا بوظيفة معنوية لحاسّة الشمّ الوظيفة الأخلاقية وربما حتى الدينية. الأنف في عرف العرب ليس أداة تمييز، بل محلّ العزة والكبرياء. نجد في كثير من المراجع العربية هذا الربط الذي يضعه الجاحظ في كتاب الحيوان بين الأنْف والأنَفَة حيث يقول: «والأنف هو النّخوة وموضع التجبّر». يتقدم الأنف باقي أطراف الجسد تقدماً بالوضع، ولكن أيضاً تقدماً بالشرف. يقول الحطيئة في مدح بني «أنف الناقة»:
قوم همُ الأنف والأذناب غيرهم
فمن يسوّي بأنف الناقة الذّنَبا؟ 
وفي فتوحات ابن عربي: «تقول العرب في دعائها: أرغم الله أنفك… والرغام التراب، أي حطّك الله من كبريائك وعزّك إلى مقام الذلّة والصَّغار». بل إن الأنف أداة تطهير، ليس بالمعنى الجسدي وحده، بل الروحي أيضاً. نقرأ في الفتوحات: «ولا تزول الكبرياء من الباطن إلا باستعمال أحكام العبودية والذلة والافتقار، ولهذا شرع الاستنثار في الاستنشاق فقيل له: اجعل في أنفك ماء، ثم استنثر. والماء هنا علمك بعبوديتك إذا استعملته في محلّ كبريائك خرج الكبرياء من محلِّه وهو الاستنثار.».
لا تبتعد بعض اللغات الأوروبية عن هذا التوظيف الأخلاقي لحاسّة الشم حيث نلفي كثيراً من المقولات الأخلاقية والاجتماعية مرتبطة بهاته الحاسّة، وخصوصاً تلك التي تدلّ على العلاقة بالآخر، إلى حدّ أن بعض علماء الاجتماع، مثل سِمّيل على سبيل المثال، يرون أن المسألة الاجتماعية ليست فحسب مسألة إيتيكا، بل هي «قضية أنف». فالأنف يسهم في ضبط العلائق الاجتماعية، إنه حاسة الأبعاد والمسافات، فقد نستعمله «مع احترام المسافة»، إلا أننا قد «نحشره» في ما لا يعنينا، فنحرق المسافات، ونفسد العلائق. هذا فضلاً على أن الروائح ذاتها قد تساهم في تزكية الفروق الطبقية إن لم نقل إنها تخلقها، إذ غالباً ما تتحول إلى «حجة طبقية»، فتُقرَن بالمرتبة الاجتماعية والوضع الطبقي، وترتبط في الأنوف بسلوكات بعينها. وهكذا، ففي اللغة الفرنسية على سبيل المثال، أقول عمن لا أطيق عشرته، إنني لا يمكنني أن «أشم رائحته» LE SENTIR. لا يمكنني أن أقترب منه كي «أدركه عن طريق أنفي». 
تدل الرائحة إذاً على انتماء، ومن لا «يتوافر» عليها قد يظل نكرة مجهول الهوية. ذلك ما كان غرونوي، بطل رواية «العطر» لباتريك زوسكيد، يعاني منه لأنه كان بلا رائحة مميزة، فلم يستطع أيّ إنسان أن يقرب منه، ولم يأبه به أحد. ومع ذلك فهو لم يكن يحيا إلا عن طريق الشمّ، فلا يدرك العالم من حوله على أنه خير وشر، بل على أنه روائح دقيقة الفروق، كان «يرى بأنفه» في عتمة الليل، ويميّز بين أشياء لم يكن باستطاعة الآخرين التمييز بينها عن طريق البصر، ولا في إمكان اللغة المجرَّدة أن تنقل الفروق بينها إلى الآخرين. ورغم أنه حصل على العطر بقتل أجمل العذراوات، فامتلك بذلك قوة التأثير المطلقة التي ستمكِّنه من أن يغدو إلهاً بين البشر، إلا أنه لن يتمكَّن من الحصول على رائحة خاصة تميّزه، وتزرع في قلبه محبة الآخرين والاقتراب منهم.
بإمكاننا، والحالة هذه، أن نفهم استعمال العطور، إضافة إلى معانيه الأسطورية والأنثربولوجية، على أنه نوع من التمويه، إنه «أيديولوجيا أنفية» تقلب الروائح، على غرار أيديولوجيا ماركس التي تقلب الصور على شبكية العين، فتلوّن العلائق، وتقرّب المسافات، وتوحّد الروائح. ليس من باب الغرابة إذاً أن تزدهر صناعة العطور في «مجتمع الفرجة»، وأن يَعُمّ تعطير الفضاءات العمومية تطهيراً للأجواء، وتغليفاً للفوارق، وخلقاً لجوّ يسوده الوئام والتآزر و«الرائحة الموحَّدة». وهكذا فقد تُصلح حاسّة الشمّ ما تُفسده قوى الإنتاج، فتسهِّل ظروفَ العيش المشترك في مجتمعات تنخرها الفروق، وتفسدها «الروائح الكريهة».
غير أن حاسّة الشمّ لا تقتصر على هذه الوظيفة وحدها. لإدراك الحقيقة ينبغي للذهن أن يبين عما تدعوه اللغة الفرنسية SAGACITÉ أي ما تنقله اللغة العربية بلفظ الفطنة. اللفظ الفرنسي مستمدّ من اللاتيني SAGAX الذي يدل على «حادّ الشم». الفطنة والذكاء إذاً مهارة في استخدام حاسّة الشمّ، واللبيب هو من يحسن استعمال أنفه.
لا يقتصر الأنف إذاً على المعاني الأخلاقية والاجتماعية، بل يساعد الفكر على تخطّي بعض نواقصه. في هذا الإطار يشير مؤرِّخو الأدب الأوروبي إلى اعتماد بعض كبار الأدباء، أمثال بودلير وبالزاك وبروست، حاسّة الشمّ التي يعتبرونها حاسّة التذكُّر بامتياز.
وعلى رغم ذلك، فربما كان ينبغي انتظار نهاية القرن التاسع عشر لكي نعثر على اعتراف حقيقي بقدرة الأنف على تمييز الحقائق، وإقرار بأن للمعاني روائحها.
هذا بالضبط ما نلفيه عند نيتشه الذي كان يردِّد: «عبقريتي تكمن في مناخيري». يعترف المفكر الألماني للأنف بالقدرة التي كان ديكارت يخصّ بها ما يدعوه «عقلاً سليماً»، وأعني القدرة على التمييز DISTINCTION. يقول نيتشه: «إن الأنف الذي لم يتكلم عنه أيّ من الفلاسفة باحترام واعتراف، هو أكثر الأدوات التي في خدمتنا رهافة. فهاته الآلة قادرة على تسجيل الفروق الطفيفة التي تعجز حتى آلة المطياف عن تسجيلها».
غير أن الفيلسوف الألماني لا يقصر التمييز على إدراك المعاني والأفكار الواضحة، بل يوسّعه ليشمل مختلف القيم. الأنف عند نيتشه أداة تمييز وإدراك للفروق، الفرق بين الصواب والخطأ، ولكن أيضاً الفرق بين الصدق والكذب. بل إن الأنف أساساً أداة شمّ رائحة الزيف والبهتان FLAIRER LE MENSONGE. إنه أداة نقد اجتماعية، وهو ما به نؤسِّس أحكامنا التي تمكّننا من خلق قيم جديدة. للحقيقة إذاً، كما للزيف، روائح عند صاحب «هكذا تكلم زرادشترا»، لذا نجده دائماً يربطها بالقمم والأعالي «حيث يعمّ الصقيع وينتشر الهواء النقي».
__________
* كاتب من المغرب 
مجلة (الدوحة)

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *