الرئيسية / إضاءات / يوسف إدريس .. ناي الفقراء

يوسف إدريس .. ناي الفقراء


*حازم خالد

يوسف إدريس، واحد ممن أثروا المكتبة العربية بالعديد من الابداعات الفذة ، وكان لقصصه ورواياته ومسرحياته ومقالاته العديد من الأثر في نفوس القراء، حيث كان ينتظر العامة كتاباته، لقد مضى 22 عامًا على رحيله، لكن شخصيات قصصه تحكي عنه، وتؤكد أن يوسف إدريس خالد عبر الزمن، حتى إن البعض أكد أنه ناي الفقراء، الذي فتح باب روحه للفلاحين والفقراء ليدخلوا فيه يجلسون ويأكلون ويشربون ويملون ما يشعرون به لقلمه. 

كان طويل القامة بصدر عريض مندفع للأمام، ووجه صريح، ونافورة حماس تعلو بأفكار لامعة متدفقة، سريع التوهج والاحتراق، له ضحكة آسرة، كأنه فلاح يخجل من ضحكه فتشعر بأن وراء ذلك الجبل الإنساني طفلًا صغيرًا بحاجة إلى الطمأنينة. يعرف المثقفون والقراء الآن – أكثر من أي وقت مضى – قيمة ذلك الكاتب العملاق، وفداحة الخسارة التي أصابت الابداع العربي برحيله. ويذكرنا رحيل يوسف إدريس بما قاله أنطون تشيخوف ذات مرة من أن الموت يواري نصف الفنان فقط، أما نصفه الآخر فيظل حيًا في إبداعه الذي تركه لنا. 
نشأته
ولد يوسف إدريس في 19 مايو 1927 بقرية “البيروم” في الشرقية، وتفتح وعيه على الملاحم الشعبية وحكايات أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة، وكانت سلسلة “روايات الجيب” حلقة ثانية من ثقافته خلال سنوات المدرسة. ويحكي “إدريس” عن نفسه أنه كان يقرأ تلك الروايات على ظهر حمار أثناء عودته من المدرسة إلى القرية، حتى إنه انهمك ذات يوم في القراءة إلى درجة أن قريته مرت دون أن يلحظها. وعام 1945 التحق وهو في الثامنة عشرة بكلية الطب، لكن صلته لم تنقطع لا بقريته ولا بالفلاحين. وفي القاهرة أخذ يضطلع على الأدب العالمي في ترجماته المتاحة، وينهل من الأدب العربي الكلاسيكي. وبعد أن أنهى كلية الطب عمل في مستشفى قصر العيني، وعرف وهو داخل غرفة العمليات بقيام ثورة يوليو 1952. 
تأثر بكتاب القصة العظام أمثال :موباسان”، وبظهور مجموعته القصصية الأولى “أرخص ليالي” في أغسطس 1954 ذاع اسمه بسرعة البرق. وكان السر في ذلك أن القصص التي ضمتها تلك المجموعة لم تكن فقط مكتملة النضج من الناحية الفنية، بل وأتت فتحًا جديدًا في الأدب المصري والعربي، بلغ بالمدرسة الواقعية آفاقًا لم تبلغها من قبل، برؤية جديدة مغايرة للعالم والإنسان. 
ومع أن شخصية الفلاح المصري كانت قد لاحت منذ بدايات السرد الروائي، ثم برزت في رواية “الأرض” لعبد الرحمن الشرقاوي ، لكن ذلك الفلاح ـ مع ظهور شخصية “عبد الكريم” في أرخص ليالي ـ دخل الأدب بقوة على يدي يوسف إدريس كشخصية فنية واقعية بعيدة كل البعد عن الطابع المثالي الذي أسبغه عليها الكتاب من قبل، وبعيدة عن النمطية. 
في السنوات اللاحقة لثورة يوليو، كان إدريس يكتب بسرعة وتدفق ، وكانت الأفكار والموضوعات تلاحقه بإلهام لا ينقطع، وكان الكثير من تلك الموضوعات مستمدًا من علاقته التي لم تنقطع بالقرية، ومن تجربته كطبيب في القصر العيني، وتجربته داخل الجامعة، وقدرته الثاقبة على ملاحظة الفقراء في “قاع المدينة”، وأيضًا من تجربة اعتقاله ما بين 1945 ـ 1955، وكانت الخمسينات هي فترة الآمال التي قالت عنها الروائية لطيفة الزيات: “كنا نحس حينذاك إننا قادرون على تغيير العالم بأسره”، وكانت الواقعية النقدية توطد مواقعها في الأدب المصري مدعومة بفكرة أن الأدب والفن قادران على تغيير الحياة والمجتمع، وأن للأديب دور مؤثر في خلق حياة جديدة. وفي سنوات قلائل نجح يوسف إدريس في بناء صرح قصة قصيرة مصرية وعربية، بالرغم من أن حجر الأساس في القصة القصيرة قد تم وضعه في عشرينيات القرن الماضي، على يدي الأخوين عيسى وشحاته عبيد، ويحيى حقي، وطاهر لاشين ثم محمد تيمور، الذي دشن اكتمال ذلك الشكل الأدبي بقصته “في القطار” عام 1917، لكن ولادة القصة القصيرة لم تكن تعني بالضرورة نموها ونضجها كمًّا وكيفًا، حتى ظهر يوسف إدريس الذي قدم في عالمه القصصي بانوراما ضخمة ومذهلة لفئات المجتمع المصري: الطالب والموظف والفلاح والعامل والمثقف والمقاتل والطبيب والمهندس وفقراء الريف والمدن من النساء والرجال. فقد اعتادت القصة القصيرة المصرية منذ مولدها أن تتناول مأساة الواقع التي تخلق المآسي البشرية الصغيرة، وغير طبيعة السؤال المطروح في مجموعاته “أرخص ليالي”، و”حادثة شرف”، و”أليس كذلك”. 
أهم مسرحياته
كتب “إدريس” عن الواقع الاجتماعي الذي يفور بآمال الثورة، فظهرت مسرحياته القصيرة البديعة “ملك القطن”، و”جمهورية فرحات”، و”اللحظة الحرجة”، لكن شعوره الباطني باختمار مقدمات نكسة 1967 “الشعور ذاته الذي استولى على صلاح عبد الصبور”، دفعه للشك في كل شيء، وللتساؤل عما إن كان من الممكن: “تنظيم العلاقة بين الإنسان والدولة، بحيث لا يقوم المجتمع بقهر الفرد من ناحية، وبحيث لا يعيش الفرد عالة على الدولة من ناحية أخرى؟”، وبعبارة أخرى كان إدريس يتساءل: هل يمكن حقًا الجمع بين الخبز والحرية ولو في يوم بعيد؟ وسرعان ما أجابت أعمال إدريس عن السؤال، وأعربت عن إحباط الكاتب المبدع ، وإذ تنتهي مسرحية “الفرافير” 1964، بوضوح إلى أن خلف كل قيصر قيصر جديد، وفوق كل سيد سيد آخر، وأن الاستبداد يمضي في دورة أبدية مغلقة من دون مخرج أو أمل. وتأكدت تلك الرؤية في “المهزلة الأرضية” “1966، و”المخططين” 1969 التي سخرت من فكرة المساواة بين المشروع كحلم قابل للتحقيق، ومع ذلك كان إدريس يعطي بقوة ولا يبخل بجهده على الكتاب الشباب. 
لكن مع مرور الأيام بدأ التعب يحل بالكاتب الكبير شيئًا فشيئًا، وفي حوار أدلى به إدريس لمجلة “روزا اليوسف” عام 1967، اعترف بأنه أصبح يعد نفسه فترة طويلة لكي يدخل إلى حالة الكتابة، إما بالاستماع للموسيقى أو مطالعة كتاب، راح يدخن دون توقف ويشرب عددًا لا يحصى من فناجين القهوة.. وفي السنوات اللاحقة تضاعفت هموم الكاتب الكبير، وأرقه المرض، وتضاءلت قدرته السحرية على الكتابة بسهولة وتدفق، وبالرغم من ذلك توالى صدور أعماله مثل: مجموعة “بيت من لحم”، و”مسحوق الهمس”، وغيرها في محاولة لاكتشاف وسائل تعبيرية جديدة. وعلى مدى سنوات إبداعه كلها، لم يكف” إدريس ” عن اقتحام أهوال المعارك الاجتماعية، ويذكر الجميع حين حدثه البعض عن أهمية تقليص عمله الصحفي لصالح الأدب، فقال: “كيف أكتب ومن حولي ستائر البيت تحترق؟”. 
ولا ينسى أحد مقالاته النارية عن صاحب شركة الريان لتوظيف الأموال التي احتالت بقناع الشعارات الإسلامية على المودعين أموالهم، ولم يكن أمرها قد افتضح بعد. وكانت الشركة قد نشرت إعلانًا على صفحة كاملة في “الأهرام” عبارة عن صورة لصاحب الشركة. وفي مقاله قال إدريس: إنه أمسك بمسطرة وأخذ يقيس ذقن الريان في الصورة، ويحسب كم يتكلف نشرها كإعلان على حساب أموال المودعين، وفيما بعد، انهارت إمبراطورية توظيف الأموال وبقيت معركة الكاتب. وقد ظلت أعماله إلى يومنا هذا فتحًا أدبيًا فكريًا وإنسانيًا، وأن تأثير موهبته لم ينقطع، تلك الموهبة الفذة التي تشربت ألوانها من ينابيع شعبية وديمقراطية عميقة، وفي ذكراه تشعرنا بعمق أن إدريس لم يرحل عنا، لكنه يرحل إلينا، وأنه ينمو، ويكبر كل يوم. وقد وافاته المنية في العام 1991 عن عمر يناهز 64 عام، وما من شيء يمكن تقديمه الآن لذلك الكاتب العملاق أهم من إعادة طبع أعماله كاملة في طبعة شعبية لتصبح في متناول الجميع ليعلموا من هو “يوسف إدريس”. 
_______
* وكالة الصحافة العربية

شاهد أيضاً

القدس ملهمة الشعراء والفنانين

*عواد علي تحتل مدينة القدس منزلة كبيرة في الوجدان العربي، بوصفها روح فلسطين وعاصمتها التاريخية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *