الرئيسية / نصوص / كان يا مكان..

كان يا مكان..


*رشيد أمديون

( ثقافات )

هناك بجانب الطريق، تمتحُ نضارتَها من طبيعة الريف الخلابة. 
في البكور، يمر بجانبها الأول. يتوقف هنيهة، فيلتفت حوله خلسة،. يمد يده، يقطف قطفة، ثم ينصرف… 
يمر الثاني على عجل… لم يتوقف!.. يرسل اليد بشكل معتاد.. قطفتان. 
يكرر الثالث فعل أسلافه. ثم الرابع والخامس… 
غرسها الحاج محمد في بستانه الصغير، قريبا من باب داره. كان مولعا بغرس شجيرات التين في زمن الشباب… تلك أيام مضت قبل أن يثقل كاهله بأعباء الدنيا وهمومها، وقبل أن يشيخ جسده. 
رعاها بعناية قلّ نظيرها، فنمت وبرزت أفنانها. ثمارها إن أينعت، يسيل لها لعاب الناظرين. 
تفرعت أغصانها وامتدت خارج البستان. لتعود قطوفها الدانية، قريبة للرائح والغادي.. تمتد إليها الأيدي قطفا وخطفا… 
يحلو للحاج محمد وقت العصر أن يستظل بظلها، يضطجع على جنبه الأيمن، مفترشا حصيرا منسوجا من الدوم، تآكلت أطرافه. عابثا بزر مذياعه الأثري، أو باحثا عن أغنية من الزمن الجميل. يضبط موجة الإرسال على صوت «عبد الوهاب الدكالي الشجي»، وأغنيته المغردة «كان يا مكان».
أمامه تضع (لالة خذوج) صينية فضية مستديرة استوى عليها براد وكأسان. يتصاعد بخار يفوح بعطر الشاي المنعنع ليداعب أنفه الكبير، مغريا، فيتحول الحاج محمد من وضع الاستلقاء إلى الجلوس. يربع رجليه. يجر إليه الصينية بعناية وهمَّة، ثم يرفع البرَّاد بيمينه مرسلا صبيب الشاي وسط الكأس.. يستمتع بصوت الشرشرة، كأنها تزف نكهة أفضل مشروباته على الإطلاق. تتصاعد رغوة، تتخذ شكل حلقة بيضاء.. فتسري النشوة في جسده، يفتعلها ذوق الشاي حين يمتزج عطره بصفاء ونقاوة الهواء تحت ظل شجرته المفضلة. 
تكاد لا تحلو له المتعة إلا هناك. في بعض الأحيان يشاركه أحد رفاقه من أبناء القرية متعة جلسته العتيقة، يلعبان «الدّاما »، يسترجعان أحيانا ذكريات الطفولة التي تبعثرت أثارها بين أماكن متعددة من هذا الفضاء الريفي الساحر. كانا يخرجان لصيد الطيور بالمقلاع المطاطي، كانا يمتطيان الحمار الهَرِم الذي كان يبطئ المشي عنادًا… كانا يتسلقان الشجر لنبش الأعشاش.. كانا وكانا… 
ناول الكأس إلى زوجته قائلا في متعة (وكأنها لا تعرف): 
– هذه الشجرة غرستها قبل زواجنا… إيه.. أيام..! 
تهز رأسها: 
– نعم.. أعرف… سبعين مرة يا حاج وأنت تكرر هذا الكلام، أنا أعرف، ذلك.. 
مصمص شفتيه من رشفة الشاي، ثم أطلق زفرة منبعثة من جوفه، وهو يفرك لحيته المخضرمة بالشيب:
– لقد تعبت من أجلها يا (خذوج).. حتى صارت بهذا الجمال والبهاء. تعلق قلبي بها… 
– تعبتَ.. وتعلقتَ بمن..؟! عقدت ما بين حاجبيها.
كاد يقول.. لولا حدة سؤالها المقصود. إنها تعلم جيدًا إلى ماذا يشير. إحساس الأنثى دقيق، دقيق جدا.
ما أجاب. إلا أن سكرة الصمت بين أجنحتها أخذته، وكأنها طارت به إلى الماضي، بعيدًا إلى أيام شغب الشباب الذي لن يعود.
______
*قاص من المغرب

شاهد أيضاً

تحت شجرة العنب

خاص- ثقافات *سيومي خليل ظلت الفتاة التي كبرت بين أشجار الكرم الشوكي وصوت قوقأة الدجاج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *