الرئيسية / نصوص / شكــوى كــــلب

شكــوى كــــلب


*رياض بيدس

اعذروني لاني سأحدثكم عن ألمي الذي لا يطاق والذي قد يثير شيئا من تحفظاتكم او يخدش مشاعركم المرهفة ، فالفاسوق الذي يغزو جسدي بالذات صيفا يجعلني كلبا متألما جدا متوجعا لا احد يحس بوجعي الا انا ، ولكي لا تنقزوا وتبتعدوا او تعرضوا عن قراءة ما سأكتب اقول لكم انه ليست عندي اي نية لان اكتب عن كل الفاسوق الذي اتعرّض لهجماته وغزواته وآلامه بل كل ما في الامر هو اني سأكتب لكم عن فاسوقة واحدة فقط ، لا اكثر ولا اقل ، هكذا يكون وقع الامر عليكم اهون وتكون حساسيتكم الفائقة اقل تعرّضا للاذى . وفي الوقت ذاته عليكم ان تعرفوا اني اراعي مشاعركم النبيلة كما لا اراعي نفسي او حتى زملائي الكلاب . فالمعذرة اذا كان احدكم شديد الحساسية او الانزعاج او التأذي من الفاسوق وسيرته على عمومه ، فالصمت لم يعد ممكنا . واذا كان بعضكم فعلا على درجة عالية من الحساسية فما عليهم الا ان يطووا هذا الكلام الذي كتبته ويضعوه جانبا وليسامحوني ، فعلاقتي مع الفاسوق علاقة قوية جدا ولا اجد نفسي قادرا في هذا الوقت الا الحديث عن الفاسوق عفوا الفاسوقة ، واعاهدكم ان لا اعود الى هذا الموضوع مرة اخرى لاني شديد الحرص على ان لا اعرّض ايا منكم الى غزو الفاسوق ولو عبر الكلمات التي اخطها ، فالفاسوق ليس بالامر المستحب ولا اتمنى لكم ان تصابوا بالفاسوق الذي يسعى احيانا منتشرا على الارض لانه ببلادته المعهودة ومنظره المقرف على استعداد لان يمص دم من يصل اليه اكان كلبا ام بشرا ، وكما يعرف جميعكم ان الفاسوقة هي حشرة مقرفة جدا ، ولان علاقة الفاسوق والكلاب قديمة العهد فان هذه الحشرة بطبيعة الحال وجدت ملاذا على جسدي ، اذن لمن اشكو امري ، هل من احد يقبل شكواي انا الكلب الذي اقوم بكل واجباتي دون ان يعنى بي احد كما يجب ، بالطبع توجه التهمة الى صاحبي الذي جاء بي صغيرا ورباني والى اهل كل بيته ، اذا كنتم تعرفون فاترجاكم ان قولوا لي لمن اشكو امري ، هل اشكو امري الى الفاسوقة ، لا لا فانا اخاف هذه الفاسوقة المرعبة ، اجل اخافها لان كل تصرفاتها وحركاتها وسكناتها وما تقوم به يدل على ذكاء نادر واخشى ان تنقلب شكواي لها ضدي ، لا شك انها تدرك ما يدور في داخلي وتعايشني حالتي غير اني يجب ان اكون حذرا معها والا اكشف كل اوراقي لها ، عليّ ان آخذ جانب الحيطة والحذر ولتعرف هي باجتهادها قدر ما تستطيع ان تعرفه ، اما مني فلا ، ويتوجب علي ان احترس لئلا تقع على كلمة صادرة مني عنها او تسمع قولا لي يدور حولها فانا كلب شديد الحذر بالذات من ومع هذه الفاسوقة التي تختلف اختلافا كبيرا عن كل الفاسوق الذي عرفته طيلة حياتي . فامي حين لفظتني من احشائها الى الحياة كان اول شيء سكبته في اذنيّ عواء حزينا كسيرا شفوقا واضحا جدا ان اصعب شيء سيكون في حياتك هو الفاسوق ، يومها ضحكت كما تضحك الكلاب وقلت لها اي فاسوق يقدر علي سألتها هذا السؤال مفتخرا اذ كنت شجاعا من اول يوم في حياتي . وبعدها كبرت وكبرت شجاعتي معي لكني ضحكت فيما بعد من نفسي بانكسار لاني استهزأت في السابق من الفاسوق ، اذ خبرت الفاسوق كثيرا وعرفت معنى ان تكون مفوسقا متألما حد الجنون ، لكن الفاسوق كوم وهذه الفاسوقة داهية ، لذا احاذر قدر المستطاع فلو عرفت الفاسوقة اني اتمنى لو انها سقطت عني باية طريقة لربما هاجمتني هجوما كاسحا عندئذ من سيكون الخاسر ، بالطبع انا . لو كان صاحبي صاحيا لاشترى دواء واسقط كل الفاسوق عني لكنه غير آبه لهذا الفاسوق الذي ينتشر عليه كأنه يعيش في عالم غير هذا العالم ، فهل افتح جبهة مع هذه الفاسوقة ، كلا بل لالجأ الى الحيلة الى الحذر فربما نلت منها بطريقة من الطرق من يعرف ، واذا كنتم ستسخرون مني فلكم ذلك . هل تعرفون ان هذه الفاسوقة الداهية تعرف كيف تواسيني احيانا ، كيف ، بأن تهمس في اذني مرات ان زمنها مهما طال على اقل من سنتمتر من جسدي هو زمن قصير جدا وانها بعد ان تتغذى جيدا من دمي فانها ستسقط عني وسيخف الحكاك الذي اصاب به احيانا لانه كما هو معروف للجميع ان الفاسوق يسقط ارضا بعد ان يكبر ويتكوّر متغذيا من دمي ودم غيري من الكلاب المهملة ، سمعتها وما قلت شيئا سوى ان اظهرت لها كل رضاي ، هززت رأسي باسى كسير حرصا مني على ان لا اشتم اصحابي الذين احبهم واخلص لهم لانهم يتركون هذه الفاسوقة وغيرها تصول وتجول على جسدي كما لو كانت تستعمرني . وكدت ذات مرة في لحظة غضب جنوني ان انفتح لهذه الفاسوقة الذكية التي كانت تغوص في جلدي وتمص دمي وتشعرني انها تفيدني وتخدمني وابوح بوحا خطيرا لولا اني اصبت بنوبة حكاك قوية ونعوصت على اثرها نعوصة كسيرة خافتة ، كدت قبل الحكاك الذي اصبت به ان اقول لها بصريح العبارة ان مكانها لا يجب ان يكون على جلدي وانه لو كان اصحابي محبين لي فعلا وشاعرين بالمي وبالفاسوق الذي يغزو جلدي غزوا قويا لسارعوا من فورهم الى الذهاب الى الصيدلية وشراء الدواء حالا وربطي ورشي رشا قويا ليسقط عني كل الفاسوق ويموت شر ميتة وارتاح ، لكني حسنا اني لم اقل للفاسوقة حرفا واحدا من ذلك ، فربما كانت ستغضب مني وكانت ستحرّض علي باقي الفاسوق ليقوموا بالاغارة علي ومص دمي وحتى الى قتلي ربما . علي ان اعترف اني اخاف من الفاسوق اكثر مما اخاف من كلاب الحارة الشرسة التي كنت ولا ازال اتصدى لها بجرأة ، فحين كانت احيانا تعتدي عليّ كنت اشلّخها واترك آثار انيابي عليها ، ويشهد جميع من في الحارة على ذلك ، لكن الفاسوق المؤذي ابن الحرام كان اقدر من كلاب الحارة علي اذ احتل جسدي وانتشر بكثرة ومص دمي بالذات صيفا في ايام القيظ كما لو كان يتآمر علي مع الذباب ، ورغم اني كلب محترم تهابني كل كلاب الحارة وتحسب لي الف حساب الا ان الفاسوق لم يرحمني بل جعل حياتي جحيما ، اذن لمن اشكو همي والمي ، هل اشكو الى هذه الفاسوقة الخطرة التي تربض على جلدي وتحتلني وتمص دمي ولا تنوي السقوط ، ليتها تسقط وتذهب الى مليون داهية ، هل اشكو الى اصحابي الذين لا يأبهون لآلامي بل يرمون لي بالقليل من الطبيخ الخامم والعظام ونظراتهم توحي لي احيانا بالقرف ، يا للعظام النيئة التي كادت تجعلني كلبا مسعورا لولا اني تعودت وما اصبت بالسعر ، ويا لهذا الجار المهووس الذي يأتي يوميا لمراقبة الفاسوق المنتشر علي كما لو كان يعاين امرا طبيعيا ، ربما كان يريد ان يدرس الموضوع بدلا من رشي بالاكسيلون ، هل يوجد احد لا يعرف ما هو الاكسيلون ، مجرد ان يسمع الفاسوق باسم هذا الدواء حتى يرتجف رعبا على جلدي ، اذن لماذا لا يسارعون الى رشي الى القضاء على كل الفاسوق ، فالفاسوق كثير جدا لدرجة اني صرت اصاب بالدوخة فربما اتى هذا الفاسوق على كل دمي واصبت بانيميا حادة جدا ، من يهمه الامر اذا مت او عشت ، اصحابي لا يأبهون ويركضون الى اشغالهم ، واذا جاء حرامي ليلا علي انا ان اتوكل فيه واهجم عليه فيما هم يستسلمون للنوم الهانيء اللذيذ ، ارحموا عزيز قوم ذل ارحموني ، كنت اريد ان ابوح بكل هذا لاحد ما حتى للفاسوقة ، لكني حسنا فعلت حين بقيت على صمتي ، فلربما حرّضت هذه الفاسوقة الداهية باقي الفاسوق وقاموا باغارة علي وجابوا آخرتي ، فالفاسوق قادر على ذلك ، يكفي ان يهاجمني الفاسوق ويدق فيّ الحكاك ، ماذا سيحدث لي عندها ، سأجن واقطع الحبل وادور كالمجنون الى ان اسقط في مكان ما واموت ، لا يجب علي ان احافظ على حياتي وان لا اترك هذه الحياة الجميلة للفاسوق ولما هو اقل شأنا ، علي ان اظل قويا وان اساير واداري هذا الفاسوق وهذه الفاسوقة بالذات التي تمص دمي وان لا استثيرها ، ان ابقيها هادئة ، لها حياتها التي تستمدها مني ومن دمي ولي حياتي التي استمدها من الحياة بكرامة ، هي حشرة طفيلية وانا حيوان حر ، الفرق كبير بيننا ، لكني اضطرب لوجودها على جسدي افقد توازني اكاد اجن اطق . لو طلع بيدي لدست انا عليها وارتحت منها ، احيانا احك نفسي باحدى الشجرات لعلها تنمعس لكنها في الحال تغزر في جلدي وتأخذ بالضغط على شراييني فاكف ، انها تدرك كل احابيلي وحيلي ، ليتني كان لي عشر دهائها وكيدها كنت سابيدها وابيد معها كل الفاسوق الذي على الارض لكن من اين لي حكمتها وخبثها ، انها لي بالمرصاد ، هل تصدقون هذا هي التي تسكن على جسدي وتمص دمي وتتحكّم فيّ اي تحكم ، هل حل عليكم ذات يوم ضيف واصابكم ما اصابني وتحكّم في حياتكم كما تفعل هذه الفاسوقة اللعينة لي ، اعرف عادة ما تتخلّصون من الضيوف الثقلاء بسرعة ، انا اعرفكم يا بني البشر ، ففيكم من الدهاء والمكر والخبث ومص دماء بعضكم البعض واللحوسة ما يفوق دهاء هذه الفاسوقة التي هي ادهى فاسوقة استوطنت على جسدي ذات يوم ، كما انكم لا بد تعلمتم من الفاسوق فانتم تتعلمون من بعضكم ومن كل ما حولكم ، والفاسوق ينتشر في كل مكان وفي انواع واشكال مختلفة ، هنا عليّ ان اضحك واسأل اذا كان هذا الامر يعزيني اذ لست الوحيد المفوسق ، فهناك انواع اخرى من الفاسوق ، واذا ما نظرت جيدا الى اصحابي فلربما رأيت عندهم بعض الفاسوق ، لا لا ، عيب عليّ ان اقول هذا فاصحابي اناس طياب ، طياب جدا لولا انهم مقصرّون معي بالاكسيلون ، الا يرونني الا يرون هذا الفاسوق المنتشر على جسدي والذي يحتلني وينهشني نهشا ويشفط دمي ببطء ويجعلني احيانا مريضا مكتئبا مصابا بسويداء لا اطيق احدا لكني اكابر عندما ارى بالذات صاحبي فاهش وابش له ملوّحا له بذنبي ، الا يرون ما يحدث لي واي حال انا فيه ، لماذا يتقاعسون ، لماذا لا يبادرون الى مداواتي قبل ان انهار من الاكتئاب الذي يسببّه لي الفاسوق ، شغلة بسيطة ، اعرف كم هي كريهة رائحة الاكسيلون لهم وكم هي اكره لي ، لكنه اذا كان الاكسيلون يضايقهم فليستأجروا شخصا ما ليرشني ، لو كانت هناك لجنة للكلاب قريبة من منطقتنا لشكوت لها امري ، لكن الكلاب هنا مهملة واحيانا كثيرة تكون شريدة وضالة ، متى يصحو اصحاب الكلاب هنا على تعزيزنا وتكريمنا ولو باسقاط الفاسوق فقط من على اجسادنا التي ينخرها الفاسوق نخرا ، اين جمعيات الرفق بالحيوان ، الا تصل هذه الاماكن حيث نسكن نحن ، لا لا بد اني جننت ، ما لي وللجمعيات ، هذا كثير وكل ما اريده هو التخلّص من الفاسوق لان الفاسوق كثير جدا ، ينتشر علي وعلى غيري ، وهناك في البلاد البعيدة الا يوجد فاسوق ، لا بد ان يكون موجودا فالفاسوق ليس حصتنا نحن وحدنا فقط بل من المؤكد ان الفاسوق مصّاص الدماء والخبيث ينتشر في كل مكان لكنهم يعملون على مداواته ، وربما كان الفاسوق في تلك البلاد الراقية المتحضّرة مختلفا ، ناهيك ان الكلاب هناك تحظى بحياة مريحة ، هنيئا لها ، الكلاب هناك تعيش احسن من البشر اما هنا ، من اين لي هذا ، ذات مرة شاهدت فيلما وثائقيا عن الكلاب في تلك البلاد ، وتمنيت لو ولدت هناك ، الفرق كبير جدا ، كما ان صاحبي الذي احضرني الى هذا البيت كان قد حدثني عن حياة الكلاب في الخارج ولم يأت على اي ذكر للفاسوق ، لا بل قال لي انه يفضّل ان يكون كلبا هناك على ان يكون امبراطورا هنا ، يا لرفاهية الكلاب ، كأن الفاسوق غير موجود هناك ، وانا من جهتي لم اجرؤ على الشكوى لصاحبي اذ ان الفاسوق هنا لا يداوى بل يبقى ليتكاثر ، لكني سمعته ذات مرة يذكر او يشبّه بعض الناس بالفاسوق اولئك الناس الذين يتعربشون على اماكن ليست لهم ويلحوسون ويكونون كالفاسوق في حياتهم ومعاشهم وبعد ان يشبعوا ويحصلوا على مبتغاهم ويستقلون اول شيء يفعلونه هو انهم يدعسون على الناس الذين ضبوهم ، ايوه هذا ما سمعته ، يمصون دماء الآخرين ثم يرمون بهم او يدعسون عليهم او يستقوون عليهم او يتنمردون . غريب امر الناس ، انا اخاف من الناس فلا شيء يخيفني كما الناس ، حتى هذه الفاسوقة التي تراقب الناس كثيرا وتقلّدهم وتمص دمي على الرايق لا اخافها كما اخاف الناس . لو خيّرت بين الفاسوق البشري وهذه الفاسوقة على خبثها ولؤمها او غيرها من الفاسوق لاخترت من دون ادنى تردد الفاسوق اللابشري لانه ارحم ، الفاسوق البشري خطير جدا ومرعب ، هه هه هه يضحكني هذا جدا آه لو سمع صاحبي ما افكر به ربما كان رفش في بطني مرددا فاسوق بشري ها او ربما طار فرحا..

، الآن صرت اشعر افضل علي ان اعترف بهذا لنفسي اذ ان هذا التفكير قادني الى الاستنتاج ان فاسوقي اخف شرا وخبثا ولؤما من الفاسوق البشري ، لاحتفظ بهذا التفكير لنفسي دون ان اقوله لاحد ، اللعنة كم اصبحت متحفظا خائفا جبانا ، علي ان اكون كذلك فما اراه من البشر يرعبني حتى من اصحابي ناهيك اني لا اراه من الفاسوق ايضا ، الحذر مطلوب ، لكني اشعر اني اضطرب هنا اذ كنت سأكتب تاريخ الفاسوقة هذه التي ما رأيت مثلها من قبل ثم انتقلت الى شكاواي وبعدها وصلت الى تفكير مدمّر : هناك فاسوق بشري ايضا ! هل يجدر بكلب ان يفكر مثل هذا التفكير ومتى كان يحق له ، وماذا لو اطلّع صاحبي على تفكيري هذا هل سيسكت لي ، الا تقوم القيامة ضدي ، لا لا ساهدأ ، فانا معروف ككلب طيب قليل الشكوى كما اني لا اقصد ان عددا كبيرا من البشر هم اخطر من الفاسوق ، بل هناك عدد لا بأس به من البشر هم اكثر من الفاسوق لؤما وشرّا وجشعا ، هذا ما قصدته ، اعتقد ان صاحبي لن يغضب من تفكيري هذا لانه دائم الاحتجاج والشكوى والتذمر ولو كان هو مفوسقا مثل الآخرين لكان يمشي على رؤوس اصابعه ، لكنه يعيش حياة بسيطة جدا اقرب الى النسك منها الى حياة الفخفخفة ، لقد لاحظت ان اغلب المفوسقين هنا يمشون على رؤوس اصابعهم ويتباهون على ايش ما بعرف ، هه هه هه ، يمكن لانهم مفوسقون انا واياهم مفوسقين لكن الفرق بيني وبينهم هو انهم مفوسقون من دون ان يعرفوا شيئا عن الفاسوق الذي ينتشر في رؤوسهم وافكارهم وتصرفاتهم بينما انا الكلب المسكين اعرف ان الفاسوق يغزوني غزوا عنيفا بالذات في قيظ الصيف اقصد الفاسوق العادي الطبيعي ، لكن فاسوقهم يختلف عن فاسوقي لانه شديد الخطورة واللؤم والقرف ، ايع ، هه هه هه فاسوقي ارحم ، كم يفرحني هذا الكشف المثير ، ما هذا لماذا لم اكن افكر هذا التفكير من قبل ، اشعر براحة الآن ، يبدو ان تاريخ حياتك ايتها الفاسوقة اللعينة فتح عينيّ على امور كانت غائبة عني فرب ضارة نافعة ، هل تدركين ايتها الفاسوقة انك مقارنة بالفاسوق البشري اكثر رحمة وتسلية وعزاء ، وصاحبي صاحبي هذا الآدمي ربما ترك الفاسوق الطبيعي العادي الذي نفوسق به نحن الكلاب تركه يصول ويجول علي من اجل ان اكتشف ان فاسوقي ارحم واظرف والطف واشلب من الفاسوق البشري بكثير ، لاصمت ، الصمت مطلوب ، ما لي ولهذا الامر ، ليكتب البشر تاريخ فاسوقهم البشري اوعن فاسوقهم المستشري على العموم ولاكتب انا عن فاسوقي الكلبيّ ، ليهتم كل منا بفاسوقه فلكل واحد منا فاسوقه ووجعه ، اجل هكذا افضل ، لانصت هل سمعت الفاسوقة شيئا انها في مكانها تمص دمي بشراهة ووحشية ومن المؤكد انها ما سمعت ولا قرأت شيئا ، لم ارتكب خطأ جسيما ولم اتهور بل بقيت اعمل كل ما اعمله بروية وصمت دون ان تدرك الفاسوقة شيئا مما يجري لي ، اين هي هذه الفاسوقة ، هل سقطت ، ارجو ان لا تكون ، لا اريدها ان تسقط الآن خاصة ان فاسوق من لا يجب ان لا اذكر صنفهم اكثر شراسة وافتراسا وتوحشا من فاسوقي انا البسيط البدائي ، الى هذا الحد ، واكثر ، لتبقي مكانك ايتها الفاسوقة ، من شاف مصيبة غيره هانت عليه مصيبته ، ومع ذلك ينبغي على صاحبي ان يقوم بواجبه تجاهي بالذات لاخلاصي له ، عليه ان يشتري الاكسيلون ، لم المكابرة فبعد اكتشافي الرهيب ان فاسوقي الطبيعي ارحم من فاسوق اولئك الذين اتعمّد ان لا اذكر صنفهم لئلا تقوم قيامتهم علي اقول انه يجب ان احظى برشة اكسيلون تقضي على كل فاسوقي الذي علي ليسقط وارتاح ، اقلع الفاسوق بالاكسيلون واقبع معه وجعه ، عندها فقط قد احظى بحياة اريح واطيب من حياتي مع الفاسوق ، الا يريدني صاحبي ان اكون كلبا سعيدا ، هل يريدني ان اكون كلبا متمرمرا حزينا عصابيا مثله ، لماذا لا يقوم بواجبه تجاهي ، هل علي انا ان اطلب منه الاكسيلون ، انا لا اطالبه بشيء حتى الطعام الذي يرميه لي باعراض ولامبالاة التهمه حامدا شاكرا وعندما اراه عائدا في المساء استقبله احلى استقبال كما لا يستقبله حتى اهل بيته ماذا يريد اكثر من ذلك ، الحكاك يزداد الآن ، انها ليست الفاسوقة الذكية بل انها واحدة غيرها ، الفاسوقة الذكية ، الفاسوقة الذكية هي اكثر من مصت دمي لكنها تفعل ذلك بهدوء ولطف وحتى اقول بلباقة كبيرة ، ربما كانت تسعى بذلك الى ان تعيش اكثر مما هو مقدّر لها او ان تحصل على كميات من الدم اكبر مما تستطيع ، كل ذلك بمنتهى الحنكة ، لكن عمر الفاسوق قصير وعمري انا طويل ، ذات يوم حين اتخلّص منها وارتاح واركّز سأكتب تاريخ هذه الفاسوقة على خير وجه ، انها فاسوقة نادرة لم يحدث من قبل ان سكنت جسدي فاسوقة مثلها وربما كانت من نوع جديد متطوّر ، سأكتب عنها سأقول كل ما اعرفه عن حياتها وسأغضب منها وساشرشحها فهي فاسوقة في الاول والاخير وربما كانت تشكّل خطورة كبيرة جدا علي ، اجل انها من اخطر انواع الفاسوق وربما كانت تروم لي ما هو اكثر من مص دمي ، ربما كانت تحلم بما هو اكثر بكثير لانها فاسوقة داهية خبيثة جدا ، اني ارى صاحبي يتحرّك على الشرفة ربما كان يريد ان يحضر العظام او بقايا الطبخة المحمّضة ، كم ساسامحك ، اتأمله ولا اتمالك نفسي من التفكير ، هه هه هه ، هل هو مفوسق ايضا ، لا لا انه ليس مفوسقا بالمرة انه مسكين مثلي يأكله فاسوق هذه البلاد التي يكرهها ، ما الذي عاد به الى هنا وكيف سيعيش بين هنا وهناك ، هل ضاقت عليه الدنيا هناك ، لا بد انه الحنين ليس الا الحنين الغامض الى ما هو مجهول وغامض والشوق الى طقس هذه البلاد وبحرها ، انه طيب يرفض ويكره الفوسقة ، احيانا اشفق عليه حينما يحدثني عن الكلب «فين» الذي تركه في بلاد الثلج مع زوجته ، كان يريد ان يطلق علي اسم «فين» لكني رفضت ذلك واحترم رأيي ، احب اسمي «عنتر» ايوه ، انا الذي اخترت اسم عنتر ، جدي لابي كان يدعى عنتر فتعنترت انا الآخر ويحق لي فانا عنتر بحق وحقيق ، الكلب الذي يقترب مني مهاجما اشلّخه ، وياما شفت في عينيّ صاحبي كم يرغب ان اشلّخ له بعض الناس السمجين المفوسقين ، مسكين كم يكره الناس المفوسقين والفاسوق يعم ويطم هنا ، وفوق هذا اقوم انا الكلب الطيب واتطاول عليه واشك انه مفوسق ، هذا كثير عيب عليّ الا استحي على حالي كيف يخطر لي مثل هذا الخاطر الوقح اللئيم ، انه ليس مفوسقا كل ما في الامر هو انه يعاني مثلي من الفاسوق البشري المستشري هنا ، وحكاكه يتجلّى بعصابيته ونرفزته وضيق اخلاقه وعزوفه عن البشر لا بل كراهيته للبشر ، كم اشفق عليه ، يجب ان اسامحه من اجل الفاسوق الذي يغزوني بغزارة وعدم احضاره الاكسيلون ، انه كئيب جدا وربما كان منكود الحظ والطالع ولو طلع شيئا بيدي لسليّته واضحكته ، احيانا احزن عليه وعلى حياته هنا ولا استطيع النظر الى عينيه مباشرة خوفا من ان يرى في عينيّ مدى حزني وتأثري عليه فاخفض نظري واتحرّك في مكاني متظاهرا بالترحيب به لكني اكون في غاية الشقاء والحزن عليه كم هو بائس وعاثر الحظ ، لكني اعتب عليه او على حالي لان عصابيته المدمرة انتقلت منه اليّ فصرت انا الآخر كلبا عصابيا تنتابني نوبات عنيفة من الغضب والحزن من العلو والهبوط من اليأس والامل كلها بسبب عدوى عصابيته التي انتقلت اليّ منه ، هذا مأخذي الوحيد عليه لكني ايضا هنا لا الومه فهو هكذا وارجو ان تتحسّن احواله لتخف نوباته الغريبة العجيبة التي تصيبه والتي تنتقل اليّ مع اني اكثر قدرة على ضبطها لوعيي بها الا انها احيانا تفلت مني خاصة في لقاء عابر مع كلاب اصدقاء لا يريدون لي الا كل الخير فيستغربون حالتي وينصحونني ان استشير حكماء الكلاب لعلهم يستطيعون ان يقدّموا لي مساعدة او مشورة قبل ان تستفحل مزاجاتي المتقلّبة المختلفة في حياتي ويعجز عن مداواتها الطب والدواء واصاب بجنون الكلاب ، حتى عن اصدقائي الكلاب المخلصين لي كنت اكتم امر صاحبي العصابي الرهيب الذي ما ان يحضر حتى يتوتّر كل المكان بناسه وازهاره وحيواناته ، اعرف هذا ليس بيده انه هكذا قبل ان اعرفه وربما هذه البلاد جعلته اكثر توجعا علي ان ارحمه واسايره فالرحمة هي من طبعي وخلقي ، ومع احترامي لصاحبي الذي يرفض ان اعتبره سيدي رفضا قاطعا الا اني لم اصب بعدوى كراهية بني جنسي الكلاب فانا اتصيّد الفرص لالتقي مع اصدقائي الكلاب لنتحدث بلغتنا في مختلف الامور واغلبها تدور عن اسيادنا او اصحابنا وعن مدى عماهم بالذات لاعتقادهم اننا لا نفهم لغتهم ، يا للجهل اننا نفهم كل كلمة يقولونها لنا وندرك في الحال احوالهم واوضاعهم خاصة من وجوههم التي تحمل ما تحمله ففراستنا عالية جدا لكنهم هم يحسبون اننا لا نفهم وصاحبي مثل اسياد الكلاب من اصدقائي يظن هو الآخر اني لا افهم لغته معذور ، ليتهم يفهمون علينا كما نفهم عليهم ، وكيف سيتنازلون ويقبلون ان يفهموا علينا ما داموا هم الاسياد ، متى كان السيد يفهم لغة العبد او الخدّام او كلامه او بالاحرى متى تواضع لسمع شكواه وانينه ، نحن الخدّام نفهم اسيادنا اكثر مما يفهموننا ولو احسنوا الاستماع الينا لربما صدموا نعيش معهم وبينهم ونفهم عليهم كل ما يقولونه وما يرتسم على وجوههم لكنهم لا يفهمون علينا الا النزر اليسير ولولا خوفي من بطشهم لاعلنتها لهم في ساعة غضب انهم لا يعرفون الا القليل واقل من القليل وانهم مفوسقون وان فاسوقهم اخطر من فاسوقنا الكلبيّ لكني اخافهم لذا حين نجتمع نحن معشر الكلاب نسخر منهم احيانا ونشكو احزاننا لبعضنا البعض او نضحك ونلعب ويكون احدنا سندا للآخر بالذات عند الضيق لذا ليس لي ان اكره بني جنسي ، عذرا يتخربش خطي هنا لان ضحكة سخرية تنطلق مني على البشر وعلى افكارهم المحدودة جدا ولا اخفي على احد مدى سعادتي حين التقي باصدقائي الكلاب ولربما يصاب صاحبي بعدوى محبتي للكلاب ويعيد النظر في علاقته مع البشر وتتحسن حالته لكني بصراحة لا اعتقد فنحن معشر الكلاب اصدق من الناس هنا بكثير لا بل لا مجال للمقارنة بيننا اين نحن واين هم ولو تأملونا قليلا لادركوا اننا نتفوّق عليهم في الكثير وبالذات في الصدق والوفاء والاخلاص ، اذن كيف لصاحبي ان يحبهم بعد كل هذا ، انه معذور ولن تجدي اية عدوى محبة معه لا بل انه سيزداد كرها لمن حوله ابق على حالك يا صاحبي ، صوت يعلو انه صوت صاحبي علي ان انتبه ، ها اني اراه يتقدم مني ، علي ان اسرع واستعد لاستقباله بحرارة وليس ببرود ، انه يستأنس بوجودي فنحن معشر الكلاب نشتهر باخلاصنا لاصحابنا حتى لو لقينا اسوأ المعاملة منهم ، يخطو ببطء كما لو كان ختيارا تسعينيا ، لاترك كل شيء الآن واستقبله كما يليق به ، لكن الامر يلتبس علي الآن ولا اعرف اذا كنت انا ام الفاسوقة هي التي تكتب وتحكي ، ربما انا وربما هي ، وربما صاحبي ، ايكون صاحبي هو من يكتب ، عيناي تتسعان دهشة واستغرابا ثم اكاد انفجر ضاحكا ، صاحبي ، هل جننت ، هذا لا يعقل ، لاتركه بحاله ، وللحظة اكاد استرسل في ضحك مؤذ جارح لكني اتمالك نفسي ولا يبدو علي أي اثر من الضحك بل اعتقد ان منظري يوحي بالجدية وحتى الحداد اكثر من أي شيء آخر ، هكذا افضل ، لو اعطيت نفسي على حالها لضحكت الى ان تسيل دموعي واتمرّغ ارضا ، لكني حسنا فعلت وجاءت العواقب سليمة ، فالضحك ممنوع بالذات في هذا الوقت . 
(وجدت هذه الاوراق التي كتبها كلب عن فاسوقة وتداعيات الفوسقة في مكلبة مهجورة ونقلتها من دون اي تصرّف او حذف) . 
________
* أديب من فلسطين (نزوى)

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *