الرئيسية / إضاءات / زيدان:التديّن المنقوص يعطّل العقل

زيدان:التديّن المنقوص يعطّل العقل



*حوار: سجا العبدلي

ارتبط الوعي العام للكاتب والباحث والروائي المصري يوسف زيدان -الملقب بـ”عاشق المخطوطات”- بالإسكندرية التي أتى إليها رضيعًا ولم يفارقها طيلة حياته لأكثر من بضعة أيام، حيث يؤكد أن فيها كل الخبرات والأصول المعرفية، والكتابة.

من قلب “الإسكندرية” هذه المدينة العريقة كانت نشأته وفيها يعقد صالونه الثقافي بشكل منتظم، والذي استقطب ولا يزال المئات وربما أكثر من الشباب المصري المتعطش للمعرفة والجدل والنقاش.
يوسف زيدان صاحب رواية “عزازيل” الحاصلة على الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر”، و”ظل الأفعى”، و”النبطي”، و”محال”، ومؤلف “اللاهوت العربي”، و”كلمات”. لم يقتصر إنتاجه في الأدب فقط، فهو متخصص في التراث العربي المخطوط وعلومه. صدر له العديد من المؤلفات والأبحاث العلمية في الفكر الإسلامي والتصوف وتاريخ الطب العربي، كما أن له مقالات دورية وغير دورية في عدد من الصحف المصرية والعربية.
عمل مستشارًا لعدد من المنظمات، مثل مكتبة الإسكندرية. أخرج العديد من المؤلفات في مجالات متعددة يتصل جلها بالتراث العربي. وتتوزع أعماله على فروع التصوف الإسلامي والفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم العربية، خاصة الطب، والنقد الأدبي، وفهرسة المخطوطات العربية. من مؤلفاته وتحقيقاته في التصوف: (شعراء الصوفية المجهولون)، (المتواليات: دراسات في التصوف)، (الطريق الصوفي وفروع القادرية بمصر)، (فوائح الجمال وفواتح الجلال)، (المقدمة في التصوف، للسُّلَمي)، (ديوان عبد القادر الجيلاني).
مجلة “المجلة” التقت يوسف زيدان، فكان هذا الحوار، حول أعماله ومؤلفاته، ومستقبل مصر كما يراه…
يقال: إن لكل روائي هناك رواية تكون هي باكورة أعماله. إلى أي مدى تتفق مع هذا القول؟ وهل يمكن اعتبار “عزازيل ” هي باكورة أعمال يوسف زيدان؟
لو صحّ هذا القول، فما هي “باكورة” أعمال شكسبير، مثلاً! و هل ثلاثية نجيب محفوظ أهم أم أولاد حارتنا أم الحرافيش؟! وفي غير مجال الأدب الروائي، هل يصح أن نزعم بأن كتاب ابن سينا “القانون” أهم من كتابه “الشفاء”.. وهناك غير ذلك كثير من الأمثلة الدالة على مسألة (الباكورة) هذه غير صحيحة. وبخصوص النصف الآخر من سؤالك، فإنني لا أرى “النبطي” أقل أهمية من “عزازيل”، وشهرة الثانية لا تعني تفوقها على الأولى. ولكل رواية عندي، عالمها الخاص الذي لا تشاركها فيه رواية أخرى.
في كتابك “متاهات الوهم”.. ألا تعتقد أنك وضعت يدك على ما هو محظور؟
ومنذ متى لم أضع يدي في ذلك “المحظور”. لقد اشتغلت بالتراث العربي في وقتٍ كان فيه هذا التراث محظورًا و مهجورًا تمامًا، ثم اهتممت بتاريخ العلوم العربية في وقت كان الجميع يتجاهل هذا المجال.. وهكذا كان حالي مع الأدب الروائي والبحث الفلسفي. وكتابي “متاهات الوهم” هو امتداد للنهج الاقتحامي الذي تجدينه في “اللاهوت العربي”. ومسألة المحظور هذه، مسألة مطّاطة لا ضابط لها، فأنا أكتب لقارئ عربي يوجد في بلاد مختلفة، وربما كان المحظور في بلدٍ منها، مسموح به في بلد آخر. فكيف نحسب هذه المحظورات والمحاذير؟ ألا يعنى حسابها أننا لن نستطيع الكتابة أساسًا لو راعينا هذه المعايير التى لا ضابط لها!
ما هي الرسالة الرئيسة التي أردت إيصالها للقارئ من خلال هذه المتاهات؟
لو كانت هذه الرسالة يمكن أن تتلخص في عبارة أو فقرة قصيرة، لاستغنيت بذلك عن الكتاب واكتفيت بالمُلخّص. أما إذا كنت تقصدين ما أتمناه من هذا الكتاب، فهذا يمكن تلخيصه فى كلمة واحدة هي “الاستفاقة”.. فإنني أتمنى للقارئ العربي، وللعرب عمومًا، أن يستفيقوا من الأوهام التى غرقنا فيها، وتراكمت فوق وعينا العام، وأعاقت العقل الجمعي العربي عن العمل بشكل منطقي سليم.
في “دوامات التدين” عن أي دوامات تتحدث، ولماذا اخترت كلمة (دوامات) لتكون لصيقة بالتدين؟
هي دوّامات التدين المنقوص، والخلط المتعمّد بين الدين و التديُّن، وتوجيه المشاعر الدينية إلى أغراض سياسية.. وهذه الأمور تُدخل المجتمعات في صراعات خسيسة، وتعوقها عن التطور والإبداع.
في هذا الكتاب تؤكد أن معنى الدين يختلف بطبيعة الحال عن مفاهيم التدَيُّن، فالدينُ أصل إلهيٌّ والتدَيُّن تنوع إنساني. كيف ذلك، وكيف استطعت أن تفصل ما بين الاثنين؟
الأمران تفصل بينهما المسافة الممتدة بين النظرية والتطبيق، فأتباع أي دين يطبقونه بحسب ما يعتقدون أنه الصواب، ولذلك توجد اختلافات كثيرة بين المذاهب والجماعات العقائدية داخل الدين الواحد. وعادة ما يكون الصراع بينها، أشد وأعتى من الصراع بين أتباع ديانتين مختلفتين. وهناك أمثلة لا حصر لها تؤكّد هذا، منها الصراع المرير بين السُّنة والشيعة داخل نطاق الإسلام، والصراع الأشد ضراوة بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا، وقد راح ضحيةً له مئات الآلاف من أتباع الديانة نفسها. والسبب الرئيس في ذلك، أن كل فرد أو جماعة عقائدية يظن أن تطبيقاته للدين وفهمه للإيمان “القويم” هو التطبيق الوحيد الصحيح وما عداه باطل. فيصير الدين -الذي هو (واحد)- طريقًا للخلاف والاختلاف في أسلوب (التديُّن المتعدد)
أثرت الجدل في العديد من المواقع والمناسبات بسبب مؤلفاتك، وهناك من قال إنك خالفت الشريعة واتهمت بـ “ازدراء الأديان”، وتعمد إحداث فتنة في البلاد، والترويج لأفكار متطرفة” كيف ترد على هذه الاتهامات؟
هذه اتهامات مجانية، خرقاء، ادّعاها بعضُ الذين لا يحسنون القراءة بعدما قرأوا كتابي “اللاهوت العربي”. وقد مثلت أمام “نيابة أمن الدولة العليا” في زمن حُكم الإخوان، للتحقيق في هذه التهم الجوفاء. وأعددت تقريرًا مطولاً للرد عليها، لكنهم لم يستدعوني حتى الآن لانشغال البلاد بالتداعيات الجارية منذ سقوط الرئيس الإخواني وإزاحته عن حكم مصر.
هذه ليست المرة الأولى التي تُهاجم فيها بسبب أفكارك ومؤلفاتك التي تعتبر صادمة ومفاجئة لمتهميك.. هل كنت تتمنى لو أنك عشت في بلد تعطيك مساحة أكبر من حرية التعبير؟
لا أستطيع العيش خارج الإسكندرية، فما بالك بالعيش خارج مصر أو المنطقة العربية. صحيح أنني لو هاجرت إلى أوروبا مثلاً، فسيكون وقتي أصفى، وأحوالي أحلى، لكنني للأسف مرتبط بهذه الأرض، ومُبتلى بالاشتياق إليها. ثم إن قضيتي الأساسية هنا، لا هناك!
ما هي المسئولية التي تراها ملقاة عليك؟
أشعر بالالتزام والمسؤولية تجاه القارئ، أولاً، و من بعد ذلك فإن أية معاناة سوف تهون.. مادمتُ أكتب ما أراه يستحق أن يُقرأ.
حدثنا عن أجواء صالونك الثقافي الذي ينتظم مرة في مطلع كل شهر؟
هو صالون ثقافي عام، ينعقد شهريًّا بالقاهرة والإسكندرية، يومي الأربعاء الأول والثاني من الشهر. والصالون القاهري يُقام في ساقية الصاوي، ويحضره جمهور ضخم يزيد عدده عادةً عن الألف شخص، معظمهم من الشباب. والصالون السكندري يُقام في مركز الجيزويت الثقافي، ويكون الحضور أقل عددًا و أكثر صفاءً. ولا أُكرّر المحاضرة في الصالونين؛ لأن كثيرين من أهل القاهرة يحضرون أيضًا صالون الإسكندرية، والعكس. وفي الغالب تكون المحاضرات بالصالونين جامعة بين الفلسفة والتاريخ وهموم الواقع المعاصر.
أين ترى مصر في خضم العشر سنوات القادمة؟
ليس من السهل التنبؤ، لكن الأمور تسير الآن من الأسوأ إلى السيئ، و أرجو لها أن تتحرّك من السيئ إلى الجيد، ثم الأجود. وهذا بالطبع مرهون بوعي الجماعة المصرية وقدرتها على العبور من تلك المآزق والمنحنيات الخطيرة التي تمر بها البلاد هذه الأيام. ومن البدهي أن حال مصر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأحوال الجارية في البلاد العربية المجاورة لها، فالتأثير متبادل، والمستقبل مشترك.
_______
* صحفيّة عراقية مقيمة في لبنان. 
مجلة (المجلة)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *