الرئيسية / فنون / الأسود ذو الشعر الأبيض الراكض مع الآلهة

الأسود ذو الشعر الأبيض الراكض مع الآلهة


*تيجو كول / ترجمة: ميادة خليل

الدين قريب من المسرح، الكثير من قوته تأتي من تأثير المنبر والتعبير. وفي مسرحية حول الوعظ، يصبح بكل سهولة المسرح مثل الدين. تأدية مسرحية وولي سوينكا الهزلية “محاكمة الأخ جيرو” في 1964 التي شاهدتها مؤخراً في لاغوس، لم تختلف عن تجربتي في كنيسة خمسينية** بعد حوالي اسبوعين. “محاكمة الأخ جيرو” ركزت على النبي، واحد من العديد من رجال الدين المستقلين عن السلطة المشبوهة الذين أنتشروا في نيجيريا. الدجالون ليسوا مشعوذين طوال الوقت: إذا لم يُصدّقوا على الأقل بالقليل من ما يبيعونه، فسيكون صعباً بالنسبة لهم إقناع الآخرين. “في الحقيقة هناك بيض وهناك بيض”، يعلن الأخ جيرو في أول مونولوج له في المسرحية، “مثلما حصل مع الأنبياء، لقد ولدت نبياً.”

عنصر التظاهر هذا حقيقي بالنسبة للأنبياء والممثلين، وكذلك في مسرحية مثل “الأخ جيرو” المسألة تضاعفت: كلاهما، التمثيل والدين لديهما علاقة غير دقيقة مع الحقيقة. الأداء الذي شاهدته كان على مسرح مستقل وجميل أسمه “تيرا كولتور”، في فيكتوريا آيزلاند، أحد الأحياء الراقية في المدينة. الأخ جيرو ـ ” رقيق القلب يربعام، جيرو الطاهر، بطل الحملة الصليبية المسيحية.” ـ كان يقوم بالدور باتريك ديبوا أمام أمرأة فاتنة، كأجزاء مماثلة لهاملت ووايل. إي. كايوتي***. المسرحية كانت سريعة، مضحكة، كلامية وتجسيدية، وسخرت من خدعة الحرية بعد السجن باتجاهين والتي كانت: المعاملة بعين نص مفتوحة بين المُضل والمخدوع.
“اذهب ومارس إحتيالك على شخص آخر أكثر سذاجة”. يقول أحد معلمي جيرو بفترة قصيرة قبل أن يبدأ بالأطراء هو أيضاً.
نيجيريا أيضاً، في موسم درامي، والكلمات ترتفع بحرية. في ولاية ريفرز، في دلتا النيجر الغنية بالنفط، هناك صراع على السلطة. هذا الصراع في داخل حزب الشعب الديمقراطي، وهو حزب الرئيس جودلاك جوناثان، والذي ينوي خوض الأنتخابات القادمة في 2015. السيدة الأولى، باشينس جوناثان، من ولاية ريفرز، أنحازت إلى جانب واحد من النزاع، بصفتها وكيل الرئيس. حاكم ولاية ريفرز، روتيمي أمايشي، يُشبّه ويُنظر له بشكل كبير على أنه متمرد داخل الحزب، هو على الجانب الآخر. الرئيس جوناثان تمت إدانته من قبل النيجيريين لعدم فاعليته، لقد وعد بالكثير ولم ينجز إلا القليل. ولكن السيدة شخصية مرحة. سلطتها الأنكليزية متقلبة: ذات مرة قالت عن جمع من الأرامل “رفيقاتي الأرامل”. القضية من أجل استياء مستمر، نمط شخصي تتباهى به في بلد لا يزال فقيراً.
في أوائل شهر يوليو، حدثت مناورة من أنصار السيدة لسحب الثقة من رئيس مجلس النواب في ولاية ريفرز تطورت إلى فوضى. في شجار تلى المناورة، أحد أعضاء المجلس، شيري لويد، هاجم عضو آخر، هو مايكل شيندا، وفي احتفال ملكي، كسر جمجمته وأصابه إصابة بليغة على مرأى ومسمع من كاميرات التلفزيون. في أعقاب هذا الهجوم، قدمت السيدة باشينس بيان وصفت فيه الحاكم أماشي بالأبن (فرق السن بينهما 7 سنوات فقط). معلقو الصحف وجدوا مناشدتها نفاقاً، بعد كل هذا، كانت في زيارة لولاية ريفرز لمدة 11 يومياً، مع أجهزة أمن الرئاسة كاملة.
زيارتها كانت مدمرة ومرعبة بحيث أن الحاكم سكن في منزل الحرس، ولم يتمكن من التحرك في جميع أنحاء عاصمته، بورت هاركورت. وفي مجلس النواب كان هناك مجموعة من الأعضاء موالين بتعصب لها وأحدهم، إيفانز بيبي، الذي أعلن للصحافة، “لماذا يهين الحاكم أماشي والدتي، هي بالنسبة لي مثل يسوع المسيح على الأرض”.
من بين أعلى الأصوات المعارضة ضد السيدة كان وولي سوينكا. يرى سوينكا بأنها فرضت نفسها على الناس وتصرفت مثل “رئيس ثاني للدولة”. نادى سوينكا في مؤتمر صحفي إلى تعزيز قضيته ضد الرئيس وزوجته بإستعارة مطولة غير متوقعة: اضطهاد القرن الثاني عشر وقتل توماس بيكيت من قبل عملاء هنري الثاني. الحديث حول الطريقة التي قد يكون الملك تغاضى فيها ضمنياً عن الجرائم وبالتالي، صنع هذا مرجعاً بارزاً لطريقة الحاكم أماشي في تجريد السلطة في ولاية ريفرز، سأل سوينكا: “ألم نتحرك نحو ملكية مطلقة؟ هناك العديد من أوجه التشابه التاريخية المقلقة.” في بيان مكتوب سلمه إلى الصحافة كان أكثر شخصنة، أنتهى بسطر: “يمكنك استخراج فرس النهر من المستنقع، ولكن لن تستطيع أن تأخذ مستنقعاً من فرس النهر.” كانت هذه العبارة وصفاً عاماً مثل وكزة غير لائقة للسيدة، سيدة بهذا الحجم الكبير. حتى أن بعض أنصار سوينكا ارتبكوا من هذا التشبيه.
النشاط السياسي كان دائماً محور أعمال سوينكا المسرحية. كان مراقباً منذ البداية. سُجن لمدة 22 شهراً في آواخر الستينات، أثناء الحرب الأهلية في نيجيريا لمحاولته التفاوض على السلام بين الجانبيين الأتحادي والبيافرا. قضى معظم فترة سجنه في الحبس الإنفرادي، تجربة كتب عنها في مذكراته، “مات الرجل” في 1994، هرب من نيجيريا عندما هدد النظام العسكري للجنرال ساني أباشا حياته. تم الاستيلاء على جواز سفره، لذا ذهب عبر الحدود البرية إلى جمهورية بنين، ومن هناك شق طريقه إلى المنفى في الولايات المتحدة. ثار من أجل العودة إلى الحكم الديمقراطي ووجهت اليه تهمة الخيانة غيابياً، في 1997. لكنه عاد إلى بلاده بعد وفاة الجنرال أباشا، في 1998، ويعيش في نيجيريا الآن.
لا يزال سوينكا واحداً من أكثر المدافعين الشجعان عن حقوق الأنسان، يتحدث حول قضايا من تمرد بوكو هرام وحتى التشريعات العدوانية التي تقيد حقوق المثليين والمثليات. سوينكا معروف ومحترم، وربما معروف بشكل أفضل لدى النيجيريين العاديين لنشاطه السياسي أكثر من مسرحياته المعقدة لغوياً وموضوعياً ـ من بين هذه الأعمال المعقدة “الموت وسائس خيل الملك” و”المجانين المتخصصون” ــ التي فاز بها بجائزة نوبل للآداب، في 1986.
كلمة سوينكا في يوليو، أثناء المؤتمر الصحفي وصل صداها إلى السيدة، ولم تجدها مسلية. بعد ثلاثة أيام، أصدرت بياناً قالت فيه عبارة ذكرت فيها أن سوينكا “محرج” لنيجيريا. وكان هذا تحول غير متوقع، هذا الانحراف في مسرح الفوضى، هو ما أردت التحدث فيه مع سوينكا. حصلت على فرصتي بعد عدة أيام، عندما زرته في ابيوكوتا، التي تبعد بحوالي ساعة عن شمال لاغوس، في منزله الريفي عند حافة الغابة. البيت كان بارداً، مظللاً، وهادئاً. لا يوجد أي شيء من مظاهر التفاخر من النيجيري “الرجل الكبير” ـ لا رجال أمن ولا سيارات فاخرة ولا أرضيات من الرخام. بدلاً من ذلك، كان هناك نسيج من قماش أسو- أوكي**** مصبوغ بلون نيللي على النوافذ. وهناك مجموعة من المنحوتات الأفريقية، اليوروبا ومن ناحية أخرى، يقف تمثال في مجموعات حول غرفة المعيشة. كان مكاناً آمناً، مخبأ مناسب لرجل أسمه، سوينكا، وتعني حرفياً: “الشياطين تحيط بي”. تذكرت نعت آخر كان ينعت به “طفل الغابة”. عاش بهذا اللقب كما يجب. غالباً يذهب إلى الصيد ويحمل في نفسه علاقة أكثر حميمية مع المعتقدات الدينية التقليدية أكثر من معظم النيجيريين، لذا التحول إلى الإسلام أو المسيحية، سوف يكون ترفيهاً. سوينكا عاشق الأله أوجون ـ إله الحديد و”الرمز الأول لتحالف الاختلاف” ـــ وكتابه “الأسطورة، الأدب والعالم الأفريقي” هو استكشاف تعليمي للروابط بين المسرح الملحمي، طقوس اليوروبا، علم الجمال والأخلاق.
كانت زيارتي بعد حوالي أسبوع من عيد ميلاده الــتاسع والسبعين. يبدو قوياً، وسيماً بدون جهد. شعره الأفرو ولحيته كلاهما بيضاوان، ولا يبدو بياض شعره ولحيته كعلامة على الشيخوخة ولكن كعلامة على نمو لا ينتهي. “لذا، ما هو شعور أن تكون محرجاً؟” قال ذلك وهو يغمض عيناه بمرح. “إنها ليست نهاية مهزلة فقط. إنها نهاية كل الأنماط”، ثم، ظل يضحك، لكن مع مزيد من القتال في صوته، أضاف، “لم تُنتخب ـ ولا يهم أن كانت أمرأة أو رجل ـ إنها مجرد ذيل للسلطة. إذا كان هناك شخص لا تجده السيدة محرجاً، فهذا يعني أن هناك شيئاً خطئاً في ذلك الشخص”.
 
المصدر: النيويوركر
*تيجو كول: فوتوغرافي وكاتب. روايته “مدينة مفتوحة” فازت بجائزة الجائزة العالمية للآداب في يونيو الحالي.
**الخمسينية: هي حركة دينية بروتستانية ظهرت في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وتتميز هذه الحركة بالإيمان بأن جميع المسيحيين بحاجة لأن يعيشوا اختباراً فريداً لكي يكونوا مسيحيين فعلا، ويسمى هذا الاختبار بمعمودية الروح القدس.
*** وايل. إي. كايوتي: هو شخصية كارتونية خيالية من سلسة وارنر برذر ولووني تونز.
**** أسو – أوكي: قماش أفريقي تقليدي ملون.
_______
*عن (العالم) العراقية

شاهد أيضاً

«السينما والأيديولوجيا» لعدنان كزارة

*علي العقباني تواكبت السينما مع الأيديولوجيا منذ نشأتها لدى كثير من المنظرين الفكريين وحتى السينمائيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *