الرئيسية / قراءات / لخولة’: مختارات شعرية تؤسس لأنطولوجيا فريدة في الحب

لخولة’: مختارات شعرية تؤسس لأنطولوجيا فريدة في الحب




‘لخولة’ انطولوجيا تضم بين دفتيها 365 أنشودة وجدانية مختارة لأكثر من مئة شاعر، قام باختيارها الشاعر محمد أحمد السويدي
قصائد ينظمها موضوع الحب، على اختلاف اشكاله وتجلياته، بدءا من العشق الإلهي وبوح الشيخ الأكبر: ‘أدين بدين الحب…’ حتى عبث ابن ربيعة بمقطع الخصر، مرورا بالفتى المخاتل الذي خطف الثياب يوم دارة جلجل، ومن تلك الأميرة الأندلسية التي تمنح القبل لمن يشتهيها.. إلى تلك الجميلة التي تقول: 
فلو جاورت في بلد ثمودا
لما نزل العذاب على ثمود!
لوحات غنائية من أرق ما قيل في شعر اللوعة والعتاب وأسى الهجر وشجن الغياب، اختارها بأناة وعمق شاعر يمتاز بحس فني وذائقة جمالية مرهفين. ولعل الالتفاتة الجديدة في هذه المختارات أن صاحبها قرنها بالفلك والأبراج، ليتأمل كل واحد منا نصيبه وما يواتيه من حكايات الحب وصورها الفنية، كما عبر عنها مبدعوها في تلك اللحظات الخاطفة من حياتهم.
كان اختيار ‘لخولة…’ عنوانا أثيرا وجذابا لهذه القطوف، لا إحياء وتكريما لذلك الفتى المغدور وحسب، إنما للتوجه إلى المستقبل والإيحاء بكل ما يقترحه عصرنا من تجديد. فكما أن لكل ‘قيس ليلاه،’ في كل عصر، فإن الشاعر السويدي لا يرمي إلى بكاء الأطلال مع ‘طرفة’، إنما يستشرف آفاقا جديدة ويدعو ضيوفه إلى المستقبل، مزودين بمائدة من لذائذ الشعر وطيباته.
‘لخولة…’ هو الكتاب الأول من سلسلة يسعى صاحبها إلى غربلة التراث الشعري ونخله واقتطاف أجمل ما فيه، ولعله يؤسس بذلك لموسوعة شعرية جديدة وفريدة، ليس من هواجسها تجميع الكم الكبير واختلاط التبر بالتراب، ولكنها تكتفي وتحتفي بعيون الشعر العربي الباقي بوهجه الإبداعي وعذوبته الجمالية، على مر الأجيال.

أدينُ بدينِ الحب

وقد وضع محمد السويدي مقدمة قصيرة لهذه الانطولوجيا العشقية، التي يتداخل فيها الحسي والوجداني في صور شعرية باهرة، قال فيها:
ما زالَ شعرُ الفتى المخاتلِ الذي خطفَ الثيابَ يومَ الغديرِ يَضِجُّ بالحياة. وما زالتِ الرصافةُ والجسرُ تُرددان أشعارَ مَن وقفَ يرقبُ عيونَ (المها) الحسانِ ويطوّقُ أعناقَهنَّ بالياسمين. وأمّا شعرُ الذي ودَّ تقبيلَ السيوفِ في حومةِ الوغى لأنَّها لمعت كثغرِها، فقد سارَ في الآفاق، كذلك شعرُ الذي قبّلَها بين الحطيمِ وزمزم. الزهراءُ تحِنُّ للأميرةِ التي تَمنحُ القُبَلَ لمن يَشتهيها. وقرطبةُ مشتاقةٌ لمن يقرعُ السِّنَّ على من لم يَزِدْ خَطوةً أو خَطوتَين في وداعِ حبيبتِه. أمّا الذي باغتَ حبيبتَه ليضعَ كفّيه عند مُنقطعِ الخَصرِ فقد نالَ قصبَ السَّبْق.
العباراتُ شتّى، والمعنى واحدٌ لا يتغيّر. فإلى أؤلئك الذين عبّدوا دروبَ الحبِّ منذ سالفِ القرون، إلى طَرَفَةَ الذي وقفَ ببُرقةِ ثَهمد يَندبُ الطلولَ وإلى كلِّ طرَفة، إلى خولة، وإلى كلِّ من سكنتْ شَغافَ قلبِه خوله، أقول:
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى تَوجَّهتْ 
ركائبُه فالحبُّ ديني وإيماني.

مقتطفات
ففي اليوم الأول من يناير وتحت برج الجدي نقرأ هذا النص الشعري لابن عربي الذي يعبر عن خيار فكري وروحي لا لبس فيه: 
لقد كنتُ قبل اليوم أُنكِرُ صاحبي
إذا لم يكنْ ديني إلى دينه داني
فقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ
فمرعى لغزلانٍ وديراً لرهبانِ
وبيتاً لأوثانٍ وكعبة طائفٍ
وألواحَ توراةٍ ومصحفَ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهت
ركائبهُ فالحبُّ ديني وإيماني
وفي اليوم الثاني من يناير نقرأ لبلبل الغرام الحاجري:
جَسَدٌ ناحِلٌ وَقَلبٌ جَريحٌ
ودُموعٌ عَى الخدودِ تسيحُ
وحَبيبٌ مُرُّ التَجَنّي وَلَكِن
كُلُّ ما يَفعَلُ المَليحُ مَليحُ
يا خَلِيَّ الفُؤاد قَد مَلأ الوَجد
فؤادي وبرَّح التبريحُ
جُدْ بِوَصل أَحيا بِهِ أَو بِهَجرٍ
فيه موتي لعلني استريحُ
كَيفَ أَصحو هَوى وَطَرفُكَ كاسٌ
بابليٌّ يطيب منه الصبوحُ
أَنتَ لِلقَلبِ في المَكانَةِ قَلبٌ
فيه موتي لعلني استريحُ
ولروحي على الحقيقة روح
بِخُضوعي وَالوَصلُ مِنكَ عَزيزٌٌ
وانكساري والطرف منك صحيح
رِقَّ لي مِن لَواعِجٍ وَغَرامٍ
أنا منه ميت وأنت المسيحُ
قَد كَتَمتُ الهَوى بِجُهدي وَإِن دام
علي الغرام فسوف أبوحُ.
وفي اليوم السابع نقرأ لأبي تمام:
وَقَفوا عَلَيَّ اللَومَ حَتّى خَيَّلوا
أَنَّ الوُقوفَ عَى الدِيار حرامُ
ما مَرَّ يَومٌ واحِدٌ إِلّ وَفي
أَحشائِهِ لِمَحِلَّتَيكِ غَمامُ
حَتّى تعَمَّمَ صُلعُ هاماتِ الرُبا
مِن نَورِهِ وَتَأَزَّرَ الأَهضامُ
وَلَقَد أَراكِ فَهَل أَراكِ بِغِبطَةٍ
وَالعَيشُ غَضٌّ وَالزَمانُ غُامُ
أَعوامُ وَصلٍ كانَ يُنسي طولَها
ذِكرُ النَوى فَكَأَنَّها أَيّامُ
ثُمَّ انبَرَت أَيّامُ هَجرٍ أَردَفَت
بِجَوىً أَسىً فَكَأَنَّها أَعوامُ
ثُمَّ انقَضَت تِلكَ السُنونُ وأهلُها
فَكَأَنَّها وكَأَنَّهُم أَحلامُ
وفي الثامن عشر من يناير نقرأ لعمر بن ابي ربيعة هذه الابيات الحسية:
فَوَضَعتُ كَفّي عِندَ مَقطَعِ خَصرِها
فَتَنَفَّسَت نَفَساً ولَم تَتَلَهَّجِ
مِنّي وَقالَت مَن فَلَم أَتَلَجلَج
فَلَزِمتُها فَلَثِمتُها فَتَفَزَّعَت
قالَت وَعَيشِ أَخي وَحُرمَةِ والدي
لَُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إِن لَم تَخرُجِ
فَخَرَجتُ خَوفَ يَمينِها فَتَبَسَّمَت
فَعَلِمتُ أَنَّ يَمينَها لَم تَحرَجِ
فَتَناوَلَت رَأسي لِتَعلَمَ مَسَّهُ
بِمُخَضَّبِ الأَطرافِ غَيرَ مُشَنَّجِ
فَلَثَمتُ فاها آخِذاً بِقُرونِها
شُربَ النَزيفِ بِبَردِ ماءِ الحَشرَجِ.
وفي اليوم الخامس عشر من شهر ديسمبر وتحت برج القوس نقرأ هذه المقاطع من رائعة طرفة بن العبد التي يستمد منها الكتاب عنوانه:
لِخَولَةَ أَطالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم
يَقولونَ لا تَهلِك أَسًى وَتَجَلَّدِ
وَفي الحَيِّ أَحوى يَنفُضُ المَردَ شادِنٌ
مُظاهِرُ سِمطَي لُؤلُؤٍ وَزَبَرجَدِ
خَذولٌ تُراعي رَبرَباً بِخَميلَةٍ
تَناوَلُ أَطرافَ البَريرِ وَتَرتَدي
وَتَبسِمُ عَن أَلمى كَأَنَّ مُنَوِّراً
تَخَلَّلَ حُرَّ الرَملِ دِعصٌ لَهُ نَدي
سَقَتهُ إِياةُ الشَمسِ إِلّ لِثاتِهِ
أسف ولم تكمد عليه بأثمدِ
وَوَجهٌ كَأَنَّ الشَمسَ حَلَّت رِداءها
عَلَيهِ نَقِيُّ اللَونِ لَم يَتَخَدَّدِ.
أخيرا نذكر أن هذه الانطولوجيا العشقية صدرت عن منشورات ‘دار السويدي’ في أبوظبي- 2013.

* القدس العربي

شاهد أيضاً

العدد 40 من مجلة ذوات: الإسلام السياسي وأزمة الانتماء

خاص- ثقافات *عزيز العرباوي كعادتها، تجتهد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية في طرق مواضيع ثقافية وسياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *