الرئيسية / إضاءات / الشاعر المكسيكي سابينس: ثائر جمهوري ومغامر لبناني

الشاعر المكسيكي سابينس: ثائر جمهوري ومغامر لبناني


*غدير أبو سنينة

خايمي سابينس واحد من أشهر شعراء المكسيك، بل من أشهر شعراء قارة أميركا اللاتينية والأدب الأسباني عامة. ابن لمهاجر لبناني من قرية صغبين في قلب البقاع. شاعر فذ، يصلح أن يكون شخصية روائية لأعمال تنتمي إلى الواقعية السحرية.

كان عليّ، لإعداد هذا التحقيق عن الشاعر خايمي سابينس، أن أسأل عنه صديقته الشاعرة المكسيكية أمبر باست التي كان أول من حرَّضها على الكتابة ونشر لها. ولأن علاقة شخصية تربط بينها وبين عائلته، فقد أوصلتني بابنه الكبير خوليو الذي ردَّ علي ردّاً مهذّباّ لكنه رفض في نهايته الحديث عن والده. فيما بعد توصلت إلى ابن آخر من أبنائه الذين لا تذكر المواقع الإلكترونية وجودهم، إذ أنها تكتفي بذكر أبنائه الأربعة من زوجته السيدة خوسيفينا.
خايمي سابينس كوردوبا، أحد الأبناء الإثني عشر الذين أنجبهم الشاعر خايمي سابينس من أربع نساء مختلفات. كان لي معه حوار طويل حدثني فيه عما روته له أمه وإخوته عن والده الذي لم يلتق به إلا في مناسبات قليلة، إذ فارقه والداه وهو في عمر الخامسة، ولم يلتق به إلا في عمر الثامنة عشرة عندما كان نائبا في البرلمان المكسيكي ثم قبل وفاته بأسبوع. وعلى الرغم من أن علاقة الشاعر سابينس كانت فاترة بأبنائه، إلا أنّه قد عرف عنه محبته وتعلقه بأبيه الذي هاجر مع والديه إلى كوبا ومن ثم إلى المكسيك.
خوليو سابينس، أو صغبيني الأب، ولد في لبنان وهاجر مع أبويه وأخويه إلى كوبا. عام 1914 انتقل إلى المكسيك، حيث انضم إلى الثورة والتحق بالجيش الجمهوري، وتزوج من فتاة تنتمي إلى عائلة عريقة هي لوس غوتيريس ميغيل، حفيدة حاكم توكستلا غوتيريس، خواكين ميغيل غوتيريس.
• لبنان في الشعر
تأثر خايمي سابينس بوفاة والدته وكتب عنها قصيدته “السيدة لوس”، لكن قصيدته العظمى على الإطلاق تلك التي كتبها عن موت والده، ” شيء ما عن موت الرائد سابينس”، يقول فيها:
“دعني أستريح، / وأرخي عضلات قلبي / وأن أنوّم الروح كي تتحدَّث،/ كي تتذكَّر أطول أيام الزمن هذه/ بالكاد تنقّهنا من المتاعب/ ونحن ضعفاء، مفزوعون،/ نستيقظ مرتين أو ثلاث من حلمنا القصير/ كي أراكَ في الليل وأعرف أنك تتنفس/ نحتاج للنهوض كي نكون متيقظين / من هذه الكوابيس الغاصّة بالناس والإزعاج/ أنت الجذع المنيع ونحن الأغصان،/ ولهذا فإن هذه الضربة تهزنا/ أبداً أمام موتك لم نتوقف لنفكر بالموت/ ولم نرك مطلقاً إلا كقوة أو فرح/ لسنا متأكدين، لكن تحذيرا متواصلا يصلنا فجأة/ سيف فارُّ من فم الرب/ يسقط ويسقط ببطء/ ولا بد أن نرتجف هنا من الخوف/ أن يُغرقنا البكاء الذي يحتوينا/ وأن يشد الخوف على حلوقنا”.
تبدأ رحلة الشاعر خايمي مذ بدأت رحلة والده خوليو، فإن كان خوليو قد ولد في لبنان فإن لبنان ولدت في خايمي، إذ نقل الأب قصص لبنان الشعبية وأهازيجها إلى إبنه الذي سيغدو شاعرا من نوع خاص. تأثر خايمي بحكايا علاء الدين والسندباد، وحدَّث أبناءه عن ذلك. فيما تذكر صديقته الشاعرة أمبر باست، التي كانت تزوره مرة في الأسبوع لمدة عامين ونصف العام في منزله في العاصمة المكسيكية، أن مائدته لم تكن تخلو من الأطعمة اللبنانية، التي يقول إبنه خايمي إن أباه هو من كان يعد المأكولات اللبنانية التي تعلمها بدوره من الرائد سابينس.
وكما كانت حياة الرائد سابينس مليئة بالمغامرات والأحداث فقد كانت حياة ابنه كذلك. عام 1914، هاجرت العائلة من لبنان إلى كوبا، مع أبنائها، إبراهيم وريمون وخوليو (والد الشاعر خايمي)، توقفت السفينة في جزر المارتينيك لوقت محدود يقوم به الإخوة الثلاثة الذين كانت تتراوح أعمارهم ما بين 13 و17 عاما، بالنزول منها والتجول في الجزر، فتنطلق السفينة قبل أن يدرك الوالدان أن أبناءهما ليسوا على متنها. لكنهم يلتقون بعد مدة قصيرة في كوبا بمساعدة امراة فرنسية لم تتركهم حتى التقوا جميعاً في كوبا.
بعد فترة، تبرز الروح الثورية في خوليو، الإبن الثالث، ويهاجر إلى المكسيك منضمّا إلى ثورتها… هنا يتوقف الحفيد خايمي سابينس كوردوبا ضاحكا ويعقب، أن العائلة هاجرت كي لا يحارب أبناؤها في حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل لكن القدر ونكاية بها سيسوق ابنها خوليو ليكون رائدا في الجيش الجمهوري لاحقاً.
• شتات عائلي
لا أحد يعلم على وجه الدقة لماذا يُصر خايمي سابينس على تسمية أبنائه بأحرف تبدأ بحرف الخاء أو الخوتا بالأسبانية، ولماذا سُمِّيَ أكثر من ابن له باسمه خايمي، وقد كان ابنه “خايمي سابينس كوردوبا”، من تعاون معي من أجل هذا التحقيق عكس بقية الإخوة الذين أرسلت لهم ولم يبدوا استعدادا للتعاون. عن علاقة الإخوة ببعضهم وبوالدهم، يقول خايمي الإبن، إنه لم يتفهم نفسية الوالد الشاعر إلا بعد أن قرأ له أشعاره عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره.
فقد انفصل الوالدان عن بعضهما عندما كان عمره خمسة أعوام، تاركا لوالدته أربعة أبناء، ولامرأة سابقة ثلاثة، عدا أبنائه الأربعة، خوليو، خولييتا، خوديت وخاسمين، ثم ابنة أخرى تدعى آنا من امرأة أخرى.
وربما يكون عدد الأبناء أكثر، لكن على الأقل هؤلاء يعرفون بعضهم ويتواصلون فيما بينهم، وإن كانت علاقتهم مع إخوتهم من زوجته السيدة خوسفينا ليست قوية أو مقطوعة نسبيا.
كان الشاعر خايمي سابينس يلتقي أبناءه من نساء أخريات في العمل، حيث كانوا يزورنه هناك أو في أمسياته الشعرية. لكنه لم يكن متحمسا لكل هذا العدد من الأبناء، عندما سألت خايمي الإبن عن موقف إخوته، أخبرني أنه في لحظات سابقة كان تنتابه مشاعر اللامبالاة وربما الحقد تجاه الوالد الذي أهمل تربيته، وهذا ما ينتاب جميع الأبناء حتى الذين بقي معهم من زواجه الشرعي من السيدة خوسيفا.
قال إنه يتفهم موقف إخوته وهم يعيشون في كنف والد صارم جدّي وفي نفس الوقت معروف عنه علاقاته الغرامية مع كثير من النساء، وأبناء مشتتون هنا وهناك. لم يكن حالهم بأفضل من حالنا.
إلا أنه كان يقضي معهم وقتا أكثر بحكم أنه كان متزوجا رسميا من والدتهم. وربما مرد عدم تعاونهم أنهم لا يريدون الإتيان على ذكر الوالد وطي هذه الصفحة، فهم قليلا ما ينشرون أعماله أو يقومون بنشاطات تتعلق بنتاجه الشعــري، وهم المخولـون قانونيـا بذلك. حتى أنهم أقاموا دعوى على كتـاب صــدر في المكسيك عن حياة الشاعر خايمي سابينس، ويأتي على ذكـر علاقـاتــه النسائيـة وأبنائـه الكثر، الأمـر الـذي استهجنتـه زوجتـه وأبنـاؤه منها ليمتنعوا عن الإدلاء بأي تصريح عنه.
خايمي سابينس كوردوبا، محاضر علوم سياسية في الجامعة الوطنية المكسيكية، مهتم بالشأن الثقافي وخصوصا فيما يتعلق بنتاج والده الإبداعي وبأصوله العربية. لقد كان حريصا على معرفة باقي إخوته وسماع ما عرفوه عن والدهم لتكون صورة الوالد في ذهنه هي صورة الأديب والشاعر الذي كغيره من الفنانين سيقوده جنونه إلى أماكن أخرى بعيدة عن القيود العائلية.
• الشعر و السياسة
أمبر باست التي عرفته في نهاية السبعينيات تروي كيف تعرفت على ذلك الشاعر الذي كان معروفا بمد يد المساعدة للجميع، ففيما كانت تقوم بمشروع ثقافي سمع عنه سابينس، أرسل للقائها مع سائقه، ولأنها كانت تعلم جيدا حبه للنساء، فقد أصرت أن يرافقها صديق.
عندما رآها سابينس سألها: هل أنت مغرمة بصديقك؟ لتجيبه: بل مغرمة بزوجته! الإجابة التي لفتت نظر الشاعر ليلح عليها أن تكتب لأنه قرر أن يتبناها، وكان ذلك، فقد كان سابينس من ساعدها في نشر عملها الأول خلال عمله كنائب في البرلمان المكسيكي. على عكس ما قد يظن البعض أن سابينس كان مثقفا سياسيا، تروي أمبر باست ويؤكد ابنه خايمي، أنه لم يكن كذلك أبدا ولم يكن مولعا بالسياسة.
يحكي ابنه كيف أنه درس الطب لمدة أربع سنوات إرضاء لوالده الذي كان يسمعه يقول إنه يريد طبيبا في العائلة، وأثناء إجازته بعد السنة الرابعة وجده الأب حزينا بائسا، وعندما سأله عن السبب قال إنه لا يحب الطب. فقال له والده: إذا لم درسته؟ فأجاب خايمي: لأنك قلت إنك تريد طبيبا في العائلة، فرد الأب: لكنني لم أقل إن هذا الطبيب هو أنت.
وهكذا انتهت رحلته مع الطب ليدرس الأدب والفلسفة في الجامعة الوطنية المستقلة في العاصمة المكسيكية. يعود بعد انتهاء الدراسة إلى مدينة شياباس، هذه المدينة التي يقال إن كل شخص فيها هو شاعر حتى يثبت العكس، يتعايش شاعرنا مع سكانها الأصليين، يتماهى مع أشعارهم، ويمضي وقته في المتجر، بصحبة قلم وورقة، يدون أشعاره على المصطبة الخشبية، أو على لفائف القماش، التي ينتهى به الأمر منها إلى إهدائها إلى الزبائن من السكان الأصليين الذين كان يتعاطف مع أحوالهم الاقتصادية السيئة.
• برلماني عمله الأساسي دعم الثقافة
وكما أغوت السياسة الأب خوليو الذي انضم إلى الجيش الجمهوري وشارك في الثورة حتى أصبح “الرائد خوليو”، فقد كان الإبن خوان محنكّاً على المستوى السياسي، لذلك فقد تدرج في المناصب السياسية حتى تقلد منصب حاكم ولاية شياباس، بالرغم من أنه لم يكمل تعليمه، ولذلك فقد كان عليه أن يستعين بأخيه الشاعر والكاتب خايمي سابينس الذي قال فيما بعد إنه استخدم اليد اليمنى لكتابة الشعر واليسرى لكتابة الخطب السياسية.
لقد كان حب الناس للشاعر خايمي سابينس ما استخدمه أخوه وساسة آخرون لإقناعه بالترشح للانتخابات البرلمانية، بالرغم مما عرف عن لامبالاته بالسياسية، إلا أن الشاعر اشترط عليهم أن يكون عمله الأساسي دعم الثقافة، لذلك فقد عرف عن الفترة التي كان نائبا فيها وجود مكتب في البرلمان يختص فقط بشكاوى الشعراء والكتاب. فقد جلب آلات طباعة من إيطاليا، ودعم عددا من المشاريع الثقافية، ونشر لكثير من الشعراء والكتاب، وتبنى الشعراء الشباب، كما اهتم بمشاكلهم الصحية والاقتصادية.
_______
*(ميدل ايست أونلاين)

شاهد أيضاً

ترويض النفس

خاص- ثقافات *الدكتورة سمر الشامسي النفس عند أرسطو جوهر، لكنها جوهر ذو أنواع مختلفة، فقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *