الرئيسية / مقالات / ذاك الرجل..!

ذاك الرجل..!


خليل قنديل *



الرجل الذي التقاني للتو في زحمة قاع المدينة في عمّان، وتحديداً في منطقة سقف السيل، بدا عليه التعب والإرهاق وفقدان اليقين، والرجل الذي اكتشف أن جلوسي على مقعد على حافة الرصيف يغري بالتحدث في موضوعات سميكة، خصوصاً عندما سألته إن كان يعاني بعض الأمراض. الرجل الأربعيني بدا مبتهجاً كونه حصل ضمن هذا الازدحام على إذن تقبل الاستماع إليه!

الرجل قال لي بوضوح موجع إنه يعاني منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي من ضجة الأخبار التلفزيونية، وتنوع المصادر وتشتتها، ومن زلزلة اليقين الوطني والانتمائي! وإنه ما إن يصل الى قناعة ما ويحاول الإمساك بها حتى تجيء قناعة أخرى تزلزل تلك القناعة لتحل محلها!

الرجل توقف فجأة عن السرد، وآثر أن يعرفني إلى وضعه الحياتي ربما كي ينجو من أسئلة من الممكن أن أطرحها عليه. الرجل حدثني عن وضعه المادي المريح، وأنه يستطيع ان يحصل على دخل جيد دون أن يضطر للعمل.

الرجل قال لي: المشكلة ليست هنا بل في شلال الدم العربي الذي بدأ يتدفق في عواصم عربية مثل بغداد والقاهرة ودمشق واليمن وبيروت، موضحاً أن مشكلة هذا الدم أنه يهدر بأيد عربية! والمشكلة أن العالم الغربي، وإسرائيل تحديداً، اكتشف فجأة أننا نمتلك طاقة عمياء ومدمرة في الاقتتال بين بعضنا بعضاً، دون حاجة إلى أن يفعل هذا فينا الغرب أو إسرائيل.

الرجل قطع حديثه فجأة وقال بصوت لا يخلو من إيقاع الرغبة في البكاء: أتعرف يا عمي الحاج أن كل ما نفعله أننا ننجب الأطفال كي يتحولوا الى وجبات من الشهداء، ولا أخفيك أنني أقوم يومياً بتوديع أطفالي هؤلاء الذين أنجبتهم وأقوم بطقوس العزاء استعداداً وخوفاً من براميل بارود وأسلحة كيماوية تمتص الأوكسجين من أنوفهم وتقذفهم نحو الموت اختناقاً، أو من مجازر جماعية يكون همها الأول التمثيل بالأطفال! وهنا انتفض بدن الرجل وهو يقول: مادمنا لا نمتلك القدرة على الحفاظ على أرواح أطفالنا فلماذا ننجبهم إذن؟

المهم يا عمي الحاج أن جلوسي مدة عامين متتاليين أمام جهاز التلفاز، إضافة إلى الانفعالات التي أصرفها من أعصابي لكل مشهد قد أورثا عندي حالة توتر دائم وارتخاء في العضلات وأمراضاً مزمنة في العمود الفقري، إضافة الى عدم قدرتي على حمل «3 كيلو»!

الرجل انتفض جسده فجأة، ونهض ومدّ يده كي يودعني وهو يعتذر، فقلت له «بدري يا رجل»، ابتسم بأسف وهو يقول: قلبي يحدثني أن التلفزيون يتحدث الآن عن مجزرة جديدة. الغريب وأنا أتتبع الغياب التدرجي للرجل في زحمة قاع المدينة كان الصوت المتطاير من نشرة الأخبار يعلن عن مذبحة جديدة في غوطة دمشق قتلت ما يزيد على 1000 طفل بسلاح كيماوي!

وكان علي لحظتها أن أبدأ في التفكير في أزمة ذاك الرجل التي ربما تكون أزمتنا جميعاً!

– الامارات اليوم
* قاص من الأردن

شاهد أيضاً

الذات الجماعية أخطر سلاح نووي

خاص- ثقافات *عدنان الصباح لولا استعداد ملايين الفقراء المظلومين للانخراط بجيوش الطغاة والموت في سبيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *