الرئيسية / نصوص / في صحبة رامبرانت بمقهاه

في صحبة رامبرانت بمقهاه


*يحيى الناعبي

لم يكن يضايقني مشهد القمر مكتملا وهو يتلصص عليّ من عليائه في ذلك الفجر البارد عبر نافذة الغرفة، كنت منتشيا وأنا أمسح أدران ما تبقى من شوائب الرحلة، بأن تفاجئني الغيمة التي أنتظر بحليبها الصباحي ، حينها أعلن أنني قد بدأت نهاري في المكان الذي أتوقع ، متيقظا كعين النسر حين يمسح المكان لنصب فخاخ فريسته، إلا أن المكان له قبلته بالجمال بأية حالة هو عليها، فهالني بهاء ذلك المشهد المكتمل وهو يستقبل طفولتي العذراء في البحث والسؤال، وأنا أحشد كل خواصي بجنون وشوق، وشعرت في تلك اللحظة بأن شيئا ما ينتحر أمامي ويتلاشى، ربما أريد للطفولة أن تستقبل هذا المشهد وأن السنوات التي تلتها تبخرت هذه اللحظة، كان عليّ أن أستعيد إحدى الصرخات التي توقظني وأنا أشعر بأنني في قبر الكآبة أو الدهشة ، ولكن لم أجرؤ على ذلك حيث إن للطفولة التي أتلمسها في هذا الجسد ميزانها الكبير والذي يضيّق حنجرة الآدمي المتمرد، على أوابد التحجر في السلوك والمعيش بطغيانهما هناك.

رامبرانت .. صباح الخير .. هل شربت قهوتك أم تنتظرني لألقي عليك التحية وتسمع مني قصتي مع الفجر المخاتل ببهاء قمره وقسوة محبته ووده؟ ولكن كيف له كل ذلك وأنا أهتديت كالأعمى إلى مقهاه أتبع خطواتي الطفولية حتى ينهكها التعب .. إذن المقهى هو من كان يناديني إليه.
أعلم أنني كثيرا ما شربت القهوة وأنا ممد ببصري نحو تلك الزرقة لخليج عمان التي لا يحدها سوى الرغبة في معرفة دقائق تفاصيلها في أعماقها وتاريخها، وهي تحيطني بذلك الدفء الرحب، وإلا لكنت قد أعلنت انتحاري عبر الموت البطيء كل يوم، ولكن غالبا ما يضمّ حيواتنا وأسرارنا المنكسرة أمام أمواجه، ليرحلها نحو الأمل في ما وراء الضفاف الأخرى، فيمتص منّا تلك النمائم المتبلدة والرابضة في أفئدتنا.
لكن قهوتي هذا الصباح على معبر بين جدولين صغيرين وفوق قناة تعبّر عن تاريخ صناعتها وهندستها البشرية، تشبه أيقونات كبيرة في مسرح دون أن تحتكر فضاءها الجدران والمباني وإنما هي خيال هندسي للحياة، على أرضية تتشرب من جداول النهر، ويمسح سطحها بكاء السماء المتواصل، كان جسدي مبللا في داخله بالحنين إلى اكتمال الروح، ونزعة إلى الموسيقى التي خفتت كثيرا، في مراحل شتى، ولذلك لم أحمل معي مظلة أقتي بها مخاتلة السماء، فأسلمت عصافيري لتلك الشجرة الوارفة في أن تبني أعشاشها كما تشاء، ولن أبحث عميقا عما قد يكون مخبئا، حتى لا أرهق نفسي، وأنا لا أزال في مطلع النهار وأوله، فورائي خارطة طريق على خلاف الساسة والكذابين والموهومين وأرباب الأطماع بالأسماء المستعارة والأهداف النبيلة، هي رحلتي القصيرة في البحث عن الله عبر مخلوقاته جميعا، ابتداء من القهوة ببخارها ورائحتها وانتهاء بالغيب الذي يكمن في سر الموت والحياة وما بينهما من برزخ وجودي، في كينونتي العابرة.
إذن سأترك رامبرانت يشرب قهوته ولن أزعجه الآن، ربما من طقوسه أن يكون مفتتح يومه في التفكير بلوحة جديدة، أو تلك التي أقلقت وجوده عند أول ضربة فرشاة له ولم يكملها حتى اللحظة، أو حتى ما يكون بما يفكر فما شأني أنا به في هذه اللحظة سوى أن أحترم جلوسه، ولأبدأ في السؤال عن نفسي، ولكن حتى لا أرهق تفكيري أحاول البدء بالمحيط بي، ألا يجدر بي أن أوهم نفسي بأني فيلسوف حالي على الأقل، ألا يحق لي أن أطعن ذلك التكلس الذي تراكم عبر سنوات كأنها قرون بسبب الامتناع عن البحث في أرخبيل الحياة وأغوارها بحجج لفظها العقل والمنطق والاستسلام للعقائد البائدة، وأن أهشمه حتى أستطيع أن أرى جيدا من العمق.
لماذا لا أفكر بالمارة أمامي، فكم من مئات الأقدام حتى هذه اللحظة عبرت أمامي دون أن أوليها اهتمامي، إذن أين مبدأ الفضول الذي أدعيه، وكيف لي ألا أتساءل لماذا هذه المرأة التي تجلس بجانبي أرادت أن تكون هنا في هذا المقهى بالذات لتشرب قهوتها، فإنه ولله العلم أخمّن كما يخمن الساسة ورجال الدين، أنها قد قضت ليلتها وهي تتعارك مع رفيقها أيّ كان، لأنه من ملامح وجهها متوترة وقلقة، ولكن العجيب ومن المفارقات أنني أظنها في قمة التوتر، وأنا من يضرب بقدمه اليمنى على حجر الإنترلوك لا إراديا، يا لغموض الحياة فعلا!!، دعك منها لا يستوي فتح النقاش مع وجه أنهكه الليل بالصحو دون النوم، فهناك وجوه كثيرة مبتسمة، وهي في طريقها أن تصيغ نهارها بالفرح مثلي، حتى وإن كنت أدعي ذلك . ومن البلادة التي نقع فيها غالبا أننا نقمع أهواءنا ظنا منّا أنها مخالفة لقيمنا ومبادئنا فنوئدها في قبور حياتنا، دون أن نفكر أنها من أنفسنا وأن علينا أن نعطيها قليلا مما نمارسه، يا لهذه الشعوب المنكوبة فعلا. وأتذكر جملة عابرة تقول : “ يجب علينا ألا نأسف على عمل قمنا به وإنما على عمل لم نقم به “.
إذن ليس علي أن أفكر حتى في المشهد الذي أمامي، بالرغم من أنني أود أن أتحدث عنه قليلا لأريح ذاتي. هل يحق لي أن أكون هنا ؟؟
كيف يتسنى أن تكون أجسادنا في مكان ما تأكل وتشرب وتمارس طقوسها التي خلقت بها، في حين نكتشف أن أرواحنا في أماكن أخرى، حتى في صمتنا تكون حريتنا موهومة. لذلك أرغب الآن في أن أسمح لنفسي بإلقاء التحية لهذا الفنان، وأن أطلب منه أن يصحبني لمرسمه، فلا ضير أن نزور متاحف الأموات ؟ طالما أننا نزور أمواتا ونحن نظنّهم أحياء، حيث يبادلوننا الأفكار والمشاعر، والعجب في السؤال: من اين يأتون بتلك الدموع أو ذلك الفرح ومن يسوي لهم حركاتهم وينظمها؟ دعك من ذلك والتفت إليه حتى تثير انتباهه.
عجبا لقد ذهب رامبرانت ولكن كوب قهوته لا يزال في نصفه، لا بد أن أنتظر وأمشط المكان ببصري فقد يكون قريبا ما .. لا جدوى.
أسأل النادلة: هل أنهى الفنان رامبرانت قهوته وذهب تماما؟ أم أنه في الجوار وسيأتي؟ فتجيب: هل أعجبتك قهوتنا ؟ شكرا لك على الإطراء، إذن من المؤكد أننا ننتظرك مرة أخرى. أعتقد أنها لم تفهم سؤالي لذا أكرره لها بصيغة مشابهة. هل ذهب الفنان رامبرانت؟ تجيب : لا أعرف فنانا بهذا الاسم؟ فأشير لها بالجالس في تلك الطاولة قبل قليل. فتبتسم نهارك سعيد هذا الفنان قد رحل منذ ثلاثة قرون ونصف تقريبا، أتعجب !! فتستدرج حيرتي لطفا منها حتى لا يبدأ نهاري بالدهشة الكبرى فهي ترى أنه أمامي نهار طويل وسأندهش كثيرا في هذه المدينة، ورأفة بي أجابتني وروحها تنتفض حنانا كما هي السماء في تلك اللحظة حيث بدأت تبلل ملابسي بقطراتها، فقالت: كانت تلك لوحته نقلناها للداخل خشية المطر، ألا ترى بأن الغيوم قد بدأت تتلبد في السماء، نهارك محظوظ يا عزيزي أنه يوم ماطر وبحسب أخبار الطقس سوف يكون النهار بكامله ممطرا وملبدا. شكرتها وأنا في غيبوبة ما حدث وطلبت منها الحساب ودسست الكتاب الذي كان بصحبتي وقد بدأ لتوه يتبلل بماء السماء في سترة الجاكيت، دفعت الحساب ومددت بخطواتي ماسكا خارطة المكان التي أعطاني إياها موظف الاستقبال ذو الملامح التي تشير إلى أواسط آسيا. وحيث إنني لم أكن أحمل مظلة كانت خطواتي تعزف لحنا قد رسمته لها قطرات المطر بين البطء والسرعة بحسب معزوفة السماء، منتشيا وأنا أنظر إلى المارة من أمامي وأردد أغنية الراحل طلال مدّاح:
“يا طفلة تحت المطر .. تركض واتبعها بنظر
تركض تبي الباب البعيد .. وتضحك على الثوب الجديد
ابتل …. وابتل الشعر”،
وأتخيل كم كان صادقا في إلقائه ومعبرا جدا، لأنني ارددها وأنا أمشي تحت المطر وهنّ بغنج يتسارعن وينسجن بخطواتهن ثوب الفرح، ولكنني لا أعلم إن كان بابهن بعيدا أو قريب، إلا أنني أعلم بأنني أبحث عن باب في الجوار لمتحف بيت رامبرانت، حيث إن هناك أسئلة كثيرة أبحث عن الإجابة عنها هناك.
____________
* شاعر وأديب من عُمان 
جريدة(عُمان)

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *