الرئيسية / مقالات / لا تبتعد أيها السيد المهذب

لا تبتعد أيها السيد المهذب


*أحمد هاتف

حزن بارد وكأس من أرق… هكذا أتقاسم الليل مع الذكريات.. لا أحد في الــهناك، كأن الشمس أختطفها العشاق، وكأن السجائر أسراب هدايات.. وجهك يطالعني في المكتب المجاور.. في المقهى البعيد.. على حافة فنجانك الذي لا يكف يمتلئ ويفرغ…. كنت تتبرم من الهواء، ولون الملابس، والمارة خلف الزجاج، والزيارات الثقيلة.. والجرائد.. ومني أحيانا… وماكنت تكف عن الضحك.. بربك كيف للزعل أن يرتدي قبعة من ضحكة، وقميص من تهكم، ولون عيون كابية على الأرجح..؟… لست أدري.. كنت تسبقني دائما بساعة.. وتتبرم من دلالي.. من عطري.. من ملابسي التي تظن أنها أغلى.. وكنت أضحك.. وأقول لك ” يا مسرف “… فيتقهقر الزعل وتتدفق سواقي ضحكاتك.. وينهمر الحديث طويلا في خوابي الأيام.. لقد رأيت حياتك كلها في ذلك المكتب يا صاحبي.. وجوه نسائك، وألوان عطرهن، وقمصان أيامهن.. حتى أني صرت أعرف رائحة كل جسد لونت أيامك به.. كنت أدقق في الأصغاء لمشاريعك الجنونية، لأحلامك التي تهتز لها الأيام، لصوتك الذي يعبر العواصف مدللا… ” ألن ينتهي الدوام ” سؤالك الأبدي يا عبد الستار.. بوسعك أن تخرج دائما… ففي فمك عذر لا تدركه العقول، ولا يُرد.. لك أن تغادر… كنت تغادر لتستعيد بدلتك البيضاء وقمصانك الملونة، والجينز الذي تحبه.. تستعيد ذاك الطائر القادم من الطاطران، والتي ظلت تلاحقك أبوابه الى الأبد.. لم تكن تكف عن البحث عن تلك الوجوه التي كنت تحلم بها خلف الأبواب.. كنت تريد أن تجر الزمن من ياقته لتعبر تلك الأبواب الى أسرار الداخل… كان ذاك حلم الولد الأشيب الأنيق.. العابث في الجملة.. الصادم دائما في نهاية الحكاية.. المتهكم من شرطي الأمن، الرافض لتجميد الحناجر.. كنت على خلاف ليس مع النظام.. كنت على خلاف مع الولد الذي لا يريد أن يكبر.. وربما فهم النظام ذلك فتركك تقول ما تريد.. أم أنك بنبرتك الملونة أطربته، لست أدري ولم نناقش ذلك يوما… كنت تخبرني.. في رأسي حكاية أبنة كلب… وكم نامت في ذلك الرأس بنات كلب… ويا لها من صادمة حين تستيقظ على الورق.. لا أريد أن أعكر صفوك بحكايات.. أريد أن أرسم وجهك بين شبابيك الأيام… فلم تسنح لي فرصة الكتابة عنك… أنا الآن أتساءل لماذا لم نكتب عن بعض.. لماذا كنا نتراشق مع بعض بكل تلك المحبة دون أن ندون هذا الحب.. ذات يوم تراشقنا بعنف.. وكنا نشرب القهوة قرب مقالينا على المكتب.. حين دخل صديق وصدم من ضحكاتنا.. تساءل ” هل تخدعوننا أذن “… قلت له أنت ” هو أحمد وأحبه “… قلت أنا ” أحب هجاء هذا الرجل لأني أحبه “… لن أنشر لكما أذن.. قال…. وخرج وهو يعجن بيدية الأسئلة… لابد أنه رآنا مجانين… نعم ألم نكن كذلك… أتذكر يوم فاجئتني بشتيمه أني ضحكت… حين قرأت أن سائق التكسي في المدينة البعيدة سألك هل وجد أحمد بيتا.. وقلت يا لك من وغد… عديم الرحمة… قلت وأنت سليط.. يا الله لماذا تقطف الزهور مبكرا… لماذا تأخذ لون السماء اليانع بكل هذه القسوة… ؟…. ألم يكن بوسعك أن تؤجل هذا الرحيل..؟…. لماذا لم تتركه يعود الى الطاطران.. كان يبحث عن سر الولد في الزقاق.. فلم لم تمنحه السر…. لست حزينا غير أن دموعي أبنة زنا تقتلني كما كان يقول ” بعشر سكاكين “… كان يقول لي ” يجب أن تحب الدومينو والقمار “… وكنت أستغرب… ” أنت تشبهني فلم لم تتورط مثلي “.. قلت أكره الزحمة والأصوات.. ورائحة اللاعبين.. ضحكت وشتمتني.. لابأس أيها الباسق.. سأنساها… هل تذكر عبد الستار… في جلستنا بعمان كان محمد شاكر السبع قاس يشتم النظام بكل الألوان وكان صديقنا رجل المخابرات الى جانبك.. وكنت تسألني كل دقيقة ” هل ستعود الى بغداد “… وأكرر القول بأني سأعود… حينها لم تحتمل وقلت ” سيسبقك صديقنا بتقرير ” ضحك رجل المخابرات وأقسم ألا يفعل… وأشترط أن ندعوه الى سهرة ليلية… وفعلنا…. في آخر الليل كنت تقنع الرجل بأن لا يعود… وكان يكابر ليهرب منك… ما أنا واثق منه أن الرجل لم يعد وفضل أن يجلس قبالتك ليلعب الدومينو.. حتى أخر قرش….

بضحكة كنت تعبر أوان الهم كنت تغوي الندى وتأتي ناعمة الى فمك… ما أوسع الورقة حين تكون أنت.. ما أوسع المدى حين يكون ظلك، ما أوسع الغناء حين يكون بلون جملتك… لن أتحدث عن أمجادك.. لأن الأمجاد بلا قلب بل سأتحدث عن قامتك، لأنها لطالما أغوت الغيم ليبللنا برشة مطر… ونتراكض كصبيين… كنا نجمين يا رجل.. نتبادل المحبة بعمق سر.. هل كانت الدنيا وارفة الى هذا الحد.. هل كان الوقت باسقا ؟… لست أدري.. فــ الذاكرة غالبا ما تضمر الموسيقى وتسقط الحجر… لا تحزن كلما في الأمر أني أفتقدك بوجع مسن يجلس في مقهى غادره الرواد….. كل ما في الأمر أن الهواء ثقيل… والورقة لم تعد تنجب النعناع… أنا أفتقدك.. ربما تباعدنا طويلا.. لكني كنت دائما أدرك أن السر في الورقة التالية…. يا اه ما أقسى السر هذه المرة يا صاحبي… قبلة على جبين غفوتك.. ونم قرير العين يا صاحبي..
سألوح بعطرك دائما عبد الستار ناصر.
________
*كاتب من العراق (العالم)

شاهد أيضاً

أجدادنا السوريون: في حضن الفينيقيتين الجميلتين

*منصف الوهايبي في أواخر سنة 2007، أيامًا معدوداتٍ، قبل أن ينام أبي نَومَتَه الأبدية، وجدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *