الرئيسية / قراءات / في مديح الغرور.. مفهوم فرنسي بامتياز

في مديح الغرور.. مفهوم فرنسي بامتياز


*

هل الغرور هو أحد الشرور؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الكاتب الفرنسي من أصل روماني، اندريه فييرو، في كتابه : في مديح الغرور. ويجيب ان الفترة الراهنة تتطلب بالضرورة من أي فنان، أن يتحلّى بالتواضع، إذا كان يريد أن يحظى في تصفيق الجمهور. ويعد أن كتابه “في مديح الغرور”، يمثل قبل كل شيء، بحثا في مكانة الفنان في العالم المعاصر.

المادة الرئيسية التي يعتمد عليها المؤلف في تحليلاته عن الغرور، مأخوذة من الأدب والموسيقى والفن وتجارب الحياة.. وكذلك من الذكريات الشخصية. هذا مع الإشارة الى أن المؤلف هو عازف بيانو شهير. والمرجعيات التي يعود إليها تمتد من الفيلسوفين سيوران وميرسيا إلياد، وكليهما من أصل روماني، وصولاً إلى الموسيقيين: باخ وموزارت، وغيرهما.
تمثل محتويات هذا العمل، مجموعة من الدراسات القصيرة التي يعد موضوع الغرور، الخط الناظم والقاسم المشترك بينها. وتأكيد المؤلف بأشكال مختلفة، على أن الغرور مفهوم فرنسي بامتياز. ويحدد اندريه فييرو القول ان الغرور يعني بالنسبة للفرنسيين، عددا من المترادفات التي شاعت في اللغة الفرنسية منذ الحقب القديمة حتى الوقت الحاضر. وبعض هذه المترادفات يعني: الفراغ والعبث وعدم الفائدة، التفاهة. وتحدث جورج سوريل عن العبث الصرف الذي يكرره أصحاب “البلاغة” في الأدب.
يشير المؤلف الى أن هناك فرقا كبيرا بين التفاخر والغرور. ذلك أن التفاخر يستند إلى رغبة دفينة في التفوّق على الآخرين. ويعبّر عن الحب المتفرّد للذات. أما الغرور فهو يعني، على العكس، رغبة اكتساب استحسان الآخرين. وبهذا المعنى شرح الفيلسوف هنري برغسون أن الغرور يحتوي في عمقه، على قدر من الإحساس في الدونية، وأن صاحبه يعاني من عدم الثقة في النفس. وهو بالتالي، في حاجة إلى مديح الآخرين، كي يتخلّص من ذلك الإحساس.
يشدد المؤلف على أن الموهبة هي ذات الشأن الأكبر، الفريد تقريبا، في مجال الفن. ذلك أنها، هي التي تبني حياة الفنان وتوجهه وتدفعه إلى اكتشاف ذاته. وفي المحصّلة، التي ترسم الخطّ الفاصل بين النجاح والفشل في حياته. وبهذا المعنى، يرى المؤلف أن من يمتلك موهبة لا بدّ وأن تظهر.
وعلى أساس الموهبة، يقيم مؤلف الكتاب نوعا من التراتبية والتصنيف الهرمي بين الكبير والصغير. أما الجدارة. فتمثل برأيه، محاولة لاكتساب موقع في التراتبية الاجتماعية يأخذ الإنسان مكانته فيها، تبعا لمجموعة من الظروف والمعطيات الاجتماعية.
ولكنها معطيات ليست فاعلة في مجالات الإبداع، وبالتالي تخصّ الفنانين والأدباء والموسيقيين. هؤلاء جميعا يمتلكون من التفاخر والتعالي قدرا يتعاظم أكثر فأكثر، كلّما قلّت الموهبة لديهم. وينقل المؤلف في هذا السياق عن الفيلسوف ايراسم قوله: “هؤلاء المجانين جميعهم، يجدون مع ذلك مجانين آخرين يصفّقون لهم”.
ومما يشرحه المؤلف، أن الغرور يحتوي في عمقه على قدر كبير من العبث. ذلك أنه يفتقد إلى بعدين أساسيين، أولهما الواقع والآخر هو القيمة. وعلاقة الغرور بهذين البعدين يجدها المؤلف ضربا من الوهم. والتعلّق بـالغرور هو إذاً، تعلّق بالوهم.
ويتعرّض المؤلف في هذا السياق إلى انتشار ظاهرة الغرور بين البشر، لافتا الى أن الكثيرين يميلون إلى إخفاء غرورهم. فعالم الاجتماع جاك روستان، مؤلف كتاب “الإنسان” يؤكد أننا “نعتقد دائما أن الآخرين هم أقل غرورا مما هم عليه في واقع الأمر. وضمن المنحى ذاته، كتب فريديريك نيتشه: “إن غرور الآخرين لا يصدم ذوقنا إلاّ عندما يصدم غرورنا”.
ويربط المؤلف الغرور في مساهمات هذا الكتاب، بالافتقار إلى الموهبة وإلى العمق الفكري ونقصان الكفاءة. ذلك على أساس أنه تعبير عن ميل للتعويض من عجز ما. وبالوقت نفسه، ترجمة لمثل شائع يقول: “كلما قلّ العقل كثُر الغرور”.
المؤلف في سطور
اندريه فييرو. كاتب فرنسي من أصل رومانيّ. من مواليد مدينة بوخارست. هاجر من بلاده ليقيم في فرنسا قبل سقوط نيكولاي شاوشيسكو. قدّم العديد من الدراسات باللغة الفرنسية. واهتم في الموسيقى. إذ كتب سلسلة مقالات عن أعمال باخ. وهذا هو كتابه الثاني.
________
*(البيان)

شاهد أيضاً

تأمّلات في مجموعة “عراجين القلق الأولى” للشيخ نوح

خاص- ثقافات *عالي الدمين “البشرةُ اليافعة أجمل من القصيدة، لكن المرء لا يدركُ ذلك إلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *