الرئيسية / نصوص / برغم أنفك يا موت… قبّلتني

برغم أنفك يا موت… قبّلتني


*علي الحديثي

(ثقافات) 

كل يوم أراها، برغم سنواتي الطويلة التي أخذتها زوجتي منها، إلاّ أنها لم تزل تتصدر جدول القلب الذي مر به كثير من النساء حتى كاد يتهرّى، لكنها كانت بعيدة المنال، لم تستطع أي واحدة منهن أن تنافسها على كرسيها، حتى همرات الاحتلال التي أبعدتني عنها خمسة أشهر عجزت عن زحزحة كرسيها، بل إن جذوره تغلغلت أكثر في أرضي، ليكون أول شيء أفعله بعدما أفرج عني هو أن أقبل قدميها الناعمتين النحيفتين جداً، وهو ما لم أفعله من قبل، كأنني أنحني اعتذاراً لتعب أكثر من سبعين عاماً..
لم يعد لي مكان هنا، لا بد من الرحيل من مدينتي التي نفثت أفاعي الطائفية سمومها في شوارعها وبين “درابينها”، فلم اعد أراها كل يوم، إلاّ كل شهر أو شهرين أو ربما ثلاثة، كانت الحبل السري الذي يربطني بالحياة، لم يتمكن مقص الزمن والأحداث من قطعه.. أينما ذهبت.. أينما جلست.. أينما نمت.. كنت مطمئناً أن أنفاسها تنفخ الروح في أيامي.. لم يزل المطبخ يرقص فرحاً وهو يراها تدخل إليه برغم الثمانين عاماً التي مزقها الدهر من دفترها.. ثمانية عقود مرت بها ولا تعرف سوى طريق المطبخ، مملكتها الوحيدة في الدنيا وجنتها التي تكره أن ينافسها عليها أحد، كثير من أقربائنا وأصدقائنا كانوا يأتوننا ليأكلوا من طعامها لا سيما الكبة، الذي كان مرآة لنفسها الطيبة التي لم يشبها شيء من أدران الحياة…
– لطالما حملتني صغيراً على كتفها، فهل سيتعب كتفي اليوم حملها كبيراً؟!
بهذه الكلمات أجبت صاحبي وهو يطلب مني أن يساعدني في حمل تابوتها، إلاّ أن الفرق بيننا أنها حملتني مسرورة، وحملتها حزيناً، ما أرق جسدها وهو يرقد على كتفي..
– حتى في موتك يا أمي ترفضين أن تتعبيني..
هكذا رحت أخاطب نفسي وأنا أحملها لتودع بيتها وبناتها، كنت أشعر بالماضي يحمل التابوت معي، حاول كثيرون أن يساعدوني، إلاّ أنني كنت مشغولاً عنهم باسترجاع روحها إلى الحياة عندما أنام طفلاً في أحضانها.. وتأخذني مرغماً إلى الحمام لتغسلني.. وتذهب مسرعة إلى مملكة المطبخ لتعد لي الغداء عندما أعود من المدرسة، لتتابع بشغف وأنا أستمتع بالأكل ملابسي، لتنؤنّبني برفق على اتساخها، لم تكن تعرف كيف تغضب أو تصرخ، لتنسل بكل هدوء إلى الدولاب لتأتيني بملابسي التي غسلتها في الصباح..
لم يستطيعوا.. إلاّ الموت فقد تمكن من أخذها مني وأنا أضمها بين يدي في المشفى.. لم أبك، فمنذ أن اتصل بي أخي ليخبرني أنها في المشفى وأنا أحس بنفسي روبوت يتحرك بلا روح، أخادع نفسي باللا أبالية، أخشى إن فكرت أن يقتحم الموت عقلي، أقلب نظراتي عبر نوافذ الكيا أراقب أناساً لم اعد أراهم.. بين المحلات.. بين السيارات، أبحث عن جحر أدس رأسي به هرباً من سخرية الموت وهو يتقافز أمام حركات عيني أينما استدارت:
– لن أراها بعد اليوم..
حاولت أن أحرقه بسكائري، لكنه – تباً له – كان يرسم لي قبرها بدخان سكائري، لا أدري كيف سأعيش بعدها، أقف على قمة جبل عالٍ، لا شيء أمامي سوى وادٍ سحيق مظلم تنبعث منه رائحة الفناء العفنة، العدم يكفن أيامي القادمة وهي تخلو من وجودها فيها، لتتجلى أمامي إطارات بلا صورة، لذت بالدعاء.. أصرخ .. أتوسل بالموت أن يتركها لي، ما زلت طفلاً، أربعين عاماً أو أكثر مطحونة برحا الأمس، إلاّ أنني مازلت طفلاً أحلم بالنوم في أحضانها، أستنشق من جسدها إكسير الحياة، أغفو على نغمات قلبها التي لم تزل حتى اليوم.. حتى الساعة.. تردد في سمعي (دللول يالولد يابني دللول)..
بدأت أكذب كل النظريات الرياضية التي تعلمناها في المدارس، فالمسافات لا تقاس بالأمتار كما خدعونا، نسوا أو تناسوا أو تعمدوا أن يكتموا عنا أن طول المتر يعتمد على حجم الألم الذي تحمله، فهناك علاقة طردية بينهما، كلما زاد حجم الألم طال معه طول المتر، أكاد كل يوم أمر من هذه الطريق، لم تكن طويلة مثل اليوم أبداً، حتى السيطرات المزدحمة بدأت أراها من جنود الموت الذي طغى بحربه معي…
– نازل.. نازل..
هرعت مسرعاً لأنزل من الكيا، عسى أن تكون التكسي أسرع من الموت..
هناك، عند ردهة الموت، عذراً ردهة الطوارئ، وقفت أحدق فيها، لم يستطع قناع الأوكسجين أن يحول بين عيني ووجها، ألا تكفي أربعون سنة لتنطبع قسمات وجهها على نظراتي.. هل سأكذب دروس الأحياء وربما الفيزياء كذلك، فالرؤية تعتمد على الألم ذاته، نظراتي تمتد إليها إلاّ أني لم أكن أرى جسداً يستلقي فوق السرير، ها هي تنهض لتستقبلني.. تقبلني.. تجلس معي.. تسأل عن الأطفال.. تنتظرني لأقلم أظافرها، كانت تشكو من الجميع عندما يقلمون أظافرها إلاّ أنا كما تقول لي، أخذت الذكريات تطوي الزمن لتهطل على ساحة القلب كالمطر، يبدو أن موت أمي سيحطم كل العلوم التي درسناها.. مشاهد سريعة، اختلط بعضها ببعض، يداي تتحركان بعبث في الهواء، أحاول أن أمسك بإحداها، فكنت كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، كم وددت أن أغلق الباب بوجه الزمن، كل شيء فيَّ ومن حولي تجمد إلاّ الزمن لا يبالي من يسحق أمامه، حينها عرفت من أين استلهم الطغاة قسوة قلوبهم …
ابتسمت في داخلي وأنا أشعر أنني غلبت الموت، وأدركت جسدها لم يزل ندياً بروحها التي سمحت لشفتيها بتقبيلي، أجبتها بقبلة من شفتي، قبلتان اختزلتا آلاف الكلمات التي استعصت على فمي، أذابتا الجمود الذي حل بجسدها وبتفكيري، للقبلة لغة لا يفهماها إلاّ المحبون، تعثرت يدي بالفراغ وهي تتجه نحو رأسها لتداعب شعرها الأبيض من خلف فوطتها كما كانت تداعب شعري صغيراً.. جلست بقربها كما كانت تفعل معي صغيراً.. ضممتها إلى صدري كما كانت تفعل معي.. تمنيت لو أنام بجانبها كما كانت تفعل.. لعلي أرد لها شيئاً من ديونها القديمة عليّ والتي لم تحسبها، ساعات وهي تصارع الموت، وأنا أصارع الظلمات التي بدأت تتسلل إلى روحي، أتلمس قدميها وهما أبرد من خطوات الطبيب الذي يأتي بين الفينة والأخرى ليفحصها، قبلتها مرة أخرى لعلي أُشعرها بدفء شفتيَّ المستعرتين، إلاّ أن برودة الموت أقوى من حرارة شفتي..
لم تزل أصوات المحيطين بي تزعج أذني وهم يطلبون مساعدتي في حمل تابوتها، لتتحطم كلماتهم على جدران اليأس مني، وخلافاً لأعرافنا افترشت ارض سيارة الحِمْل التي وضعنا التابوت فيها وجلست قربه، مستنداً بيدي عليه كأنني أحضنه، ماسحاً بيدي عباءتها التي فوقه، لتعود الأصوات مرة أخرى تطلب مني أن أجلس في صدر السيارة:
– ابني انزل واجلس في الداخل، فالجو بارد..
(الجو بارد) كلمة كانت نافذة تطل منها دموعي على عالم الحقيقة، كلمة نطقها صديق أبي الكبير بالسن بألم وحسرة يخفي خلفهما توسلاً مريراً، لم تكن حروفها من لغتي في تلك اللحظات، ليترجمها عقلي لي:
– لقد ماتت..
كأنني الآن أيقنت أنها ماتت.. لن أراها بعد اليوم، الآن شعرت أن الموت ضرب ضربته، تذكرت سخرية زوجتي مني مازحة وهي تقول لي دائماً:
– مثل أمك لا تجلس إلا و(الصوبة) بحضنك..
فرشت ذراعي فوق تابوتها لعلها تشعر بالدفء، تشبثت بعباءتها كطفل يتشبث بعباءة أمه في السوق خشية أن يضيع وسط الزحام التفت إلى صديق أبي:
– هذه آخر جلسة لي بجانبها أرجو أن تتركوني..
ظل واقفاً، وهو يغالب دمعه، وهناك.. وجدت أبي في انتظارها وقد خرج من قبره بابتسامة مضرجة بدموعه، وهو يمدّ يديه ليستقبل تابوتها من يدي، ولا أظنكم ستشعرون بفرحي عندما سمعتهم ينادون…
– لينزل واحد من أهلها معها إلى القبر..
قفزت مسرعاً أسبق أخوَي، لينقلب الدَّين إلى الضد، كانت تختار أحسن الفرش لي من بين أخوتي، وأنا الآن أهيء لها فراشها الترابي، أخذت أنظف لحدها من الأحجار خوف أن تؤذيها في نومتها الأبدية، لأختم حياتها أو قل حياتي معها بقبلة على رأسها من خلف الكفن، وأعود إلى البيت وليس لي منها سوى عباءتها وفوطتها وذكريات أخشى أن يحاربني الزمن عليها….
________
*من مجموعته القصصية(المعبث)

شاهد أيضاً

الحشف

خاص- ثقافات * ابراهيم عثمونه ألم تكن صديقتي تعشق القهوة فلماذا رمت اليوم فناجينها في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *