الرئيسية / قراءات / أدونيس: لقاء التراث والحداثة

أدونيس: لقاء التراث والحداثة


*أسامة غالي

(ثقافات) 

يمتاز أسلوب الشاعر والناقد أدونيس (علي احمد سعيد) بسمة تعبيرية خاصة جعلته ينفرد بتجربته الشعرية عن التجارب الأخرى، حيث تتقاطع آلياته وقيمه مع التراث من جهة، ونتاجات الحداثة العربية والغربية من جهة ثانية. لذا ينتاب أدونيس قلق دائم يمتزج بالخوف، قلق الركون إلى الموروث أو السائد والاندماج معه، وخوف استيلاء القادم من بعيد، الذي يصفه بـ “هاجس الوصول الى السلطة”، على الذات المفكرة، فيصبح التفكير “حسب رؤيته” مراسا ايديولوجيا يُسخر من قبل نخبة معينة لتوعية الآخر على ثقافة السلطة، لا سلطة الثقافة. هنا يتحرك أدونيس بهدوء نحو إرساء وعي نخبوي مغاير ينقذ به أبجدية الثقافة القابعة في الظل، معتمدا الشعر وسيلة في ذلك. فالشعر بمفهوم أدونيس “نوع من الحب، من الدين الفردي، هو الطريقة الأعمق لاستكشاف الذات من جهة واستكشاف العالم من جهة ثانية”.
يفتح أدونيس أمام القارئ العربي، من خلال تصويره لمفهوم الشعر، آفاقا متعددة، آفاقا خارجية تحيل القارئ إلى الماضي وتجاربه، حيث التاريخ يتجلى في صحائف الشعر، وما يجري في العالم وما يحدث على مسرح الحياة، وآفاقا داخلية تُطلعه على سفر الذات، الذي يتشكل بصورتين، الأولى، داخل الذات نفسها، وعياً بوجودها الإنساني وما يحمله من أسرار، والثانية، داخل الكون، وعياً بكونيتها من حيث اندراجها تحت الانتظام، وآفاقا أخرى تنطوي على توليد الرؤى وخلق المفاهيم والمواقف. وبذا يكون الشعر خلاقا بقدر ما هو استكشاف، ما يعزز العلاقة بالإبداع والتنوع. من هنا الشعر يمثل لأدونيس معرفة متعالية تنطق حيث يسكت العالم، وهذا بدوره يحيل الى فهم ماهية الواقع الذي يتحرك ادونيس بإزاءه شعريا ويعمل على محاكاته. فالواقع الاثير لدى ادونيس يختلف بماهيته عما هو عليه الفلاسفة، فهو عبارة عن فضاء متحول، لن يستقر وإلا تحول الى “قبر”، على حد وصفه، لكن هذا التحول لا يتقاطع مع حضور الثابت في مشروع ادونيس الشعري، والذي يعني، حسب رؤيته، نقطة البداية، البداية المستمرة لكل عملية خلق شعري. فادونيس لا ينفي الثابت بقدر ما يكشف عن علاقات جديدة به، او يمد جسورا مختلفة معه. فالشعر بمستوييه “الاستثنائي والسائد” يلتقيان في هذا الأس الوجودي، الثابت، ويفترقان عند حجم ونوع الافادة منه. والشعر الاستثنائي يقوم على تشكيل الشاعر لصوره بانتقائية مجردة عن عيارات الشعر الرعوية والبدائية، حيث يتعاطى الشاعر مع الاحداث بنسق مغاير، يرتبط عنده الشعر بعالم الأشياء والأفعال والقيم “ارتباطا لا يصور الواقع بحرفيته، وإنما يصوره معدلا بفعل المحاكاة، هذه الموازاة الإبداعية التي يشكل الشاعر بوساطتها معطيات الواقع الذي يعيش فيه”، تتم عند ادونيس عبر رؤيا معاصرة تتأسس على المدنية والبعد الحضاري. فالمخيال العربي المعاصر بما يملك من وسائل وتقنيات قادر على تضمين القصيدة الواحدة مفاهيم متباعدة مرحليا ومتقاطعة معرفيا، ودمجها ومقاربتها، ما يصعب على المتلقي ادراك المعنى الشعري المخبأ خلف تلك المفاهيم بيسر، حيث يتواشج الحضور بالغياب، والقدم بالحدوث، والطبيعة باللاهوت، والأزمنة بالأمكنة، وغير ذلك، ما يضفي على النص الشعري ثراءً دلاليا، يفتح امام القارئ مساحات متنوعة لإنتاج المعنى.
هذا ما يسعى إليه ادونيس في قصائده كي تبقى هناك ابعاد لم تكتشف بعدُ إلا بعد مرور فترة من الزمن على إنتاج القصيدة وقراءتها من عدة جوانب.
أما الشعر السائد فلا يتجاوز المراس الشعري التقليدي في صياغة الاحداث المشهودة، لدى الشاعر والمتلقي معاً، وفق معايير الجمال و الإقناع فحسب، وبذا يكون القارئ ذا حركة عمودية في النص، تتماشى وحركة الشاعر في انتاج المعنى الشعري، حيث المعنى ينتج من طرف واحد وهو “الشاعر”، ولا يسهم الطرف الاخر في عملية انتاجه، بقدر ما يسهم في عملية اكتشافه، ما يسجل هذا الامر كفارق جوهري بين مساري الشعر الاستثنائي والسائد، وهذا ما عدل عنه ادونيس، معتبرا إياه تحررا من الخطاب الشفاهي، الذي أسدل ستاره ولفترة طويلة على الشعر العربي.
_______
*نشرت في جريدة العالم

شاهد أيضاً

بَيان شِعريّ/نقديّ

خاص- ثقافات * د. مازن أكثم سليمان           الجدَل النِّسْيَاقيّ المُضاعَف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *