الرئيسية / قراءات / زوربــا.. الحياة فن الانتصار على البؤس

زوربــا.. الحياة فن الانتصار على البؤس


*فريد نعمة

رؤية عميقة وبصيرة نافذة ميزتا مؤلف الرواية فأهلتاه ليتقدم غالبية أدباء القرن العشرين في معالجة مشكلات الإنسان المعاصر وهمومه إذا أحب السائح في اليونان أو قبرص، أن يمضي سهرة مميزة، قال لسائق التاكسي إحدى الكلمتين: سيرتاكي أو بوزوكي. وعلى الفور، يفهم السائق مراده، ويأخذه، من دون أي كلمة، إلى حانة يسمونها” تافرن”، حيث تقدم رقصات زوربا وأخواتها. وهناك يدرك السائح من السرور النشوة، فيصفق ويهلل ويصيح مشجعاً.

فيتصور زوربا وهو يرقص بحركات بطيئة تتسارع تدريجياً على نغمات البوزوكي، ثم تشتد وتعلو لتنفجر في فورة من الوثب والقفز. عندئذ، تدوي في رأسه كلماته: إذا طافت الدنيا بالهموم، عليك بالرقص! ارقص! مجنون هذا العجوز حتى يواجه مصاعب الحياة وبؤسها بالرقص! ربما.. يمكن أنه فيلسوف حكيم!؟
وسواء أكان هذا أم ذاك، أسر القلوب وسحر العقول في العالم كله! ويعود بعض الفضل، إن لم يكن كله، الى الممثل أنطوني كوين الذي جسّد شخصيته تسجيداً آخاذاً في الفيلم الذي يحمل نفس اسم الرواية” زوربا اليوناني”- البوزوكي أداة موسيقية وترية مثل الغود والغيتار.
زوربا اليوناني
محور رواية “زوربا”، للكاتب اليوناني، نيكوس كازانتزاكيس، شخصيتان من عالمين مختلفين. الأول كاتب إنجليزي، نصفه يوناني، يرث منجماً للفحم الحجري والأراضي المحيطة به في جزيرة كريت. والثاني عامل بسيط يبحث عن عمل. يقرر المؤلف أن يغير نمط حياته، ويسافر الى كريت ليتعرّف على أملاكه الجديدة ويفتتح المنجم القديم.
واذا به يقوم برحلة يكتشف فيها ذاته ويتحرر من الأوهام ويتعلم كيف يعيش على يدي ذلك العامل البسيط. ويجري ذلك بالحوار والشجار بينهما، وسلسلة من المشكلات مع القرويين والأعيان والرهبان، في تلك الجزيرة.
حبكة صور
تبدأ الرواية في مقهى في مرفأ بيرايوس، حيث ينتظر باسيل السفينة المبحرة الى كريت. ويشعر أن هناك من يراقبه، فيتلفت حوله ويرى رجلاً عند باب المقهى يحدق به. يسير الرجل اليه ويقدم نفسه باسم اليكسس زوربا. ويقول إنه خبير في أعمال المناجم ويريد عملاً. يعجب باسيل بشخصيته ويأخذه معه الى كريت. ينزل الاثنان هناك في فندق”ريتز” الذي تديره السيدة الفرنسية مدام هورتينس. يغازلها زوربا وتنشأ بينهما علاقة حميمية. وفي اليوم التالي، يبدأ العمل في المنجم.
ويجد زوربا أن افتتاحه خطير ويحتاج الى تدعيم. يفكر باستخدام أشجار الغابة القريبة التي يملكها دير الرهبان. فيتودد الى الرهبان ويسهر معهم وهم يحتسون معاً، الخمرة، حتى يثملون. وبعد عدة أيام يعود ويرقص رقصة تبهر باسيل الذي يدرك من رقصه، أنه نجح مع الرهبان. يتعرّف باسيل على ويدو، الأرملة الشابة الجميلة التي يضايقها القرويون لأنها تمتنع عن الزواج، مرة ثانية. ورفضت طلب شاب مغرم بها مرات كثيرة. ويشعر باسيل بالميل اليها ويهديها مظلة فتقبلها، لكنه يتردد ولا يقوم بالخطوة الثانية.
مرحلة معقدة
يرسل باسيل زوربا الى بلدة تشانيا ليشتري المعدات اللازمة لافتتاح المنجم. وهناك يُمتع زوربا نفسه بالسهر مع إحدى الراقصات في ملهى ليلي. فينتقم منه باسيل ويخبر مدام هورتينس أن زوربا سيتزوجها فور عودته. فجأة تُرجع ويدو المظلة الى باسيل مع ميميكو، ويعرف باسيل انها النهاية. يذهب الى منزلها ويراضيها ويقضي الليلة معها. يعرف أحد القرويين وينتشر الخبر. فينتحر الشاب المتيم بـها غسلاً للعار.
تسير القرية في جنازة ذلك الشاب، وتأتي الأرملة الى الكنيسة معزية. فيمنعها القرويون من الدخول ويحاصرونها في باحة الكنيسة ويرجمونها بالحجارة. يرسل باسيل ميميكو وراء زوربا. وينقذها زوربا ويتغلب على الشاب الذي حاول طعنها بالسكين ثم يطلب منها أن تسير خلفه. وفي اللحظة التي يدير فيها ظهره، يستل والد الشاب المنتحر سكينه ويقطع عنق الأرملة. ويتفرق القرويون غير مكترثين، ويبقى باسيل وزوربا وميميكو مع الأرملة الميتة. بعد ذلك تواجه مدام هورتينس زوربا وتخيّره بين الزواج أو الانفصال. يراوغ زوربا ثم يوافق على الخطوبة.
لكنها لسوء حظها تلتقط عدوى ذات الرئة وتموت. وزوربا وباسيل الى جانب سريرها. وفي خارج الفندق، كان القرويون ينتظرون بفارغ الصبر، موتها، ليستولوا على ممتلكاتها، لأنها أجنبية ولا وريث لها. فيغيرون على الفندق وينهبونه ولا يتركون شيئاً غير السرير الذي فوقه مدام هورتينس الميتة والعصفور في القفص. ويأخذ زوربا العصفور معه. تسوء أحوال باسيل المالية، فيغلق المنجم ويغادر الجزيرة. يودع زوربا ويرقص معه الرقصة الأخيرة على الشاطئ.
«أنا حر الآن»
قال البير كامو، بعد فوزه بجائزة نوبل سنة 1957، إذ خسرها حينها، مؤلف زوربا نيكوس كازانتزاكيس، بفارق صوت واحد، :” إن كازانتزاكيس يستحق الجائزة، مئة مرة أكثر مني”. لا شك أن هذه الكلمات من أديب في وزن كامو تغني عن التعريف بمكانة كازانتزاكيس في الأدب العالمي. بيد انه لا بد من الإشارة الى أن كازانتزاكيس، برؤيته العميقة وبصيرته النافذة، يتقدم غالبية أدباء القرن العشرين في معالجة مشكلات الإنسان المعاصر وهمومه الاجتماعية والثقافية والتربوية والدينية والسياسية. وهو لم يقف عند عرضها وتحليلها، وإنما سعى الى الحلول المعقولة لها. ورواية “زوربا” اليوناني تعج بتلك المشاكل والحلول.
ولد كازانتزاكيس(1883 – 1957 ) في كريت. وسافر لدراسة الفلسفة في باريس. وهناك تأثر بالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون والفيلسوف الألماني فردريك نيتشة. أمضى حياته، من سنة1922 وحتى وفاته، مقيماً متنقلاً في فرنسا ثم إيطاليا وروسيا وإسبانيا وقبرص ومصر وتشيكوسلوفاكيا. و
كتبت على ضريحه الكلمات التالية: “لا أطمع في شيء، لا أخاف شيئاً. أنا حر الآن”. من أعماله: الهوى الإغريقي. وأما المخرج العالمي مارتن سكوريزي، مخرج فيلم “زوربا”، سنة 1988. فكرّمته الحكومة اليونانية ووضعت صورته على طابع بريدي. وفي الذكرى الـ50 لوفاته، أصدر مصرف اليونان عملة معدنية بقيمة 10 يورو، تحمل رسماً له، مع توقيعه على الوجه الثاني منها.
«السيرتاكي»
أدت رواية زوربا، إلى ولادة فن راقص قائم بذاته، مثل الدبكة، اسمه سيرتاكي. وتحمس لهذا الفن، الناس في كل أنحاء العالم وصفقوا له ابتهاجاً واستحساناً. ونتيجة ذلك، ظهرت مئات الأغاني والألحان التي تستلهم روح زوربا وتسير على ايقاع رقصاته. وأشهرها في عالمنا العربي أغنية 🙁 وي شل دانس): “We shall dance ” للمطرب ديمس روسوس. وليست السيرتاكي، رقصة تقليدية.
إنما هي مزيج من الرقص الشعبي اليوناني ورقصة هاسابيكو. إذ يؤديها مجموعة من الراقصين والراقصات بخط مستقيم أو دائري وأياديهم على أكتاف بعضهم. وتبدأ الرقصة بحركات هادئة تتطور الى حركات متسارعة مفعمة بالحيوية مع الوثب على ايقاع متكرر.
في السينما
1964 لاقى عرض فيلم زوربا الهوليودي ( أخرجه واعد النص السينمائي اليوناني مايكل كاكويانيس)، نجاحاً لا نظير له. وبلغت تكلفة إنتاجه 783 ألف دولار، وجنى 9 ملايين دولار، وهو رقم خيالي، آنذاك. شارك في التمثيل فيه: انطوني كوين (زوربا)، آلان بيتس (باسيل)، ايرين باباس (ويدو)، ليلى كيدروفا (مدام هورتينس). ترشح الفيلم إلى سبع جوائز أوسكار، وفاز بثلاث عن: أفضل ممثلة مساعدة وأفضل إخراج فني وأفضل تصوير سينمائي.
1999 عادت «زوربا» إلى الشاشة، في الفيلم الاسكتلندي” بيلي وزوربا”، وموضوعه رجل يعتقد أنه زوربا.
في المسرح
1968 تحولت الرواية إلى مسرحية غنائية، على مسارح برودواي. وتجدد عرضها بمشاركة انطوني كوين سنة 1983، ثم جرى تعديل لها سنة 2009 ليؤدي دور زوربا فيها، الممثل انطونيو بانديراس.
2003 ظهر زوربا في حلة جديدة في ايطاليا، في المسرحية التي تحمل اسمه. ومثل دوره: فابيو تيستي، على مسرح ابولو في روما.
2010 تحولت الرواية الى باليه. وذلك في تركيا، على مسرح “دار أنقرة للأوبرا”
2013 جسدت الرواية في مسرحية غنائية بريطانية، أخرجتها ليا كاريدا. وعرضت في” بالاس ثييتر” في لندن.
بيتزا زوربا
كثيرة هي المخازن والمطاعم والمقاهي والنوادي التي تحمل اسم زوربا. أبرزها شركة المطاعم “بيتزا زوربا”، التي لها فروع في معظم المدن في أميركا، ومطعم زوربا في جزر البهاما. ونادي الكرة “يانكي ستاديوم” في أميركا أيضاً، الذي جعل موسيقى زوربا نشيداً له، طوال سنوات، بهدف تشجيع أعضاء الفريق والمؤيدين له.
____________
*(البيان)

شاهد أيضاً

واقعية الخيال فـي روايـة العـطر

خاص- ثقافات *غازي سلمان تتحرك الشخصيات في الأدب والفنون الإبداعية الأخرى من واقعها الافتراضي إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *