الرئيسية / نصوص / ضريبـــــة

ضريبـــــة


*سعدون جبار البيضاني

(ثقافات)

حشر نفسه في قافلة المتعففين وفرش بساط حظه على خسفة في الرصيف ، وزع مستهلكاته بشكل غير متجانس وبان الخجل على الرجل بما يقارب الأربعين يوما ،عرف أن الذي يسرح على كتفيه ليس نملا ً وإنما دبابيس حيّة التقطها ظهره من الشمس مباشرة ، مرّ عليه رجل أصلع بنظارة سميكة ظهرت عليه أعراض المعرفة وسأله إن كانت له صلة رحم بكتب الفلسفة والأدب فردّ عليه ( يقولون أن الملح يصلح فاسدا ، فما حيلة الإنسان لو فسد الملح !) فعرف أن الرجل يحمل مسا من المعرفة وعليه أن يتحمل وزر ما عبأ في رأسه من طلاسم ، سأله أيضا فيما إذا كان الرصيف يرد عليه الوحشة ويقدر أتعابه أم لا ، فرجاه أن يتركه لتكملة حل الكلمات المتقاطعة الموجودة في نهاية المجلة التي التقطها من كومة أزبال قريبة ، نشف ريقه ، لم تعد الخرقة التي يستظل تحتها تحميه من جور الشمس اللاهب ، نظر الى بضاعته التي اعوّج أغلبها من الحرارة ، وقال مع نفسه : – ياروحي ,. النهر معبأ بالعطش وأنت لا تشتهين غير السوائل، المطعم يعج بروائح المشويات وأنا معصوب البلعوم .. ، بلل شفتيه ماء مالح غير مستساغ عرف انه نزل من مآقيه فمسحه بطرف كم القميص الذي يبدو أن لونه كان ازرق على الأرجح . 
عندما فرغ الشارع من المارة وصار الرصيف فائضا ًعن الحاجة ، أحصى معروضاته للمرة الأخيرة ،لم يطرأ عليها أي تغيير ولم تنقص منها حاجة ، مدّ يده الى جيبه وتأكد من نظافته ، كان جيبه واسعا يكاد يصل الى ركبتيه لكنه فارغ على الدوام ، لملم حاجياته ووضعها في حقيبة جلدية مخصصة لها ، حملها على كتفه فشعر بعدم توازن جسمه فنقلها الى الكتف الآخر ومشى ، حذائه المطاطي التصق برجله فأسرع خطاه ، ظل يسير محاذيا للحيطان علّها تخفف من وطأة الحر ، يحدق في الأبواب والشبابيك والدكاكين والأشجار والمجاري والسابلة ، يبحث عن عذر يقدمه الى رئيس دائرته التي تأخر عنها كثيرا هذا اليوم ، أحصى الأعذار التي قدمها بسبب التأخير لئلا يتكرر نفس العذر . 
تمنى لو يخلع حذائه ويضعه في حقيبته لكنه خشي أن يراه أحد فينعته بما لا يليق ، قدّر خطواته من خسفة الرصيف حتى هذه اللحظة . – آه لو كنت قد بعت حاجة هذا اليوم وصعدت الباص!
أحس أن ريقه قد نشف تماما ، تمنى لو أن منزله يأتي إليه ليشرب كأسا من الماء وينام على أنغام بطنه التي بدأت تعزف على نغم السيكاه ، خلع حذائه المطاطي ووضعه في الحقيبة الجلدية ورماها وسط الشارع عندما تذكر أن منزله ظل وراءه بعيدا وظل يمشي .. يمشي .. يمشي حافيا لا يفكر بالتوقف
_________
*أديب من العراق

شاهد أيضاً

قصَّتان

خاص- ثقافات *سوسن علي الشَّبح لم أكُنْ أتمالكُ نفسي عند الإجابة عن الأسئلة الموجهة لي.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *