الرئيسية / إضاءات / سيدة النجوم من تكون، ونحن…أين؟

سيدة النجوم من تكون، ونحن…أين؟


*دينا سليم

بينما ننهمك في أخبار الشرق المحترق دائما (أسفا) ننسى أنه يوجد أناس في الجهة الأخرى من العالم الإنساني يموت ميتة طبيعية ولا يعرف عنهم سوى القلة القليلة، لكن الذي يحصل أن لميتة هؤلاء استفادة، نحن نستفيد حقا لأنهم يتركون لنا من بعدهم إرثا كبيرا من علم ومعرفة واكتشافات حيوية ذات فائدة للكرة الأرضية التي نعيش على سطحها وللانسانية والكون أجمع، بينما يموت سائر الخلق ذبحا أو حرقا أو جراء انفجارات ملّغمة، وطبعا يوجد من بينهم من ترك إرثا كبيرا أيضا، لكنه يبقى في عقولنا الشرقية شهيدا، أو مجاهدا، أو له بالانتظار الحياة الأخرى….

لا أتهجم على معتقداتنا التي يؤمن فيها البعض، بل لا يروقني أن نجحد قوانا الفكرية لنطعم سنواتنا في الحياة في معتقدات بالية دعتنا نخوض فيها كثيرا وطويلا، نخض فيها كمن يخض الماء بالماء، وأنستنا التفكير بأشياء هامة أكثر من الموت والآخرة.
طالت الحكاية، دائما ذات الحكاية، حكاية حياة ملوثة بمعتقدات قديمة وواقع مشوب بالقلق والتفكير الممل بذات المعتقدات، ولا شئ غير ذلك، عقولنا تدربت على قبول هذا الفصل، وأدمنت الفكرة والخوف من الجحيم، حتى باتت أيامنا كلها صلاة وصوم واستغفار، وخوف ورهبة، وكبت روح الحياة داخلنا، ونسينا أن الله غرس فينا الروح أولا وأخيرا لكي يحافظ على وجودنا في الحياة، نسينا الروح ونسينا الكثير من المهام الملقاة علينا، وأصبح هذا النسيان عادة موروثة تتعاقب على الأجيال حتى باتت استعدادا وراثيا لا يمكن التخلص منه، وهو فكرة أن نبقى نخشى الآخرة والخوف من ساعة الحدّ.
إذن، وماذا بعد، وماذا يجب أن نفعل بباقي الأشياء، هل اقتصرت وظيفة حيواتنا على هذا فقط، وماذا بشأن أمور هذا العقل الواهم وأجسادنا الواهنة، هل تحددت الوظائف اليومية وانتهى الأمر، طعام وصوم وصلاة وتسبيح وذكر، وصلاة وطعام وهلم جرا؟ أعتقد أننا أصبحنا أكثر أنانية، نفكر كيف نفلت من عقاب الآخرة دون أن نفكر كيف يمكننا الحفاظ على حياة الآخرين، الذين يقاسموننا العيش على كرة أرضية قديمة وواهنة أيضا، هم موجودين، صدقوني، هم يتقاسمون معنا كل شئ، الهواء، الطعام، الماء، الحياة، وكل شئ!
لم أصل لبّ الموضوع بعد، لكني سأتوقف حيثما تعب القلب والوقت، لأعلن أن الوقت لم يمهل سيدة لم تعتنق أي دين سماوي سوى دين البحث والاكتشاف، وبعد عمر مديد توفيت هذه عالمة الفيزياء، الفلكية الإيطالية والكاتبة العالمية الشهيرة (مارجريتا هاك) قبل أيام عن عمر يناهز واحد وتسعين عاماً أمضته بين أروقة العلم والتنقيب عن الحقيقة.
وتشتهر (هاك) بلقب “سيدة النجوم” لأنها أول امرأة أدارت مرصداً فلكياً في إيطاليا، وقد ساهمت في أبحاثها في التصنيف الطيفي لعدة مجموعات من النجوم. وقدمت (هاك) علم الفيزياء الفلكي لجمهور واسع من الإيطاليين من خلال كتب جامعية وأخرى تشرح للأطفال علم الفلك بطريقة شيقة. وتولت منصب مدير المرصد الفلكي في تريستي في الفترة من 1964 إلي 1987 ، وهي أول امرأة تشغل هذا المنصب. وفي كانون الثاني 2012 قالت (هاك) لأحد الصحفيين إنها قررت عدم إجراء عملية جراحية في القلب قد تطيل حياتها، قائلة إنها تفضل البقاء في منزلها مع كتبها وزوجها (ألدو دي روزا) الذي عاشت معه سبعة عقود. وقالت أيضا: هناك عمل لم ينجز بعد وأبحاث تنتظر، أتمنى أن يسعفني الوقت ويسمح لي القلب في الاستمرار. رحلت فتركت لنا وللبشرية ولأطفال المستقبل تكملة مشوار العلم والاكتشاف، وقد أطلق الجرم هاك 5885 جرما اكتشف عام خمسة وتسعين على اسمها.
سيدة النجوم ترحل ولم يعرف بها إلا الذين يهتمون بأمور البحث العلمي وفيزياء الحياة، وقد ودعتها إيطاليا وداعا يليق بها. وعندما بحثت عن سيرتها الذاتية في مصادر عربية لكي أغني مقالي لم أجد إلا القليل البسيط، وتذكرت أننا منهمكون فعلا بأمور أخرى كثيرة لا تمت بصلة للموضوع، لتونا خرجنا من مسابقة (عرب أيدول) لنذهب إلى أحداث أخرى نقيضة، أحداث دامية وأبحاث تافهة أخرى ينفقها عقلنا البشري عبثا، ويضعها تحت مسميات الحلال والحرام، بعضنا يبحث عن الفرح المؤقت بين كومات من الأحزان التي استثمرناها وادخرناها، وما زلنا نستثمرها ونطعمها لأطفالنا، لا نملك سوى حالتان اثنتان، الحزن المميت أو الفرح الرازح تحت قوانين معينة، لا نقبل بأوساط الحلول، أو بأشياء أخرى ملحة، نرفض التغيير ونرفض الآخر إذا تحرر من هذه القيود، ونطلق عليه سهام الكره والتقبيح والذم إن استطاع التخلص من حبائل نمطية التفكير، وإن أراد الانطلاق لكي يأتي بحالات وسطية غير النقيضين فننصبه حالا ليكون عدوا آخر لنا، أو كافرا، وما أكثر أعداءنا.
الكلام يطول…وكما يقول البعض، الناس فين وطنطورة فين، هؤلاء فين ونحن فين، من أصحاب العقول المتحررة، تلك العقول التي تدبر أمورنا نحن، فأخترعت لنا الكهرباء، والانترنيت، وابتكرت طرقا لتنقية المياه الطاهرة التي نشربها، والتي تفكر كيف توفر لنا الطعام، وكيف تجهز للانسان أماكن أخرى يعيش فيها على كواكب أخرى إن حصل وانهارت كرتنا الآرضية على رؤوسنا جميعا، هؤلاء الذين يفكرون بمنطق استمرارية البشرية، بعد أن حصل وغزا الرجل الغربي القمر، وتجهز لنا العقارات واللقاحات لمحاربة الأمراض على كافة أنواعها، الخ من الاكتشافات العلمية، هؤلاء الذين يعلمون جيدا أن (آدم) لن يتكرر، وأن قصة التفاحة لن تعود مجددا، وأنا أتساءل متفائلة، متى سيحمل نجما سماويا، أي نجم صغير أم هائل، اسم إحدى باحثاتنا العربيات؟ …. أعتقد أني في طنطورة الآن؟ 
___________
*روائية من فلسطين مقيمة في استراليا
(الجبهة) الفلسطينية 

شاهد أيضاً

خليل حاوي في غربته المتمادية

*شوقي بزيع ليس بالضرورة أن تكون نصوص الشعراء مطابقة لطرائق عيشهم أو لسلوكهم الظاهري. ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *