الرئيسية / قراءات / جواد الحطاب: هناك غناء كثير عند جثة البيانو

جواد الحطاب: هناك غناء كثير عند جثة البيانو


*علي حسن الفواز

(ثقافات)

صدرت للشاعر جواد الحطاب مجموعته الشعرية(اكليل موسيقى على جثة بيانو) عن دار الساقي/بيروت. 
احتشدت أغلب قصائد هذه المجموعة باشتغالات تعبيرية زاوج فيها الشاعر بين الصور الساخنة والمعاني الموحية باستغراقاته العميقة، تلك التي انكشفت على الكثير من لوعة السخرية والمرارة والمفارقة، إذ استبطن الشاعر من خلالها شواهد عوالمه اليومية التي تمور بالقلق، والتي اتسعت فيها مرائر ما يواجهه في فداحتها المسكونة بالانتهاك والفزع والتساؤل. 
وجد الشاعر الحطاب عبر هذه الاشتغالات بنية استعارية حادة، استمرأها نحو تلطيف أجواء ماهو مباشر في العديد من قصائد هذه المجموعة، باتجاه البحث عن مقابلات دلالية ورمزية موحية وباثة، وكأن الشاعر أراد أن يواجه من خلالها مهيمنات القسوة والغياب في واقعه المكشوف على محنة الانسان واغترابه الوجودي، ومحنة المكان الغارق في العزلة وتهويماتها الشعورية الحادة، تلك التي وظف الشاعر بعض دلالاتها ومسمياتها، خاصة عند استنطاقه التاريخ، المقدس، الحرب، الموت. لكنه بالمقابل ظل أيضا قريبا من ذاته المرآوية، يبادلها ضجره وخوفه واسئلته، تلك التي كانت تزخر بكوميديا سوداء، إذ يضع مجسها عند حافة شهوة حريته وغواية رؤيته، تلك التي تتلمس ماهو عميق في(روح المعنى) بوصفها الهاجس السري الضاغط والباعث على استعادة الحياة، والايحاء بتشكلات متعددة لصورها واشكالها، إذ يغوص الشاعر تحت هاجسها نحو كتابة اليومي المباشر والقاسي باحثا، كاشفا، واخزا، متلمسا ما توحيه صوره وأشكاله الدافقة والمتحولة، تلك التي لاطلاسم فيها، حيث تبدو هي الأقرب إلى اصطناع مواجهة واضحة وحادة مع الخارج-المسكو بغبار الحرب والاحتلال-و الملتاث بفكرة الموت التي يقترحها العنوان/الثريا، كموجّه لاشتغالات الشاعر التعبيرية والدلالية، وهذا ما يضعه أيضا امام بعض مظاهر المباشرة التي تدفعه نحو اصطياد صور عائمة ومتداولة في الواقع، لكنها مشغولة بعلائق رمزية، والتي تلامس أساسا فكرة ماهو غائب في المعنى المنتهك والمكتشف من وجهة نظر الشاعر، والتي عمد الى تقديمها كشهادة على مرارته وسخريته من هذا الخارج..

قصائد الحطاب رغم بعض مظاهر هذه المباشرة، تملك شفرتها الرمزية الكامنة والموحية، وتجس بدفقتها الوجدانية وترنيمها الحسي، تلك التي تمنح المجموعة ايقاعا عميقا وثراء تصويريا يحرضنا على قراءتها بتأمل وترقب وتوجس، لأنها ليست قصائد ذاكرة، او اشتغالا في التجريد، انها قصائد تكتب مشاهدات اليومي، وتجوس عبر توغلها في تفاصيله باتجاه الاعلان الفاضح عن أن هناك غناء كثيرا عند جثة البيانو.. 
معي ايها الفقراء
لنهاجم الفردوس 
سنطالب أولا
بجرد أسماء الأولياء
(لأنا 
نستحق أكثر من تسجيل اسمائنا
في الموسوعة الهزلية)
تضعنا قصائد الشاعر جواد الحطاب في سياق لعبة شعرية صاخبة، هي لعبته التعويضية المسكونة بنقائضه الرمزية، إذ تبدأ من وظائفية لعبة الأصوات والمشبهات الى لعبة المواجهة. وهذه اللعبة المركبة والموسومة بالمغامرة تضع الشاعر دونما رهاب ازاء العالم الذي ينتهكه، ويهمشه، والذي لايملك ازاءه الاّ ان يرتكب المزيد من الغواية، والمراودة، والرغبة التعبيرية في ألسنة الأشياء من حوله، حيث تتحول هذه الألسنة- البنيات اللغوية والصورية- إلى مايشبه بلاغة التوغل والتمرد والإفصاح والسخرية الباعثة على استيهام موقف أقسى منه الاطمئنان اليه.. واحسب أن هذا النزوع الى التحول، هو الذي يدفع الشاعر الى الاستغراق في محاولة تعرية ماهو مباشر عبر التذذ باستجلاب ماهو استعاري ومجازي، وماهو مفارق ايضا، حتى تبدو (لعبة الكتابة)الاقرب الى مايشبه التخفف من وطأة تلك المباشرة الدامية والمفجوعة احيانا، والتي تجترح لها عبر التماهي مع(ذات الشاعر/صانعة اللعبة)نوعا من الرؤيا التي تنكشف على ما تجلو عنها فداحة زمنها الدامي والمتعثر الى مايوحي لها بالتضاد، عبربقاء جذوتها الخبيئة متيقظة بمواجهة سيولة ساعتها واصواتها..
أتعثر ب(اليوم)
ب(دقات الساعة)
بالصوت المتدحرج من أقصاي
كدعوة نوم
لكني يقظ كعكاز..
ينزع جواد الحطاب في الكثير من قصائد هذه المجموعة إلى ما يمكن تسميته بالكتابة المراوغة، الكتابة التي تستعير شروط اللعبة تماما، والتي تسخر وتوخز وتحمل اليافطات أحيانا، هذه المراوغة تضعه أمام فضاء محتشد بالنقائض، مثلما تضعه أمام فضاء استعاري يمكن توظيفه كبنيات صوتية مسكونة بالاحتجاج، والصراخ وموسيقى الرثاء، والتي لها قابلية التشكّل والاندغام والنفور والتحوّل في آن معا، اذ تملك تلك البنيات قابلية التحول  إلى مستويات تعبيرية/صورية، تتفجر عبر كل مكنونات الشاعر وأحزانه وسخريته المرّة، والتي يتعرف من خلالها على لحظة اقامته مفجوعا في عراء الامكنة المصابة ب(الجنّة) والمكشوفة على خواء التفاصيل، والتي يهجس عبر(تحوله فيها) بالكلام وكأنه بوحه الصاخب، وغوايته التي لاينفك عن التلذذ بلعبتها الشرهة، اذ هي هتافه ونشيده وحطبه وعصاه التي ينش بها ما يستعيده من اوهام ومراث وصور دامية..
فلما جن ّ علينا القصف 
رأينا طائرة ً
قلنا هو ذا الرب 
فلما ضربتنا 
قلنا نحن براء ْ 
حاشا أنْ ينزل فينا الرب ُ..
كتاب قنابله..
في قصيدة(ابراهيم آخر)تبدو هذه اللعبة/لعبة التحول، اكثر حضورا، واكثر تعبيرا عن رؤيا الشاعر لتحولاته العميقة، اذ يساكنه فيها الشك والقلق والخوف، مثلما يشاغل عبرها الهموم اليومية الناتئة بالوحشة والمرارة، حدّ ان فكرة(الافول) في هذه القصيدة، تتحول الى مستوى تعبيري يجذب اليه العديد من الافكار الاخرى، فكرة الاغتراب، والخواء، العجز، سواد المراثي. اذ يتسع فضاؤها، ليسبغ على فكرة المعنى ايحاء يلامس محنة الانسان الباحث عن يقينه، مثلما يجعل الشاعر اكثر شغفا بالبحث عن تفجرها الدلالي المكشوف على الرمز الديني والرمز السياسي والرمز الإنساني.
هذه القصيدةإاذ تجد في تناصها مع قصة النبي ابراهيم بعدا رمزيا لفكرة التحول الروحي العميق، فانها تدفع الشاعر للتماهي مع هاجسه السري باتجاه استعادة فكرة الانكشاف على الذات الانسانية القلقة، حيث يجد في شفرة (ابراهيم) مفتتحا للغوص في سرائرها اللجوجة، والكشف عن هواجسها وارتياباتها، والغوص كذلك في(الخارج)المباح للقصف والسجن والخراب والموت، مستعيدا ماهو نقيضها الإنسي الذي يجعل بنية التضاد في القصيدة مسكونة بما يشبه البحث عن فكرة تعويضية اشباعية.
عماذا تبحث يا إبراهيم؟
– أبحث عن رب ْ 
يندس بورده 
وينام كطفل.
تقودنا هذه القصيدة إلى تناصات أخرى تتزاوج فيها رمزية الواقع والتاريخ الرمزي، مع رمزية المقدس، اذ يحضر فيها الجواهري بوصفه الاغترابي، ورمزيته الاحتجاجية، ويحضر فيها النبي يوسف في قصيدة(احد عشر كوكبا) بوصفه الرمز الاغترابي الشاهد والرائي لأحزان الأب وضلالة الاخوة..
مجموعة جواد الحطاب محاولة في كتابة المعنى، وتفكيك تشفيراته، وإذ هي تنهل من أشكال كتابية أخرى كالسخرية والمفارقة، فانها أيضا ترسم لقصائدها بعدا(تشكيليا/بصريا)يوحي بدلالة هذا البعد على المستوى التعبيري، بوصف القصائد ذات محمولات تعبيرية تسعى للكشف عن موقف الشاعر ازاء كل مايجري حوله، فالسخرية من التاريخ وامرائه، هي سخرية من صنائعه واخطائه التي تركت فم التاريخ مفتوحا كما قال الشاعر عدنان الصائغ. وحتى السخرية من رمزية (المتنبي)هي سخرية من(فوبيا الشاعر/السلطة) ورهاب الاحلام التي ظلت تساكنه وتطارده، والتي أصطنع لها الشاعر الحطاب وظائف هابطة وصور مغرقة في استلابها، وواقفة عند مظاهر(الموت العلني) الذي وسم الوقائع واليوميات، والذي عمد الشاعر إلى توظيفها كبنية صوتية مضادة ومفارقة لكل مظاهر موته الوطني والإنساني.
لو كنت ُ مكان ” المتنبي “
لوضعت ُ الأمراء جميعا ً في الحمّام 
وسحبت ُ” السيفون “
طويلا ً
_________
* ناقد من العراق 

شاهد أيضاً

“جوهر الحياة” كتاب جديد للمفكر السوداني النيّل أبوقرون

خاص- ثقافات يلخصّ المفكّر والمجدّد السوداني النيّل أبو قرون في كتابه الجديد “جوهر الحياة” المشروع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *