الرئيسية / إضاءات / بين الشفاهية والكتابة

بين الشفاهية والكتابة


* د. هاني حجاج

في القصة تتشابك الضمائر والمصائر، وتؤنسن الأيديولوجيا، وتتجلى الرؤى الماركسية في اتجاه يميني يحلم بأبعد نقطة في الرغبة في الحياة التي لا تزال قادرة على إدهاشنا بالكثير من تجلياتها. أن تجعلنا نشير بأصابعنا إلى أوهامنا. أن يكون الكاتب هو سيد الحقيقة، صاحب معرفة يتمازج فيها الحقيقي والجميل والحسن، ساحر يمتلك أسراراً نهائية تتعلق بالعالم والناس؛ فالحكاية ليست ذات قيمة ما لم تكون مدهشة. الغرابة نوع من الحضور يدل على الغياب، حضور الموت يدل على غياب الحياة بتجسيد الذكريات وتحنيط الأبطال والمواقف والمناظر، حضور للخوف يدل على غياب الأمن، حضور للقلق يدل على غياب الاستقرار، واستقراء التوازن بين الغرابة والمنطق والغرابة كذلك هي (الجليل) الذي يحوم وراء تلك الروابط غير الثابتة الموجودة بين الناطق والمنطوق، بين المعلن والمسكوت عنه، بين الدال والمدلول، بين المؤلف والنص، ترتبط بالأرواح والأشباح. وعند (بودريار) تميل الغرابة في الحكي إلى الازدواجية، والتحول والتجول ما بين الخيال والواقع، وكذلك الخداع البصري المُلح الخاص بها هو ما يمنحها دوراً مركزياً في التجسيد للصور المحاكية الثانوية غير ذات الأصل المحدد والتي هي أصل الغرابة. الدهشة التي تعتري الكاتب هي أصل فنه و قد كتب تشيكوف يوماً لا ينبغي للكاتب أن يكون قاضياً يحكم على شخصياته وحواراتها، ولكن يجب أن يكون شاهداً غير متحيز. 

أنظر إلى نجيب محفوظ تجده لا يتحيز أبداً – لدرجة أنك أحياناً تتساءل ما هو موقفه بالضبط!، وتبدو شخصياته على كلا الجانبين مليئة بالحيوية، نفس الشيء ينطبق على العظيم (وليام فوكنر) من ثم اشتهر بتعقيد كتاباته: إن عائلتي سنوبس وسارتورس لا يربط بينهما الكثير فيما عدا الجدار، وكل عائلة ترتكب الأخطاء في حق الأخرى؛ وفي رائعته (حرق الجرن) ينزعج الولد (سارتي سنوبس) من الصراع بين العائلتين، وهو يشعر أن القيم الأكثر تحضراً لعائلة سارتورس هي الأصح أن تتبع، لكنه في الوقت ذاته يصارع الولاء لأبيه السكير الحقود الذي يرى أن وسيلته الوحيدة لتأكيد ذاته هي حرق أجران ملاك الأرض الذين منحوه وعائلته بالعمل والمنزل الذي يعيش فيه. في مقدمة القصة يبدو سارتي مضطرباً مشوشاً، وفي محاكمة والده يشير الفلاح الضحية من منصة الشهود إلى الولد هاتفاً: أريد هذا الولد الصغير، فهو يعرف! – وكان سارتي يبدو أصغر من سنه، لكنه قوي كأبيه، شعره منكوش، عيناه رماديتان وحشيتان كالسحب الخفيفة، يرتدي (جينزاً) باهتاً ضيقاً مرقعاً، بدا الرجال بينه وبين منصة القاضي كزقاق طويل من الوجوه الكئيبة الصارمة يقبع في نهايتها رجل عجوز بلا ياقة يلبس نظارات ويشير إليهم. وهكذا سيهتم القارئ من الآن فصاعداً بهذا الولد، وتؤجل المحاكمة لأن القارئ نفسه يتردد في الحكم.
ومهما بدت تصرفات أبطال القصة غريبة فلا ينبغي أن يبدي الكاتب نفوره أو تزمته بالرغم من كونه ملتزماً بالتركيز على مواطن الغرابة مما يجعل مهمته أثقل، المثال على ذلك قصة (القفص) للفرنسي (دانييل بولا نجيه) عن فتاه تذهب إلى جزار معروف بحرفتيه واختياره الحيوان الجيد قبل الذبح، وكانت زبوناته ينفرن منه لوقاحته وطول لسانه بغير رادع؛ وكان يطبع قبلة على جبين الزبونة بعد أن يضع اللفة في يدها فجأة وهو يقهقه: هكذا تؤخذ الدنيا غلابا! – ثم نعرف أن المشتريات لا يتوقفن عن ابتياع اللحم من عنده حتى وهو ينحرف بقبلته عن الجبهة إلى الرقبة أو أعلى الخد أو ملتقى الشفتين؛ ويرتضين في حديثهن معاً بتفسير ذلك على أنه تعبير عن الخدمات التي يقدمها؛ لأن من ترفض قبلاته يبيعها القطع الرديئة ويغش معها في الميزان، أما بطلة القصة تذهب إليه بالرغم من ذلك كله. تذهب إليه بالرغم من أنها نباتية أساساً! لعلها رغبت في أنفاس رجل في حياتها، رغم أنها سخرت من الفكرة أولاً، لكنها ذهبت إليه، وتذهب إليه كل سبت، تطلب اللحم وتغلق عينيها وهو يلف شريحة من أحسن ديك، متهيئة لتحريك رأسها في لحظة معينة حتى تتلقاها على شفتيها، وتذهب إلى الحديقة لتلقي بشريحة اللحم لنسرين في قفص بعيد. وهنا بولا نجيه لا يبرز القصاب فجاً يستحق الرجم، ولا يصف النسوة بالاستهتار أو الفسوق، ويتتبع مشاعر البطلة بحنو بالغ ويشاركها كل تنهيدة. الكاتب يداهمنا بالغرابة لا بمطرقة حلم وعليه ألا يتوقع من عمله تحقيق المعجزات الإصلاحية. 
تقول راوية قصة (فارس وفنجان قهوة) للكاتبة (حورية البدري) أنها حين كتبت قصة عن التلوث تصورت أن الدنيا ستتغير، لكن لا شيء تغير، حتى أبطال قصتها أنفسهم عندما قرأوها حبست أنفاسها، انتظرت رد فعلهم لكنهم لم ينفعلوا، لم يتفاعلوا مع ما تناولته من أعمالهم وكأنهم لن يتعرفوا على أنفسهم في قصصها. دهشت فقد رأت أنها وصفتها بوضوح بل استخدمت جمل حوارهم كما خرجت من أفواههم. لماذا لم يظهر عليهم التأثر بما كتبت؟ وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء. وكأنها تشير إلى شخص فينظر حوله. حتى لو لم يكن هناك في المكان غيره. وهنا حتى عندما تخون الشخصيات كاتبها يكون الأخير في قمة سعادته و نشوة إبداعه!
لقد كتبت كاترين أن بورتر تنصح المؤلف الشاب: سر بصحبة شخصياتك كأنك تراها بعين خيالك. تعيش و تتطور كأنها في الواقع، ثم احك قصتها بكل الصدق والتعاطف قدر ما تستطيع. والتوغل في تنفيذ معطيات القص الجيد خطر فالقوانين الصارمة من العبث تطبيقها هنا؛ هل بمقدورك الحكم على الحياة؟! القصة حياة فأي حيز يحويها؟ وينطبق عليها ما قاله العالم الفيزيائي ريتشارد فرايدمان عن العلم: مارست العلم طيلة حياتي كلّها وأنا أعرف تماماً ما هو. لكنني غير قادر على الإجابة عن سؤال ” ما هو العلم؟” ولغياب مقترحات تعريفية بسيطة يحاول الإبيستمولوجيون تعريف مناهج العلماء وأصحاب الفنون والآداب ووصف ممارساتهم الحقيقية. لا توفر الكتابة على الإطلاق لمن مارسها ولو قليلاً تلك الصورة لعالم حضاري قوامه النظريات المحققة والحقائق المطلقة والدلائل النهائية الحاسمة. تظهر أحياناً كثيرة في شكل حبكة من المعطيات المبعثرة والفرضيات النظرية المؤسسة أو غير المؤسسة محلية بلا وحدة. إن كتب الإبيستمولوجيا (تاريخ العلوم) والمعاجم ورسائل المنهجية ليس بها تعريفاً واضحاً للحكاية، ذلك أننا بصدد عدة مهمات مهولة: رسم خط بين الشفاهية والكتابة، وتسطير حدود بين الفكر وعلم الاجتماع والفن. وسوف تكون مسائل التحديد هذه أكاديمية في النهاية بقدر كاف، وبيزنطية إن لم تتبلور خلفها رهانات حقيقية للإجابة عن السؤال الأبسط: كيف نميز حكاية جيدة عن حكاية رديئة؟ ولكن ألا توجد من بين الإجابات عن هذا السؤال اجتهادات تستحق النظر لكنها عفوية وغير أكاديمية على الإطلاق؟!
_______
*(المدى)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *