الرئيسية / قراءات / زليخة أبوريشة في معجم شاعرات العربية

زليخة أبوريشة في معجم شاعرات العربية


*رشيد العناني

النوارس تريد أفكارا واضحة’. هكذا يقول عنوان إحدى قصائد هذه المجموعة الجديدة لزليخة أبو ريشة، وهي القصيدة التي تعطي عنوانها للمجموعة كلها. ماذا لو قلنا إنه ليست النوارس وحدها التي تريد أفكارا واضحة، وإنما قارئ هذه القصائد أيضا؟ هل يكون هذا طلبا معقولا؟ 

ليس وضوح الأفكار من مزايا شعر زليخة أبو ريشة عامة، في هذه المجموعة كما في السبع السابقة عليها، ولا هو من مزايا الكثير من الشعر العربي الحديث منذ الستينات على الأقل وحتى اليوم. وليس الشعر العربي الحديث وحده في غموض الأفكار وتواريها وراء اللغة والأخيلة والإشارات والإحالات، وإنما هو يتبع في ذلك أو يماثل اتجاهات الشعر الحديث عالميا من مطالع القرن العشرين ونهايات التاسع عشر. لعل مطلب وضوح الأفكار من القارئ ليس إذن أقل استعصاءً من صراخ النوارس بنفس الرجاء. كلاهما استشفاع بلا أمل في آذان صاغية من الشاعرة. بل لعله فوق هذا مطلب غير مشروع، يندرج تحت مظلة قولنا ‘إن أردت أن تُطاع فمُرْ بما يُستطاع′.
قلما يقطن الشعر تحت الشمس الساطعة، إنما مجاله الحيوي بين الظلال، وفي عتمة المشاعر واختلاط الأفكار وتصارع الأهواء. وفي محاولة لغته تطويع كل ذلك في كيان لفظي قابل للتعبير وللنقل للآخرين يكمن الغموض وتستعصي ‘الأفكار الواضحة’. في شعر زليخة أبو ريشة علينا أن لا نبحث عن المنطق الجليّ أو الفكرة التي تقود في سلاسة إلى الفكرة التالية انتهاءً بنتيجة واضحة. إنما علينا أن نتلقى شحنات شعورية من وجدان باطن إلى وجدان باطن وليس من عقل إلى عقل، علينا أن نقنع بجمال اللغة والصور وسحر الرمز وتحجُّب المعنى وراء كل هذا، وعلينا أن ندع الحكمة والعطف البشري يتسللان إلى شغاف القلب في غير ضجيج، مهموسيْن وغير مُفْصَح عنهما، فالشعرية تختفي استحياءً إنْ فاجأها ضوء الشمس. 
*****
ليس ثمة تماهٍ بين الشعر والشاعر، الذات الشاعرة غير الذات العائشة وإن صدر الاثنان عن نفس الشخص. وهذا ما ترمي إليه في تصوري قصيدة ‘استتباب أمني’: ‘لمّا اندلقَ الحبرُ على الصفحةِ/غابَ الحبُّ/وغابَتْ أحوالُهُ/وكذا جِراحُهُ.لمَ خارجَ الورقِ الأبيضِ/عندما غابَ الحبُّ/بقِيَتِ الجروحُ؟’ هذه القصيدة القصيرة الأنيقة هي صياغة شعرية للنظرية الأرسطية القديمة عن الأثر التطهيري لعملية الإبداع الفني، وهي وإن كانت نظرية تنصرف أصلا للتراجيديا المسرحية، حيث يفترض أن تتطهر مشاعر المشاهدين عن طريق التعاطف مع معاناة البطل المأساوية، إلا أنه يمكن أن نمدها إلى أي إبداع فني، كما أن الفعل التطهيري وما ينتج عنه من راحة نفسية لا يقتصر على المشاهد أو القارئ، وإنما يشمل الشاعر المبدع نفسه باعتباره في نهاية الأمر متلقّيا لإبداعه، مثله مثل أي متلقٍ آخر. ولكن التطهر أو الارتياح الناتج عن الخبرة الفنية في لحظتها لا يحلّ مشاكلنا في الحياة، ولا يمحو آلامنا الخاصة إلى الأبد. فقط ربما يعيننا على الفهم أو التحمل أو يعطينا الإدراك أننا لسنا وحدنا ضحية محن الوجود. وهذا هو السر في أنه ‘خارج الورق الأبيض … بقيت الجروح’، فخارج الورق الأبيض يغيب الشاعر ويبقى الإنسان المُعاني وحده.
لا يكون الشعر شعرا إن لم يقلب منظورنا الحياتي رأسا على عقب، إن لم يقدم لنا رؤية جديدة، إن لم يدهشنا ويدعونا إلى إعادة التفكير، عن طريق الإشارة والتلميح والتساؤل والقلق. ومن هذا القبيل قصيدة ‘الستّ ملك’ والتي تبدو استرجاعا من الصوت الشعري لصور من عهد الطفولة. الستّ ملك هي ربة ماخور يعجّ بالبغايا والذي من أمامه تمر الأمهات مسرعات بأطفالهن حتى لا يروا ولا يسمعوا ما لا يليق ببراءة الطفولة، إلا أن ‘الرجل الكبير… باحترام يحيي المتبرجة بالمنديل الأسود الشفّاف على الوجه’. وتمضي الواعية الشعرية قائلة: ‘ سمعتُ الرجل الكبيرَ يوماً يقولُ: ‘هؤلاءِ المسكيناتُ هنَّحارساتُ الفضيلةِ في بيوتِنا’. وتُختم القصيدة بهذا البيت، وقد كبرت الطفلة في القصيدة ونضجت: ‘و حتى الآن لم أفهم!’ إلا أننا كقرّاء لا ينبغي أن نصدّق ذلك. لقد فهمت. وفهمنا معها. ربما لا يكون فهما كاملا واضحا. إلا أنه فهم بما يكفي. في العرف الاجتماعي لا تقترن ‘البغايا’ ‘بالفضيلة’. لكن هذه القصيدة تصدم الوعي الاجتماعي التقليدي بالقرن بين هذين المتضادين الافتراضيين. تنبهنا القصيدة إلى فجاجة الفهم الأبيض والأسود. تلفتنا إلى الظلال الرمادية. إلى تشابك الأمور وتعقُّدها. تدعونا إلى التفكُّر، وتربأ بنا أن نكون أول الملقين بحجر. لا تفعل هذا بوضوح ولا تتهجى المعاني والأفكار حقا. ولكن ألم نتفق أن الوضوح ليس من شأن الشعر؟
أعتقد أن زليخة أبو ريشة قد دفعت ‘بشعر الحب’ في اللغة العربية (وهو الاصطلاح الذي أتمنى أن نستخدمه في كلامنا على الشعر الحديث، لأن إيحاءات المصطلح التقليدي، ‘شعر الغزل’، لم تعد تفي بالحاجة) إلى تخوم جديدة. فمن ناحية وفي مجموعات عديدة لها سابقة أرى أنها تمكنت على نحو مشهود من مزج الحسي بالصوفي، أو تحويل الخبرة الحسية إلى خبرة صوفية من الدرجة الأولى، من طريق الاستخدام البارع والمكثف لللغة والأخيلة والرمز والإيحاء والإحالة إلى نصوص دينية وشبه دينية. ليس هذا فقط وإنما أراها قد فتحت أبوابا جديدة أمام شعر المرأة (أي الشعر الصادر عن واعية أنثوية، وليس أن للمرأة شعرا وللرجل شعرا آخر) بتوغلها على نحو أظنّه غير مسبوق في شعرنا المعاصر في التعبير عن الجنسوية الأنثوية في حسيّة لا تحاول الاختفاء وراء نقاب الاستحياء، ولا يعنيها أن تستر نوازع الفطرة وراء نفاق المفاهيم الاجتماعية المتوارثة، والتي تؤطر المرأة وكأنها مخلوق بشريّ من طينة غير طينة الرجال، جُعل موضعا لرغبتهم، لكنه بلا رغبة تصدر عنه. وليست زليخة أبو ريشة الشاعرة في هذا الشأن بمنأى عن زليخة أبو ريشة الناشطة منذ عقود في الحركة النسوية التحررية في العالم العربي. وإنه لمن توفيقات القدر أنها تمتلك الموهبة الشعرية المتميزة التي استطاعت بها أن تعبّر في شعرها في غير عناء ولا تكلُّف عن ذات الحساسية التي تصدر عنها في آرائها الاجتماعية وخاصة في شأن المرأة. على أن لزليخة أبو ريشة مزية أخرى هي الجرأة على كتابة ما تعتنق والجهر به غير آبهة بالعواقب، وما أكثرها في ظلّ المناخ الرجعي المحافظ الذي ينحدر إليه جُلّ المجتمعات العربية اليوم! ليست الآراء الحرّة المخالفة للموروث والسائد بالقليلة بين النساء العربيات أو بين الرجال، لكن ليس لدى الجميع الجرأة على الجهر، وهو ما يضاعف من وجوب الاحتفاء بالمجاهرين والمجاهرات.
فلنتأمل في الحساسية الجديدة الكامنة وراء هذه الأبيات البسيطة من قصيدة ‘امرأة في الظل’: ‘هناكَ أستطيعُ أن أفتكَ بكَ تحتَ شجرةٍ،/أن أصطادَ لكَ شِبلاً يضحكُ./هناكَ أقدرُ أن أدفنَكَ واقفاً في النَّدى،/أن أمزِّقَ لكَ قميصك الأماميّ’. المرأة هنا هي ‘الفاتكة’ وهي ‘الصائدة’ وهي ‘المدفّئة’ وهي ‘الممزقة للقمصان’. المرأة هنا امرأة عصرية. امرأة فاعلة وليس مفعولا بها، أو على الأقل امرأة تتبادل الفعل والانفعال. وليست هذه هي المرأة التقليدية في الشعر العربي ولا في المجتمع العربي ‘المثالي’ من وجهة نظر ذكورية. ثم ما رأي القارئ في الإشارة العابرة التي تكاد ألا تكون ملحوظة: ‘أن أمزق لك قميصك الأمامي’. هذه إشارة فيما أعتقد لقصة النبي يوسف القرآنية وما صار له مع امرأة العزيز التي حاولت إغواءه ثم رمته بما حاولت، إلا أن براءته ثبتت من كون ثوبه قد تمزق من الخلف إذ يفرّ هاربا وهي تجذبه من وراء. هنا تنعكس الآية والقميص يُمزّق من الأمام والغواية فيما يبدو واقعة، والعنصر الفاعل في قصيدة اليوم هو المرأة كما كان في القصة التراثية. ثمة شيء يُضاف إلى الموقف في القصيدة عن طريق هذه الإشارة المتوارية للقصة الدينية، أو هذا التناصّ كما يُقال في المصطلح النقدي. ثمة إثراء. ثمة عمق إضافي يكتسبه الموقف الشعري. ثمة ربط بين الماضي البعيد والحاضر القريب. وثمة استحضار للموروث بدمجه في المعاصر. وشعر الغربيين ملآن بمثل هذه الإشارات العابرة أو الممتدة إلى الموروث الديني للتوراة والإنجيل بغير إشكال. ولكن بين الكاتب العربي ومثل ذلك ألف حاجز وحاجز. 
في شعر الحب عند زليخة أبو ريشة لا نجد الرومانسية التقليدية ولا الواقعية، ولا نجد الذوبان في الحبيب ولا العلوّ به إلى المثالية. إنما نجد جدلا متصلا بين الحبيب كما هو في الواقع والحبيب كما هو صورة مصاغة في خيال المحبّ. في قصيدة ‘خيبة بمنديل ورق’ يصارح الصوت الشعري (أستخدم هذا التعبير تفرقة من ‘الشاعرة’، فالشاعرة كائن حيّ يكتب الشعر فقط، ولا ينبغي أن نخلط بينه وبين الأنا الشعرية الناطقة في القصيدة المتخيلة) تصارح الأنا الشعرية الأنثوية الحبيب قائلة: ‘أنا لم أحببك لحظة’، ثم تمضي في تعداد ما أحبت فيه، وكأنها أحبت فيه الحبّ، وما تحبّ أن يكون الحب عليه، أما شخصه فليس إلا العرض الزائل الذي تجسد فيه مثال الحب. ولذا فإنه عندما تحين ساعة الفراق، فلا أسى هناك ولا تأسٍ، فالعرض زال كشأنه، أما جوهر الحب فباق في الخيال: ‘أما أنت/فاذهب أنّى شئت/تصحبك الموسيقى التصويرية/وأنا كمثل أي مهرة سأرفع عقيرتي بالغناء/لأؤنس العصافير التي من راحة كفي/طارت إلى الحب’. كل هذه المعاني تتأكد في قصيدة أخرى، بليغة في إيجازها، ‘سوء تفاهم عارض’: ‘كل ما مدحته فيك/تحقق/ولكن/في/آخر/لم ألتقِ به’. والمعنى كله في مفارقة البيت الأخير: فالحبيب المثالي هو معنى في الذهن، لا يُعاين في الواقع المُختَبر. الحبيب بالنسبة للشاعرة في قصيدة أخرى، ‘مانيكان’، ليس سوى مشجب تعلّق عليه أشعارها: ‘فإنك بالنسبة إليّ- ولا أقصد أي إهانة- /لست سوى مانيكان/ألبسك ما أُفصِّل من/قصائد’.
في شعر الحب لدى زليخة أبو ريشة نجد أيضا احتفاءً بالحياة وترحيبا باللذة والفرح، وبالجسد والنشوة. ليس عذريا شعرها. وليس خجولا، محمرّ الوجه. بل هو جريء، مقتحم، لا ينكر على الطبيعة نوازعها، ولا على الجسد رغائبه وحقه في الاستجابة إليها. تظهر عناصر الحسيّة والمبادرة النسوية التي سبق الإشارة إليها في غير قصيدة. منها مثلا، قصيدة ‘رماد’: ‘إن لم تدعني أمسسك بيدي لتتعلم فحوى النار/فاترك لي على الأقل ظلّك/أو/ظله./فأنا كفيلة بإحيائك من/رمادهما’. وفي قصيدة ‘على صورة نبيّ’، يقول الصوت الشعري: ‘وعندما فتح فمه الجميل/انهلت عليه تقبيلا/حتى لا أدع هواء رئتيه يذهب في فراغ/الناس′.
للشاعرة، أو بالأحرى لصوتها الشعري، قصة حب قديمة، تنبسط فصولها وتترى أفراحها كما تنبض لواعجها على امتداد مجموعات شعرية عدّة، ومن شاء يستطيع أن يأتي بها فيتتبع مراحل تلك الملحمة الشخصية الحميمة عبر سنوات عديدة وكأن الشاعرة قد سكبت مكنون روحها على الورق وأشركت فيه الملأ، منقلبة من الصوفية إلى الحسيّة، أو مماهية بين الاثنتين، ومن تأليه المحبوب والصلاة في محرابه تارة، إلى خسفه إلى الدرك الأسفل تارة أخرى. لدى الشاعرة قصة حب جديرة برواية طويلة، إلا أنها اختزلتها اختزلت أفراحها وأحزانها، عقلها وجنونها، متعها وآلامها في بعض من أجمل الشعر وأشده أصالة. استقطرت عِبَرها في كثير من القول الوجيز الحكيم الجميل. وتبدو المجموعة الحالية واحدا من الفصول الأخيرة لتلك القصة الممتدة، ولا أقول الفصل الأخير لأن الخبرة المَعيشة لا تني تنضح شعرا لا يجفّ نبعه: قد تجفّ الخبرة في المعاش اليومي، ولكن قطرها يبقى يسّاقط في تخوم الروح التي يترجم عنها الشعر. في قصيدة قصيرة بعنوان دالٍّ، ‘قصة قديمة’، تعبّر الشاعرة عن وجدان النهايات في غنائية مرهفة: ‘من أجل قصتنا القديمة/لم تعد لندن نفسها متأكدة من وجود ليستر سكوير/ولا بيكاديللي سركس′. هنا تتلاشى جغرافيا المكان أمام جغرافيا الحب، فمطارح اللقاءات القديمة يحيط بوجودها الشك بعد أن توقفت مواعيد المحبين، وكأن الأمكنة تتوارى في العدم وخرائط المدن يُعاد رسمها إذا ما انقضت قصة حب. 
تكاد المجموعة الراهنة أن تكون مكرّسة لحال شعورية واحدة، قصيدة بعد قصيدة، هي تبدد الحب وانتهاء العلاقة الحميمة وانصراف المحبين، كل في سبيله. ومن هنا تحفل لغتها وصورها بما يكني عن هذا الحال، وتسود فيها أحاسيس اللوعة والحسرة والأسى والعتاب والخوف من الخواء الآتي. ومثال ذلك قصيدة ‘كأني روحه’: ‘متلكئا/أشهد في عينيه الدمعة/ورأس الرمح الذي يوشك أن يغمده/في/روحه./أ أحذره من نداء الحقول حتى لا/تبغته/الأعاصير؟/إني أشهد في عينيه الدمعة./أشهد رأس الرمح الذي يوشك أن يغمده./وأنا خائفة/خائفة كما لو كنتُ/روحه’. إلا أن ثمة تصالحا مع الأمر الواقع، واستسلاما لحتمية انقضاء الحب، والحياة بغير المحبوب، ثم البحث عن الدروس المستفادة من التجربة، البحث عن الحكمة الكامنة في كينونة الأشياء وفي زوالها. وأي مجال أنسب للبحث عن الحكمة إن لم يكن الشعر؟ ‘لم يبق سواي إذن فيما يبدو كي أذعن للطوفان الآخر. أن أخطو من فوق الجثمان، وأردم هذا الفصل السيء من ذاكرتي، خلفي فورا./ إني أرغب فعلا أن أشرع في فصل استجلاء الحكمة/هيا افتحوا الأبواب’. هكذا تختم الشاعرة قصيدة ‘بعض صفات الكائن’.
تجمع زليخة في شعرها بين رصانة اللغة الفصحى الكلاسيكية وبين العصريّة، فمفرادتها قوية ثرية ترتكن إلى محصول لغوي وافر وتكشف عن صلة وثيقة بالتراث الشعري، ولكنها ليست لغة معجمية. ليست لغة مقتبسة من القواميس ولغات الآخرين. إنما هي لغة خاصة. لغة عصرية جديرة بخبرات اليوم وحساسية اليوم. وهي أيضا لغة زليخيّة متفرّدة لا تصلح إلا لما جُعلت له في شعر زليخة أبو ريشة وخبرة حياتها. إلا أن هذه اللغة العصرية لا تتورع أحيانا عن بعض ألاعيب اللغة التراثية، كقولها في قصيدة ‘صبّار يتهرب من مسؤولياته’ التي تخاطب فيها ‘الشوق’ إلى الحبيب: ‘يا شوق يا شوك يا شوق يا شوك’. ليس هذا الجناس السافر مما يستساغ في نظري في لغة الشعر المعاصر. فهو على لفته إلى طبيعة الشعور بالشوق كخبرة ‘شائكة’ مؤلمة ينتقص من جدية السياق بهذا التلاعب اللفظي بالحرف الفارق بين المعنيين. ومن ناحية أخرى نراها في نفس القصيدة تقوم بمحاولة لـ’تفصيح’ تعبير عاميّ شائع: ‘…تجبرنا/على أن نأخذ بالنا من بهائه/أن نأخذ بالنا من شحوب المعنى..’. فعلى الرغم من أن كلمتي ‘نأخذ’ و’بالنا’ فصيحتان، إلا أن التعبير الجامع بينهما تعبير دارج، وإقحامه في سياق قصيدة فصيحة، رصينة اللغة، يقع نشازا على الأذن. فإما أن يكون ‘التفصيح’ ممنهجا لا يقتصر على كلمة تُقحم إقحاما، أو نحافظ على تجانس السياق اللغوي، فلا نأتي بجناس من غياهب التراث هنا، ثم ندفع بتعبير عامي ‘مُفَصَّح’ بُعيدَه بقليل. 
وأخيرا أتوقف عند قصيدة عنوانها ‘تعريفات’، وأدلف إلى أحد أبوابها، وعنوانه ‘معجم’، والذي تقول الشاعرة في تعريفه: ‘كلما صدر كتاب ‘معجم الشاعرات’/ولا أجد اسمي/أتيقن أني/وهم/وقد يكون مرّ في هذا/الكون!’ ولا أملك في ختام هذا التقديم الوجيز لبعض يسير من شعر زليخة أبو ريشة إلا أن أجهر بدون بارقة تردد أن أي معجم معاصر للشاعرات العربيات يخلو من اسمها، إنما هو مرجع لا يمكن الاعتداد به أو الاعتماد عليه لما به من خلل شديد ينمّ على الجهل بالمشهد الشعري العربي المعاصر وأصواته المتفرّدة. 
_________
*(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *