الرئيسية / قراءات / “النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة”للحيدري

“النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة”للحيدري


*عدنان حسين أحمد

في كتاب “النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة” يتوقف الحيدري في الفصل الأول من الكتاب عند مفهوم النقد وظهوره أول مرة في اللغة الأغريقية بمعنى “الاختبار أو الحُكم” كما عند أفلاطون، أو التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو زائف كما عند سقراط، إلى أن وصل معنى النقد إلى نوع من “الجدل العقلي” الذي يبتغي الوصول إلى معرفة أخرى. وبالرغم من أهمية العقل إلاّ أنه كان يأتي في المرتبة الثانية بعد الإيمان وذلك بسبب هيمنة الكنيسة على المجتمع. 

إن هدف النقد، كما يرى الحيدري، هو أن لا يضيع الإنسان في واقع مزيّف أو يستسلم لحقيقة كاذبة أو يتوهم أنها أبدية ولا يمكن مسّها بالنقد والتجريح. وأكثر من ذلك فإن النقد هو عملية رفض وتحدٍ، وليس خضوعاً واستسلاماً، وهو في جوهره حرية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لكن السؤال المهم الذي يثيره الحيدري هو: هل يستطيع الناقد أن يرفض القيم الاجتماعية ويتخطاها؟ 
يسلّط الحيدري في هذا الفصل الضوءَ على ما حققه المعتزلة من فكر عقلاني وتنويري شكّل المقدمات الأولية لازدهار علم الكلام أولاً ثم تطور علم الحديث الذي استمد شرعيته من السُنة النبوية حيث نظر المعتزلة إلى الإنسان بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً عن أفعاله، وعن الكون 
باعتباره وحدة من العلاقات والقوانين التي تربط بين أجزائها وهذا هو جوهر الاعتزال. تناول الحيدري بعض الشخصيات التي تأثرت بأفكار المعتزلة مثل المأمون الذي قال بخلق القرآن خلافاً للمحدثين الذين يؤمنون بأن القرآن قديم غير مخلوق، والجاحظ الذي اعتبر الإنسان كائناً اجتماعياً بالطبع لا بالتطبيع، والبيروني الذي وضع الأسس النقدية التي تقوم على الشك في تقييم وتحليل المعلومات، والاعتماد على الموضوعية التي هي السمة الأساسية للفكر النقدي، وابن خلدون الذي تبنى المنهج الاستقرائي الذي ربط فيه بين السبب والنتيجة. كما أشار إلى المتوكل الذي قاد انقلاباً سياسياً وفكرياً ضد المعتزلة وفرض آراء أهل الحديث والسُنة. 
يعود الفضل في انتقال السلطة من الكنيسة إلى الدولة، كما يرى الحيدري، إلى بعض الحركات الإصلاحية مثل البروتستانتية بقيادة لوثر وحركة كالفن هذا إضافة إلى الاكتشافات والثورات العلمية التي فجرها كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو ونيوتن التي قلبت تفكير الإنسان ومعتقداته وجعلته يشك بكل ما حوله. 
يركز الحيدري في الفصل الثاني على النقد كنزعة عقلانية جاءت كنتاج خالص لعصر التنوير الذي رسخ المبادئ العقلانية التي مازالت تتحكم في الغرب حتى اليوم. ويرى أن عصر التنوير قد أنتج أول ثورة في الفلسفة الحديثة حيث أحدثت آراء ديكارت تيارات فلسفية عقلية وتجريبية مهدت الطريق لظهور كانط على المسرح الفكري. امتدت رياح التغيير من ديكارت واسبينوزا ولايبتنز إلى جون لوك وباركلي وهيوم في مضمار الفكر، كما شملت الأدب والفن والمسرح واللغة في عدد من الدول الأوروبية. 
انبعثت في عصر التنوير، كما يرى الحيدري، الروح النقدية التحررية التي اتسمت بالشجاعة في استعمال العقل لمناهضة التفكير الغيبي والأسطوري وتحريره من الأوهام والخرافات وفتحه آفاقاً جديدة في البحث والدراسة والمعرفة واكتشاف المجهول. حثَّ عصر التنوير الإنسان على 
الخروج من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه وعجزه عن استعمال عقله إلاّ بتوجيه من إنسان آخر، ولهذا فقد ترسّخ مبدأ التنوير القائل “كن شجاعاً واستعمل عقلك بنفسك”. 
يتناول الحيدري في الفصل الثالث من الكتاب نشوء وتطور النظرية النقدية في علم الاجتماع والثقافة والفلسفة التي سميت فيما بعد بمدرسة فرانكفورت وارتبطت أولاً باسمي دوركهايمر وأدورنو وهابرماس لاحقاً. أكدت مدرسة فرانكفورت على ربط النظرية بالممارسة العملية، وتقديم نظرية نقدية للمجتمع تستطيع الوقوف أمام فكرة التسلط والعنف. وفي السياق ذاته رفض ماركوزه القمع وثار عليه، وأكد على الدور الثوري للعقل. كما ذهب إريك فروم والفرويديون الجدد إلى تأسيس اتجاه يقوم على مقدمات ماركسية للتحليل النفسي. 
ينوّه الحيدري على أهمية ماركوزه الذي اشتهر كأبرز مثيري الحركات الطلابية في ألمانيا وفرنسا وأميركا. ويرى بأن النظرية النقدية يجب أن تساعد الإنسان لأن يقف على قدميه، لا على رأسه حتى يستطيع تحدي عملية التغبية وغسل الدماغ التي تعوق تقدمه. 
يتوسّع الحيدري في الفصل الرابع بشرح أفكار روّاد مدرسة فرانكفورت الشهيرة التي ضمت بين دفتيها ستة مفكرين وهم هوركهايمر وأدورنو و ماركوزة وإريك فروم وفالتر بنيامين ويورغن هابرماس وهؤلاء جميعاً سبقوا غيرهم من الفلاسفة في إثارة أسئلة معرفية تدعو إلى الشك في الفكر الاجتماعي الفلسفي. تجدر الإشارة إلى أنَّ فالتر بنيامين قد اشتهر بأفكاره النقدية التي تتمحور حول إعادة إنتاج الأعمال الفنية تقنياً. كذلك كتاباته حول أصالة العمل الفني وفرادته التي تضفي عليه “هالة” أو “نفحة فنية”. 
يؤكد هابرماس أن مجتمع المستقبل سيكون أفقياً لا مركزيا حيث تتدفق المعلومات عن طريق الإنترنت بكميات كبيرة وسرعة فائقة كما هو الحال في مكتبة الأمازون على الإنترنت. كما 
يتحدث هابرماس في هذا الفصل عن ثورة الجينيوم والتلاعب بالأجنّة بواسطة كتابه المهم علم تحسين النسل ومستقبل الطبيعة البشرية. 
يوضح الحيدري في الفصل الخامس مفهوم الحداثة ومبادئها الأساسية التي تقوم على العقلانية والتنوير والتقدم الاجتماعي والتي تشكل قطيعة مع الماضي معتمداً على آراء هيغل وفيبر وفرويد وهابرماس. تطرق الحيدري إلى تطور الحداثة الأدبية والفنية في أوروبا وإلى مهمة الفلسفة وروادها في العصر الحديث أمثال غادامار ولوكاش وانتقاداتها مدرسة فرانكفورت على تراجع عصر التنوير عن الوعود التي قطعها على نفسه، وكذلك تطور تيار ما بعد الحداثة الذي يعود في أصوله إلى عدميه نيتشه وتأويلية هايدغر للوجود والزمن ونقده للعلم والتقنية. 
يرى الحيدري أن الحكومات النازية والفاشية قد تبنت مقولات نيتشه وأفكاره في إرادة القوة والإنسان المتفوق وشرعت في تفسيرها على أساس نموذجي أحادي الجانب. يحتشد هذا الفصل بمعلومات قيمة سلطت الضوء على شذوذ فوكو وجنونه الذي لم يشفَ منه إلا عندما اكتشف الحدود الفاصلة بين الجنون والعقل، وإلى جنون ألتوسير أيضاً الذي خنق زوجته وفقد عقله تماماً. 
يتمحور الفصل السادس على تفكك الدولة العربية والإسلامية ووصول السلاجقة إلى الحكم الذي أُجهض مشروع النهضة وأحدث قطيعة مع الفكر النقدي الذي أفضى بالنتيجة إلى سيطرة ثلاثة تيارات إسلامية وهي التيار التقليدي الذي يقول بأولوية النقل على العقل، والتيار العقلي الذي يقول بأولوية العقل على النقل، والتيار الصوفي الذي يقوم على التجربة الروحية. وقد سيطر التيار التقليدي على الفكر وأُغلق باب القياس والاجتهاد فانتكست الحركة العقلانية وتوقفت مغامرة العقل العربي. واستمر هذا الحال حتى القرن التاسع عشر حينما ظهر مصلحون جدد من طراز الطهطاوي والأفغاني وعبده الذين انبهروا بأنوار أوروبا وتقدمها العلمي. توصل 
الحيدري أن العربي ظاهرة صوتية، وهو اتباعي المنحى، يفضل الخطابة على الكتابة، كما استعان الباحث بآراء أدونيس التي تقول إن بنية الفكر العربي ماضوية، اتباعية ترفض الإبداع وتدينه، ولابد من تهديم هذه البنية التقليدية بغية تحقيق الشرط الإبداعي في الفكر العربي بصورة عامة. 
يخلص الحيدري في الفصل السابع والأخير إلى أن الحداثة العربية قد أُختزلت في الشعر والرواية، بينما ظلت الفلسفة والسياسية والعلوم بلا حداثات، وأن ما استورده العرب هو فقط حداثة مادية – استهلاكية من دون الحداثة الثقافية التي أنتجتها وذلك بسبب الخوف من الحداثة الذي هو أصله خوف من الحرية، وخشية من الديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك. يعتقد الحيدري أن النقاد العرب قد تخلوا عن المناهج النقدية التقليدية كالمنهج الواقعي والانطباعي بسبب تأثرهم بمناهج مابعد الحداثة كالبنائية والشكلانية والتفكيكية التي اهتمت بشكل المنهج لا بمضمونه، ورفعت شعار موت المؤلف وموت الكتابة للوصول إلى “النقد الثقافي” الذي عدّه بعض النقاد الأوروبيين والعرب مثل بارت والغذامي منهجاً بديلاً للنقد الأدبي. يصل الحيدري في نهاية هذا الفصل إلى نتيجة مفادها: “ليس كل ما يكتبه الحداثي حديثاً فعلاً إذا لم تتوفر فيه شروط التجديد والتنوير والإبداع وجوهر الحداثة هو الحرية والعقلانية والتقدم الفكري والاجتماعي والاقتصادي، وكذلك قطيعة مع أنماط التفكير التقليدية القديمة”. بقي أن نقول إن هذا الكتاب يسدّ فراغاً كبيراً في المكتبة العربية، وقد رُشح لأهميته إلى القائمة الطويلة في مسابقة الشيخ زايد لهذا العام. أنجز الحيدري عشرة كتب فكرية نذكر منها “تراجيديا كربلاء”، “صورة الشرق في عيون الغرب” و “النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب”.
________
*(المدى)

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *