الرئيسية / فنون / تكريم المبدع الأردني هايل العجلوني بعد نصف قرن من العطاء

تكريم المبدع الأردني هايل العجلوني بعد نصف قرن من العطاء


سميرة عوض *

لم تكن ليلة عادية تلك الليلة التي كرم فيها المبدع هايل العجلوني واختار عنوانها العجلوني نفسه ‘نصف قرن من التمني والانتظار’.
نعم لم تكن ليلة عادية، فقد افترش الورد الأبيض المرصع بالورد ‘الجوري الأحمر’ جنبات مسرح هاني صنوبر لاستقبال ‘القامة الجليلة’ لهايل العجلوني، الورد الذي جاء مرافقا لبطاقات وفاء ومحبة للفنان العجلوني، أرسلها الأصدقاء من الفنانين والمؤسسات الثقافية كتعبير رقيق في تلك الليلة التي أعلن العجلوني في ختامها ‘أنها ليلة لن أنساها أبدا’. 
الليلة الأنيقة بشهادة من حضر من أصدقاء الفنان هائل جميل صالح العجلوني الشهير بـ’هايل العجلوني’، شهدت ‘حديثا مسرحيا’ و’إنسانيا’ تابعه الجمهور، في حفل تكريمي للمبدع الرائد احتضنه مؤخرا مسرح هاني صنوبر ‘المسرح الرئيسي’، في المركز الثقافي الملكي، أقامته نقابة الفنانين الأردنيين وفرقة (رؤى) المسرحية للثقافة والفنون، بالتعاون مع المركز الثقافي الملكي.
رئيسة فرقة ‘رؤى المسرحية’ الفنانة عمران استهلت الحفل بقولها ‘نلتقي هذا المساء وقد تعطر فضاء الفن والإبداع لنكون تحت مظلة أكثر من إبداع، حيث أن مبدعنا هو فنان تشكيلي بألوانه وفضاءاته وله في الشعر صور وإشارات، وله في الإخراج والديكور والسينما والتلفزيون حكايات، إنه الفنان هايل العجلوني’.

نقابة الفنانين..


واحتفت النقابة بكلمة قدمها نقيب الفنانين حسين الخطيب كما قدم له درع النقابة، ‘مساءات تسكن قلب الفنان الكبير هايل العجلوني القادم من السهول والجبال والصخور والقلاع والحصون، حاول ولا يزال يسعى بكل ما أوتي من حب الأردن وحب إنسانه،… اننا نقول لكل المعنيين رفقا بهولاء المبدعين .. رفقا قبل أن تطأ أقدامكم هذه الأمكنة.. فقد تطأون على احلام مبدع…
اليوم نلتقي لنحتفي بهذا الألق لكنزمن كنوز الأردن واحد قاماته الفنية، وهو يكرمنا إذ قبل تكريمنا.. 
ونوه الخطيب إلى ‘أهمية الدور الذي تحاول تقديمه النقابة رغم ضآلته في محاولة مساندة الفنان الأردني المعطاء’، موضحا أن حضور العجلوني ‘اليوم’ لهذه المناسبة هو التكريم لكافة الفنانين والحضور.
واعتبر عميد كلية الفنون بالجامعة الأردنية، كرام النمري ان مسيرة الفنان ارتقت لتغيير نظرة المجتمع للفن بأشكاله كافة منذ السبعينيات، ومرّ بالعقبات التي واجهها ببسالة شاكرا جهوده وتفانيه بالعمل الفني وكان العجلوني والنمري تزاملا في العمل في التلفزيون الأردني، وقال النمري ‘أردنا تغيير نظرة المجتمع إلى الفنون، وما زلنا على الدرب والطريق ما زال طويلاً’.
كما تليت بطاقات ورد وحب تناوب على قراءتها الفنانة نادرة عمران، والمخرج عماد الشاعر قدمها أشخاص ومؤسسات أشادوا بدور الفنان هايل العجلوني وريادته وتعدد مواهبه.
ورغم ظروف العجلوني الصحية التي بدت واضحة وهو واقف يحدث الجمهور، إلا أنه أبى الجلوس قبل أن يؤكد أنه يقف على هذه الخشبة لأول مرة بعد أن سميت القاعة باسم زميله الراحل ‘هاني صنوبر’ ولا يجوز أن يقدم من عليها كلمته إلا وهو واقف احتراما لقامة صديقه صنوبر وللمسرح الذي يحمل اسمه.
شكر العجلوني بوقفته الشامخة كل من كرمه بالكلمات الرائعة والمعبرة، مبينا أنه وقف على هذا المسرح كثيرا وكان مهندس الديكور والمشارك بالمحافل الفنية الأردنية.
واستكمل العجلوني حديثه جالسا بعد أن حياه الجمهور على إخلاصه وتفانيه لصديق دربه الفنان الراحل أبو المسرح الأردني هاني صنوبر، وتطرق للحديث عن الحقبة التي مر بها، آملا أن يحمل الجيل الجديد شعلة الفن ويحترم الخشبة التي بناها عباقرة الفن الأردني.
وكانت لحظة عاطفية عالية مشحونة بالوفاء والتقدير عندما رد العجلوني على بطاقات التكريم، حيث تحامل على نفسه ووقف أمام الميكرفون وقال ‘هذه أول مرة أقف على خشبة هذا المسرح، بعد أن أطلق عليه اسم ‘هاني صنوبر’ وأنا لا أستطيع أن أبعث بتحية إلى روح الصديق الحبيب المؤسس لحركتنا المسرحية ‘هاني صنوبر’ إلا واقفاً.
وتحدث العجلوني في عدد من المحاور التي مزج فيها بين التاريخ والتأسيس وبين استشراف المستقبل فيما يخص المسألة الدرامية الأردنية بعناصرها كافة، واستهل حديثه بذكرياته الأولى مع الجيل المؤسس أمثال محمود أبو غريب والحاج مازن، وسهيل إلياس، وإحسان عماشة، ومهدي يانس، وسهى مناع، ومارغو ملاتجيان، وغيرهم.
وأشار العجلوني إلى أن المسرح هو المنبر الوحيد الذي ما زال منبراً ثقافياً صامداً أمام محاولات التطويع لصالح جهات معينة، بعد أن تم شراء السينما، وخير مثال على ذلك سيطرة الصهاينة عليها في هوليوود، وكذلك التلفزيون وشاهدي على ذلك عندما قام بوضع العراقيل والمعيقات ولا يزالون أمام الدراما الأردنية وتعطيل الفنان الأردني وحشره في زاوية ضيقة رداَ على موقفه الوطني والعروبي، بينما لا يزال المسرح خارج القدرة على الشراء والتطويع.
وتساءل العجلوني هل نريد مسرحاً جماهيرياً؟ أم جمهوراً مسرحياً؟ وبرؤية واضحة نتيجة خبرة طويلة خلص إلى نتيجة أننا نريد الاثنين معاً، مؤكداً على أن المسرح يحتاج إلى الدعم المتواصل حتى نصل إلى الركن الثالث فيه وهو الجمهور وأن لايكون المسرح للمناسبات فقط.
وأشار إلى مسألة في غاية الأهمية وهي تاريخ الحركة الفنية الأردنية وتوثيق مراحلها وأبطالها وعناوينها، وطالب وزارة الثقافة أن تتصدى لهذه المهمة الوطنية بموضوعية، لأن هناك نقصا كبيرا في هذه المسألة رغم أن بعض شهود المرحلة لا يزالون بيننا ولدينا الوثائق التي يمكن أن تكتب تاريخنا الصحيح من خلالها، وانتقل وتناول وزارة الثقافة ودورها، هذا الدور الذي سيبقى مغيباً ما لم تكن هناك إستراتيجية ثقافية وطنية ترسم إطار ومنهاج الحراك الثقافي الأردني.
ولفت إلى العنصر النسائي في الدراما، وعدم وجوده بالحجم المطلوب وخاصة في المسرح ذلك لأن هناك انطباعا اجتماعيا أن هذا العمل لا يؤمن حياة كريمة لمن يعمل به، فلدينا المبدعون ولكن تنقصنا الإمكانات، مؤكدا على قضية الكتابة للمسرح هذه الكتابة التي يتجول بها الكاتب في ثلاثة أزمنة، وبصيرة الكاتب القادرة على الرؤية والاستشراف ومزج ما هو كوني بما هو يومي، والرصد والمزج والوصول إلى الحبكة المناسبة.
ولم يغب عنه الحديث حول الكتابة للطفل والخطيئة الكبرى التي نقع فيها، عندما نكتب للأطفال بلغة الكبار متجاهلين ذكاء الطفل وحاجاته وأولوياته وإدراك عناصر الدهشة التي تؤثر فيه، وختم بقوله ‘عندي الكثير ولكني حقاً متعب’ مع وعد/ امنية أن يلتقي جمهوره ‘ذات كتاب قادم.. أو ديوان شعر.. أو مسلسل…’.

إيمان هايل: صرت لي القدر


ولم يفت الفنانة نادرة عمران أن تبعث بكلمة تقدير لزوجة العجلوني الفنانة الأردنية (إيمان مدانات) والتي تحمل الاسم الفني (إيمان هايل). له ولدان نورس ونيروز العجلوني، مؤكدة أنها جزء من مسيرة أبداع والق، لن تكتما الليلة التكريمية بدون كلمة منها.
فالأمسية لم تكن ‘حديثا مسرحيا’ فحسب، بل بوحا من القلب إلى القلب، وعندما صعدت الفنانة إيمان هايل الى المسرح، قبلت رأس شريكها هايل، وشكرت الأصدقاء الحضور، وشكرت هايل، مستذكرة أول لقاء لهما، بل اول قصيدة حفرت في وجدانها عميقا، والتي صارت بمثابة ‘نبوءة’، وهي منشورة في ديوان الشاعر العجلوني الصادر العام 1980 بعنوان ‘صلوات العشق المحظور’، ومنها ‘أحبك رغم اختلاف العقيدة .. ورغم السدود، ورغم الحفر.. أحبك فصيري حياتي.. صرت لي القدر’.. لتختتم موجهة حديثها لهايل: ‘واليوم اقول.. صرت وجودي.. صرت حياتي… وصرت لي القدر’، لتتوجه اليه في مقعده على المسرح، وتقبل رأسه’، ليقف محييا رفيقة دربه، معلنا انه مضطر للحديث ثانية ليقول لها ‘أحبك.. ولو كان حبك حلما.. فما الصحو إلا اقتلاع سواد العيون’. 

سيرة ومسيرة إبداع 


ويأتي الاحتفاء بتجربة المبدع العجلوني، المخرج والشاعر والكاتب ومهندس ديكور، بمثابة تحية مباشرة للفنان الأردني العجلوني الذي هجر دراسة ‘القانون’ مطلع الستينيات ليدرس الفنون السينمائية، والذي اشتهر عربيا، بوصفه مشرفا فنيا ومصمم ديكور واحدة من أهم مسرحيات الرحابنة، وهي مسرحية ‘بترا’، بطولة المبدعة فيروز، وإخراج منصور الرحباني، كذلك ديكور مسرحية ‘غربة’ للمبدع السوري دريد لحام، والعجلوني المولود في عمان في أذار عام 1944. أنهى دراسته الثانوية في القاهرة عام 1961 ثم درس في جامعة الأسكندرية كلية (الحقوق) سنة أولى فقط 1962. ليلتحق بعدها بجامعة مدريد (كلية الفنون الجميلة) ويحصل على درجة الماجستير في هندسة الديكور عام 1967، التحق بالتلفزيون الأردني بفترة التأسيس وعمل فيه مهندساً للديكور عام 1967.
أوفد في بعثة دراسية إلى إنجلترا وتخصص في الإنتاج السمعي البصري والإخراج السينمائي وتخرج في عام 1969. أوفد في بعثة تبادلية إلى الصين الوطنية تايوان وعمل هناك في مجال الإخراج والإنتاج عام 1973.
تدرج في التلفزيون الأردني حيث عمل مهندس ديكور من عام 1967 ولغاية 1970. رئيس قسم الديكور من عام 1970 ولغاية 1975. مدير الدائرة الفنية من عام 1975 ولغاية 1982. مستشاراً فنياً من عام 1982 ولغاية 1986. ساهم في عدد كبير من الأعمال الدرامية العربية كمهندس للديكور وكاتب للنص والسيناريو ومخرج. من أهم أعماله فيلم’ الزهرة البرية ‘ و’دانا والبحر’.
نشأ منذ طفولته رساماً وساهم في العديد من المعارض الفنية منذ 1959 لغاية 1973، كتب الشعر، القصه القصيرة والرواية والمسرحية والمقال في الصحف الأردنية منذ عام 1962. تخصص في كتابة السيناريو الدرامي منذ 1974. كما تخصص في البحوث الفكرية والفنية والأدبية والنقد الفني والسينمائي، له العديد من المسلسلات الدرامية والكوميدية والثقافية من إنتاج جهات عربية متعدّدة وفي دول مثل اليونان، دبي، وأبو ظبي.
من أعماله المطبوعة والمنشور: الرحيل، ديوان شعر 1960. أول مرة، ديوان شعر 1975. صلوات العشق المحظور، ديوان شعر 1980. كما له: الثالث طوفان النار، مسرحية شعرية. أدركنا الوقت، مسرحية شعرية. من نزف شريان جديد، ديوان شعر. عشرون قصيدة إلى عيون حبيبتي، ديوان شعر. إمبراطورية الفحم، حوارية شعرية.

شاهد أيضاً

«كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي يحصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان

*نسرين سيد أحمد لعلَّ أول سؤال يتبادر إلى الأذهان عند معرفة اسم فيلم «كفرناحوم» للمخرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *