الرئيسية / إضاءات / قاسم توفيق: كبت الحريات صار اليوم أكثر شراسة

قاسم توفيق: كبت الحريات صار اليوم أكثر شراسة


*سميرة عوض

الروائي الأردني قاسم توفيق، مقل في حواراته الصحفية، لكنه يمتلك بالجرأة في طرح ومعالجة عدد من الموضوعات ـ المسكوت عنها- والتي تعتبر من التابوهات في الثقافة العربية.

كما يمتلك القدرة على مزج الأسطورة بالواقع، أصدر عشرة مؤلفات روائية وقصصية، تميز بعضها بالواقعية الحادة في رواياته كما في ‘أرض أكثر جمالاً’، و’عمان ورد أخير’، عالج موضوعة الاغتراب العربي في روايته ‘الشندغة’، ومؤخرا أصدر رواية ‘البوكس′ عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، رصد فيها أجواء قاع المدينة عمّان- من خلال بطل الرواية، الذي يحمل أمراض مجتمعه من جهل وقسوة عيش مقابل سيطرة طبقية على الكادحين .
للحوار مع الروائي قاسم توفيق، نكهة المشاكسة، فإلى تفاصيل حواره مع ‘القدس العربي’.
أنا بطبيعتي كائن اجتماعي بشدة
*من أين تستوحي شخوصك الروائية؟ وإلى أي حد يلهمك الواقع الحقيقي؟’
*حياة كل’واحد منا’مجموعة’متشابكة من الحكايا والقصص، الروائي هو من يمتلك الذاكرة ويمتلك القدرة على إعادة سرد هذه الحكايات، والوعي الذي يتملكه هو الأداة التي يستخدمها لصنع هذه الحكاية بنص فني وفكري وبموقف إنساني عام على الرغم من ذاتيته، إن حالة الإلهام التي تأتي من الواقع إلى نفس الأديب لا تكون من ذات الشخصية أو الحدث بل من طريقة تشكلها في وعي الكاتب، لذلك نجد أن الكثير من الشخصيات التي تكون مُلهمة للمبدع بأنها تتحول في اخر الأمر إلى شخصية جديدة وغريبة عن تلك التي ابتدأ منها.
ولأني لا أؤمن إطلاقاً بفكرة الموهبة الفطرية بل أني على قناعة إن هذه المقدرة التي يتملكها الكاتب في خلق هذه الشخصية الجديدة هي نتاج تجربة وثقافة أهم ما يميزها أنها تجربة وثقافة جمعية وليست فردية بالمطلق، لذلك فأنه يوجد في حياة كل واحد منا شاعر وفنان ولكنا نفتقر للوعي الذي يمكن أن يحفزنا لإعلان ذلك، أو أنا نتعرض للقمع من البيئة أو المجتمع أو الأسرة فلا نعد معنيين بإخراج هذه المقدرة من ذواتنا. ‘
التقيت بأشخاص’أو قراءتهم تركوا أثراً’خاصاً’في نفسي’وجعلوني متشوقاً’لخلق شخصية روائية’منهم’لمجرد حادثة بسيطة’عشتها منهم وعبرت في حياتي على عجل، وقد وجدتهم في وقت ما، وفي نص ما حاضرين بكامل اختلافهم وتنوعهم على نمط واحد متشابه. كثير من شخوص رواياتي الفردية تشكلت من مجموعة أناس′مختلفين وقد يكونوا حتى من’بيئات’متباعدة’لكني وجدتهم أخيراً داخل النص وقد تشكلوا في ذات واحدة. الواقع الحقيقي هو محور كتاباتي، فأنا بطبيعتي كائن اجتماعي بشدة، والواقع الفعلي ألذي أعيشه يتملكني ولا أملك القدرة على تجاوزه، سجن وقيود تسعد حياتي لأني فنان يحاول إعادة رسم هذا الواقع ونقل ما أعيشه فيه على الورق بلا حرفية أو نسخ ولكن على حسب ما تتجلى صورة هذا الواقع في خيالي، لذا قد أبدو في بعض الأحيان بعيداً عن الواقع.
تكريس ثقافة’إنسانية الإنسان…
*تمحورت’روايتك”ماري روز تعبر مدينة الشمس”حول تجربة متشابكة بين شاب مسلم وفتاة مسيحية خلال فترة السبعينات في عمّان، تبدأ بعلاقة إنسانية عادية بينهما ثم يصبحان عاشقين حينما يكتشفان أنهما يلتقيان في الفهم والإحساس والذائقة والروح الوطنية، ماذا عن هذا النوع من الوحدة، الآن؟
‘*لا بأس أن نذكر بأن رواية ‘ماري روز′صدرت في القرن الماضي في العام 1984، وهي بصراحة تحكي عن قصة حب بين ‘مستحيلين’ مسلم ومسيحي، وأعتقد بأني كنت أفكر بتطرف ثوري حتى أقدمت على انجاز عمل يجرؤ على الدعوة لكسر التابوهات التي تتحكم في حياتنا في زمان يختلف أربعين سنة عن اليوم إلى الوراء، من الممكن بأني لو أردت أن اكتب هذه الرواية اليوم للمرة الأولى لترويت أكثر، فالظلامية والتخلف وكبت الحريات صارت اليوم أكثر شراسة مما كانت عليه قبل أربعين سنة، فمن كان يقيد حريتنا في تلك السنوات كانت الأنظمة، واليوم تقيد حريتنا من جهات تدعي حرصها على الناس والمجتمع بفكر رجعي متخلف، بالإضافة للأنظمة التي تُسعد كثيراً بهذا الحليف حتى تبعد الناس عن التفكير وعن الرفض للفساد والاضطهاد وكبت الحريات.
‘ماري روز رواية تحكي عن حبيبين وعن طرف ثالث تشكل من تكوين الاثنين المسلم والمسيحي نتيجة ظروف عادية وإنسانية، إن الرواية تضع سؤالاً بسيطاً، ماذا يمكن أن نسمي هذا الطرف الثالث، وأي مذهب يجب أن يكون عليه؟ ماري روز عمل يلح على ضرورة أن نبحث عن نقاط التقاء في تكريس ثقافة’إنسانية الإنسان وليس ثقافة مذهبية.
لماذا لا تكون حكاية ممكنة الحدوث؟
*أيضا في روايتك ‘حكاية اسمها الحب’،’تناقش تجربة الحب بين رجل في الخمسين من عمره وصبية تصغره بعشرين سنة، هل هي قصة من الواقع، أقصد أنها قصة ممكنة الحدوث بشكل متواصل؟
*’وكأني أُتهم بما أكتب عن العشق!
‘ما أعرفه وما تعرفه البشرية في فلسفة العشق وقصص الحب أنها’لا تشكل مفصلاً خلاقاً ولا متميزاً إلا في خصوصيتها، الكثير من العشاق أحبوا وكافحوا وانتهوا إما في منزل مليء بالضجيج والمسؤوليات والأولاد، أو انتهوا إلى فراق ونسيان مع الوقت.
‘نكهة الحب الأقوى والتي تستحق أن تُعاش قبل أن تُكتب تكون في حالات العشق الصعبة، السؤال هو لماذا حتى يكون الحب صعباً لهذا الحد وأن تكون الكراهية أمراً عادياً وسهلاً؟ لماذا نحكي بالسوء عن العشاق، وبالكاد نتذكر من يكرهون؟ لماذا تطغى الكراهية على مجتمعاتنا ونجد الحب مسجوناً خائفاً لا يجرؤ على إشهار نفسه؟’
بطبيعتي أنا إنسان مادي حاد في نمط تفكيري إلا أني قد أبدو مثالياً إن قلت إنه في حالات الحب لا يملك أي من العاشقين أمره، فالعشق حالة انجذاب نفسي حاد لا يملك أي طرف فيه قراراً في أن يتجاوزه، لست معنياً بتفسير كينونته وتشكله إن كانت قائمة على رغبة أو مصلحة فكل علاقات البشر تقوم على هذين المبدأين، لكني معني بأن أوضح بأن فارق العمر لم يكن ليشكل عائقاً أمام علاقة إنسانية راقية مثل العشق، مع العلم بأن جل العلاقات التي تجمع المرأة بالرجل في مجتمعاتنا الشرقية قائمة على مصالح تافهة، أعظمها وأهمها الزواج، بقناعتي ان هذه المصلحة لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مصلحة العشق التي بين أثنين أحبا بعضهما دون أن يردعهما دين أو هوية أو عمر، فلماذا حتى لا تكون حكاية ممكنة الحدوث؟
‘لهذا تجرأت وكتبت عن ما لم يكتب..
*رصدت”عمان ورد أخير’ المخاض السياسي والاجتماعي في عمّان إبان السبعينات، وطبيعة العلاقة بين أطياف المجتمع الأردني.’ماذا عن موضوعة هذه الرواية، والتي يبدو لمن يقرأها الآن وكأنها تناقش الوضع الآن؟
*بكل بساطة الرواية تتحدث عن عمان 1970، وهذه السنة هي سنة الصراع بين الحكومة والمقاومة والتي انتهت بخروج المقاومة من الأردن، هناك خط أحمر يمنع الحديث بهذا الموضوع، وأنا مع هذا المنع لأنه يعتبر ذكرى قبيحة لا تستحق أن تٌتذكر، ولا يتوجب الحديث عنها إخبارياً أو إعلامياً مثلما تفعل إحدى الفضائيات المتخصصة في إثارة النزاعات الأهلية في الدول العربية بين الفينة والأخرى الآن، لقد كتبت عن هذه الحقبة من وجهة نظر الفنان والمنتمي لمجتمعه، لم أكتب في ‘عمان ورد أخير’ ما يمكن أن يكرس ثقافة إقليمية، أو تغليب وجهة نظر على أخرى، لقد كنت معنياً برصد حياة الإنسان الأردني بغض النظر عن أصوله، لأني من الأخر أتحلى بمقدرة على التمييز وعلى تحديد المواقف، غير أن مبادئي التي هي قومية وإنسانية أكثر سمواً من أن تٌمس بسبب هوية أو ملة ولا يمكن أن تكون بأي حال إقليمية. لهذا تجرأت وكتبت عن ما لم يكتب عنه الأدب حتى الآن.
يكفي أن أقول بأن بطلي الرواية الأساسيين هما صديقان أحدهما من شرق النهر والأخر من غربه، ولقد دخلت في تحدي مع الكثيرين إن كانوا قادرين على تمييز أي واحد منهما عن الأخر إن هما فكرا أو اختلافا أو ناضلا من أجل حرية الوطن والإنسان.
المعرفة التي يستقيها الكاتب من الاخر
*شخصيات’الرواية هي كائنات متشكلة في ذهن الكاتب، وفي كلماته، هل تركن إلى مشاركة القارئ في الحبكة الروائية؟
*بحدود ما فهمت من السؤال فإن تشكل الشخصية الروائية في ذهن الكاتب وفي كلماته لا بد وأنها تتشكل أيضاً من كم المعرفة التي يستقيها الكاتب من الاخر، ومن ما يقرأه أو يسمعه من رأي للقارئ سواءً فيما يخصه أو ما يخص أعمال أدبية لآخرين، لا أنكر أن كثيراً من الأفكار التي كتبتها كانت ناتجة عن أفكار أو أراء سمعتها أو قرأتها، وأني قد تأثرت بما سمعت من اراء وخاصة عندما تكون هذه الآراء معقولة ومقنعة.
الغوص في حواري وأزقة مدن كثيرة
*الاغتراب’الجغرافي والاغتراب داخل الذات’بدا جليا في روايتك ‘الشندغة’ والتي هي إحدى مناطق دبي.. ماذا عن المكان والاغتراب المكاني في هذه الرواية؟ وماذا عن حضور المكان؟
‘*إن أكثر الأمكنة اغتراباً جغرافياً على الإنسان هو السجن، فخصوصيته واختلافه وتقييد الحرية فيه تجعله بيئة جغرافية نادرة، وتزداد غربته من كونه مكانا ملتصقا بالأمكنة التي هي نقيضه (المفترض أنها الحرة !!!)، ومع ذلك فان السجين لا يكون مغترباً لأنه يكون متوحداً مع الآخرين الذين معه بالسجن سواء كانوا من المساجين الآخرين أو من الحراس. الاغتراب الحقيقي يكون في دخولك بلدا عربيا تجدين نفسك مضطرة لتغيير لغتك العربية إلى لغات أخرى حتى تتفاهمي مع الناس هناك، وما يتبع ذلك من اختلاف في الثقافة والعادات والسلوك، هذا ما يولد فيك الاغتراب الذي يفضي إلى اغترابك في ذاتك خاصة وانك مدفوعة لهذا المكان نتيجة اغتراب أخر جاء من احتلال صهيوني بشع لوطنك وطردك خارجه.
يمكن أن تقولي اني إنسان متعلق بالمكان، وفاهم لكنهه، واني قادر على فصله عن باقي أدوات وجوده من أمثلة الناس بكل صورهم والأحداث التي تدور فيه، إن رحم أمي الذي سكنته تسع شهور هو واحد من الأماكن التي ما زالت تؤثر في، وان المكان بقدر ما يمكن أن يعاش حقيقة فانه يمكن أن يكون متخيلاً. الأمكنة المتخيلة أكثر جمالاً لكنها أقل واقعية.
لقد نلت فرصة أن أعيش الكثير من الأماكن على كرتنا الأرضية، أسعفني العمر للغوص في حواري وأزقة مدن كثيرة، عرفت الأحياء الشعبية في نيويورك وعرفت الأحياء الشعبية في غزة، هذه الأحياء بما تتشكل منه من غير البشر والأحداث تكون ناطقة تحكي عن نفسها، لا أعني بالمطلق أنها تؤرخ سيرتها بل أنها تكشف ذاتها للزائر الذي يرى فيها ما لا يمكن أن يراه في الناس، في غزة ترين حزنها وكآبتها، وتحسين آلمها، وأمالها العظيمة، وفي نيويورك تقرئين حزناً وألماً من نوع أخر ولا ترين الأمل، هذه الانطباعات التي تتملكك لا تأتي من البشر بل من الشوارع والبيوت والأزقة، إن جميع الأماكن التي عشنا بها أو حلمنا بها ليست شيئاً ثابتاً يمكن أن نصفه أو نحكم عليه بسهولة، هذا العجز في الوصف هو الذي يستفزني دائماً ويجعل علاقتي بالمكان علاقة وحدة واختلاف في آن واحد.
بيروت امرأة جميلة 
*شهدت بيروت مولد عدد من مؤلفاتك.. ماذا عن خصوصية علاقتك مع هذه المدينة؟
*لا أعرف بيروت التي قد تتبادر لذهن القارئ من السؤال، أقصد بيروت الحرب الأهلية، والحصار وخروج المقاومة الفلسطينية منها، لا أعرف الشيء الكثير عن هذه المدينة لأني لم أعشها على ارض الواقع، أعرف بيروت مما قرأت ومما سمعت، وقد قرأت الكثير عنها وخاصة بعد العام 1982 سنة خروج المقاومة الفلسطينية، وعاد وأحياها في ذاكرتي مرة أخرى مؤخراً صديقي الشاعر أمجد ناصر في كتابه ‘بيروت صغيرة بحجم راحة اليد’.
كنت قد تطوعت في تلك السنة 1982 للقتال مع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ضد الاعتداء الصهيوني أنا والعديد من الأدباء الأردنيين ولم يتسن لعدد كبير منا أن يدخل إليها فخسرنا هذا الشرف وخسرنا هذه التجربة التي كان من الممكن أن تغير الكثير من الأشياء في حياتي، بالتأكيد زرت بيروت عشرات المرات فيما بعد لكن للعمل، هذه هي المفارقة، بيروت امرأة جميلة من يعرفها لا يمكن أن ينساها.
القصر الملكي كان جارا لنا
*عمان تحضر ليس في عناوين أعمالك، فحسب، لكنها تبدو ملهمة، ومحورا رئيسا في متنها. كيف تصف علاقتك بعمان؟ وكيف حفزت عمان المدينة والناس شهيتك في التأليف؟’
*أنا واحد من أولاد عمان، منذ ميلادي وأنا اسكن فيها، جاء أبي لاجئاً لها في سنة النكبة 1948 واستقر وعمل فيها، نشأت فيها وكنت في طفولتي أحسب أنها اخر الدنيا، الجبال التي كانت تحيطها في ستينيات القرن الماضي كنت أحسبها قلاعاً تحمينا من العالم دون أن تعزلنا عنه، أحببتها وصارت بيتي الكبير، لا أريد أن ادخل في تفاصيل العلاقات البشرية الرائقة والجميلة التي كنا نعيشها، ولا في وحدة بيتنا ودفئه، لا أبالغ إن قلت ان القصر الملكي كان جارا لنا، لكنه كان بيتا أوسع من بيوتنا، فقد كنت اسكن وأهلي في منطقة تسمى جبل التاج ومن أسم الجبل يمكن أن تعرفي مدى قرب القصر منا، من علاقتي هذه بعمان، ومن ذاكرتي نسخت آلاف الصور والأحداث والأشخاص والحكايا، ولعي بالقراءة منذ طفولتي وهذه الذاكرة، وشغفي بالكلام هم من جعلوني أكتب عنها.
علاقتي بعمان الآن أكثر عمقاً
*كنت من أوائل الأدباء الذين كتبوا عن مدينة عمان، كيف هي علاقتك بعمان الآن، خصوصا وأنك في روايتك الأخيرة ‘البوكس′ ترصد أجواء الواقع الاجتماعي الأردني في قاع المدينة؟
*لست من أوائل من كتبوا عن عمان فحسب بل أني من السباقين لذلك وإن كان (النقاد) عندنا لا يعترفون بذلك، لست معنياً بهذا الاعتراف بالطبع، لكن أقول أني في الوقت الذي كتبت فيه عن عمان بالاسم وبالمكان وبالشخصيات كانت عند الكثير من الكتاب علامة استفهام يبحث عنها القارئ داخل العمل حتى يمل ويعجز، لا أسجل سبقاً في ذلك بل أؤكد أني قد حققت ذاتي الأدبية من خلالها، علاقتي بعمان الآن أكثر عمقاً، روايتي التي صدرت أخيراً في هذا العام 
‘البوكس′ قد تجيب بوضوح أكثر على هذا السؤال.
ساهمت بدينارين في ‘آن لنا أن نفرح’
*دراستك في الجامعة الأردنية كيف أثرت هذا التوجه للالتفات للمكان في فترة ربما لم يكن هناك التفات لأهمية المكان وتأثيره؟. وأنت’أصدرت أول مجموعة قصصية أثناء دراستك فيها بعنوان(آن لنا أن نفرح) سنة 1977؟
*الجامعة الأردنية في تلك السنة كانت جغرافيا أخرى وغريبة عن عمان، بقعة مضيئة في كون بدأت تتلبسه العتمة، حالة حضارية في عالم يرجع للبدائية، ساحة للحرية في سجن يتسع كل يوم.
في هذه الجغرافيا المنفتحة على العالم رغم ضيق الإمكانات تعلمنا وقراءنا عشرات الكتب وناضلنا وتوحدنا واستطعنا أن نرسم معالم الطريق لوطن حر، هناك أصدرت مجموعتي القصصية الأولى ‘آن لنا أن نفرح’ جمعت كلفة طباعة الكتاب البالغة آنذاك مئة دينار من أصدقائي في الجامعة، بعضهم ساهم بدينار وآخرون ساهموا بعشرة دنانير، كانت مساهمتي أنا بدينارين، وبعد أن استلمت الكتاب أعدت لأصدقائي مساهمتهم نسخ من الكتاب بشرط أن يقوموا بتوزيعها وبيعها، فكان ما خططنا له، أذكر أني استلمت نسخ المجموعة من مطبعة الشرق في المحطة في يوم سبت، وفي يوم الخميس الذي تلاه كانت جميع النسخ وعددها ألف نسخة قد نفذت جميعها، فكان الكتاب الأكثر مبيعاً في عمان في ذلك الأسبوع، لا أستطيع أن أؤكد أن جميع النسخ قد بيعت، من الممكن أن تكون قد تحولت أوراقها لقرطاس للف ساندويتشات الفلافل أو القضامة والملبس، لكن ما أعرفه أني ما زلت أحتفظ بنسختي الأولى منها.
النقد الأدبي يعيش مأزقاً صعباً
*هل تظن أن النقد أنصفك ككاتب؟
*لا أعرف كيف يمكن لك أن تكتبي الضحكة على الورق؟ 
اعذريني إن قلت ان هذا السؤال يضحكني، فهو مليء بالتناقض، من حيث، أين يمكن أن نجد النقد الأدبي في الأردن الآن؟ أين النقاد بعد جيل نبيل حداد وسليمان الأزرعي وخالد الكركي وإبراهيم السعافين وعبد الرحمن ياغي؟ أين المدارس والمذاهب النقدية عندنا؟
ببساطة أكثر يمكن أن اسرد الكثير من الأمثلة التي تحكي عن تخصص شخص (ناقد) بكاتب واحد دون سواه، وأن هناك العشرات من الدراسات التي تسمى نقدية تكون مدفوعة الثمن من المؤلف، وحتى لا أوغل بالتطرف أؤكد لك أن هناك العشرات من الدراسات النقدية المنشورة كتبها المؤلف نفسه وقام بنشرها بأسماء آخرين.
لا تقولي أني ‘أغار أو أحسد من يكثر الكتابة عن أعمالهم’ بالتأكيد لا.. لأني بطبيعتي لا أغار ولا أحسد، غير أنه يوجد العشرات من الدراسات النقدية التي تناولت كتاباتي ولكنها كلها نقية ناصعة وصدرت عن أسماء أدبية وصحافية معروفة وجدت في ما أكتب ما يستحق أن يُكتب عنه سلباً أو إيجاباً.
النقد الأدبي عندنا في الأردن مثل الأدب نفسه ومثل المجتمع كلهم يعيشون مأزقاً صعباً.
المؤلف يكتب لنفسه
*هناك غير دراسة جامعية بحثية، تناولت قضايا الرواية عند قاسم توفيق من خلال المنهجين التحليلي والوصفي، ما الذي تضيفه هذه الدراسات للكاتب، ومسيرته الإبداعية؟’
*اسمحي لي أن أدلي بهذا التصريح: إن المؤلف لا يكتب لأحد، إنما يكتب لنفسه. انتهى التصريح. 
لا أكتمك بالقول بأني قد استفدت كثيراً مما كُتب عن رواياتي وقصصي بنفس القدر الذي استفدته من الدراسات النقدية الجادة التي تناولت أي عمل أدبي لكتاب آخرين، أكثر شيء أضافته لي هذه الدراسات هو أني رأيت في بعضها اختلافاً كبيراً عما كنت أعنيه في العمل، والجميل في الأمر أني أحياناً أقرأ رؤيا الباحث أكثر جمالاً وعمقاً من ورؤيتي التي تولدت معي من لحظة فكرت في أن أكتب هذه القصة أو الرواية.
نفتقد الوعي التسويقي 
*جرت العادة أن يصار إلى إقامة حفلات توقيع الكتب.. إلى أي مدى تسهم هذه الطقسية في انتشار الكاتب.. وهل أنت مع هذه الظاهرة؟
‘*حفلات التوقيع طقسية استهلاكية يحبها الناشر أكثر من المؤلف، لقد أقمت ثلاث حفلات توقيع لروايتي قبل الأخيرة التي اسمها ‘ حكاية اسمها الحب’، نتيجة لنفاذ الطبعة الأولى بوقت قصير وأصدرت الطبعة الثانية بعد أشهر قليلة، الجمهور في المرات الثلاث كان هو نفسه أصدقائي وأصدقاء الناشر وبعض الوجوه الجديدة.
انتشار الكاتب والكتاب مسألة تحتاج إلى جهد مخلص من المثقفين ومن الأعلام ومن الناشر، وفي أخر الأمر من يقومون على دراسة هذا العمل دراسة منهجية موضوعية ملتزمة، ولا أذع سراً بأننا في الأردن نفتقد إلى وعي تسويقي حيث أن الكثير من الأعمال الرديئة لاقت رواجاً فقط لأن خلفها مسوقاً ناجحاً، والأكثر من الأعمال الهامة والعظيمة ظلت تزين رفوف المكتبات فقط.
‘حتى يخرج أدبنا خارج نطاقه الضيق لأهميته وقيمته لا بد من وجود عمل مخلص من المعنيين والمثقفين، ومن ناشرين يسعون لخدمة ثقافة هذا الوطن وليس جيوبهم، وكذلك المترجمين مطلوب منهم أن يؤدوا دوراً أكثر ديناميكية.
______
*(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الكاتبة الفرنسية التي جعلت حياتها تجربة مثالية

*حسونة المصباحي نهاية الربيع الحالي، قامت دار”غاليمار” الفرنسية ضمن سلسلة ”البلياد” الشهيرة المخصصة لكبار الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *