الرئيسية / إضاءات / الشاعرة الكردية خلات أحمد:اللغة ليست بديلا عن الهوية.

الشاعرة الكردية خلات أحمد:اللغة ليست بديلا عن الهوية.


*حوار : محمد القذافي مسعود

(ثقافات)

وُلِدت الشاعرة عام 1972 في بلدة ( ديرك ) في كردستان سوريا. تقع ديرك في أقصى الشمال الشرقي من سوريا في المثلث الحدودي بين تركيا والعراق ويفصلها نهر دجلة عن الحدود أتمّت الشاعرة مراحلَ تعليمها الإبتدائي والإعدادي والثانوي في بلدة ديرك .
بدأت كتابة الشعر منذ سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة.
غادرت عام 1990 بلدتها ديرك إلى دمشق وبقيت فيها حتى عام 1998
ثم غادرت لتستقرَ في أوربا.
نشرت إنتاجها في عدد من المطبوعات الورقية في الكثير من بلدان العالم،وفي عدد من المواقع الأدبية على شبكة الإنترنت. بدأت حديثاً الكتابة باللغة الكوردية صدر ديوانها ( أوشحة الفجر / الترياق ) في مدينة دهوك الكوردية العراقية في تشرين الثاني عام 2004 بدعمٍ من إتحاد أدباء دهوك وصدر حديثا ديوانها الثاني (زهرة الأوكاليبتوس ) عن دار الأزمنة في عمان. 
التقيت الشاعرة الكردية خلات احمد في هذا الحوار الجدلي المتعدد : 
-بماذا تفسرين تعامل المثقفين الكورد مع من هم خارج قوميتهم بطريقة يبدو فيها الكثير من الحذر وكأنهم يعيشون في عالم سري يخافون اقتراب الآخر منه ؟
لا أوافقك في هذا, مع أنه يبدو منطقياً في ظل القمع المتواصل للثقافة الكردية ولكل نتاج يحاول تقديمها أو الدفاع عنها وبأي لغةٍ كان. المثقفون الكرد متواجدون في كلّ الساحات الإبداعية والسياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان وفي كل مجال آخر. وهم الأكثر إصراراً على التحاور والتواصل مع الآخر العربي أو التركي أو الفارسي اذا تحدثنا عن أمثالهم الأقرب, ربما للتأكيد على أننا لا نخيف كما يتم الترويج من قبل الأنظمة الحاكمة منذ عقود, وليست لغتنا ولا ثقافتنا خطراً عليهم. الآخر بدوره إما متأثراً بالثقافة القومية التي ترفض الآخر وكأنهم يعتقدون أن ثقافتهم من الضعف بدرجة لا تستطيع السماح لثقاقة أخرى بالنمو والتفاعل معها بحيث تغني كلٌ منهما الأخرى وإما على مبدأ ( امشي جنب الحيط ويا ربي السترة) خوفاً من الأنظمة القمعية التي تمنع كل لغة أو ثقافة لا تصفق لها. بالتأكيد أنا هنا لا أعمم , فبين المثقفين العرب من استطاع تجاوز جدران الخوف المصنع إلى تكامل الوعي والثقافة الإنسانية.
-لماذا لم يتعامل العربي مع إبداعات الكورد ؟
يحضرني الآن أن قسماً لابأس به مما كتب عن نتاجي الأدبي كان من قبل أدباء ونقاد وصحفيين عرب. وكذلك بالنسبة لكثير من الأصدقاء من المبدعين الكرد الذين يكتبون بالعربية. لا يبدو لي صحيحاً أن نبغضهم حقهم. ربما يصح هذا على المبدع العربي في سوريا أكثر. أعني من ناحية تعامله مع إبداعات الكردي السوري وحتى هنا ثمة استثناءات. هل تبرر سياسات القمع والشوفينية موقف مبدع عربي من مبدع آخر كردي, هو شريكه في الوطن؟ هذا سؤال برسم الأخوة من المبدعين العرب في وطننا سوريا.
أما إذا كنت تقصد النتاج باللغة الكردية, فكيف سيتعامل المبدع العربي مع لغة لا يعرفها, بل ولم يكن يعترف بها. لغة ممنوعٌ تعلمها حتى لأبناء الشعب الكردي أنفسهم. لا أعلم ماذا يضير سوريا أن يتكلم أهلها أكثر من لغة ؟ وحقيقة لا أفهم أي خطر تتخيله السلطة على اللغة والثقافة العربية من اللغة والثقافة الكردية حتى تحظرها بكل هذا الجبروت غير المبرر؟
-هذا الفاصل بين العربي والكوردي هل من أسباب واضحة له ؟
قصور في الوعي الإنساني نتيجة السياسات الشوفينية للدول التي تقتسم كردستان. هذه السياسات التي تم تنفيذها طوال عقود وبشكل ممنهج حتى تغلغلت في ذات الإنسان البسيط وحتى المثقف في أحيان كثيرة, لدرجة صرنا نخاف من بعضنا حتى دون أن نتذكر لماذا؟ لكني لازلت أثق بالمستقبل، وبأن الفكر الإنساني سيأتي مع ثورات الربيع العربي, وبأننا لازلنا أحياء بالقدر الكافي لكي نستعيد حسنا الإنساني والحضاري ونبني وطناً أجمل.
-تشعر وأنت تقرأ النص الكوردي أن هذا النص خلق لذاته أي ليكون منزويا مع ذاته فقط ..فهل هي خصوصية كوردية أم هو انعكاس شعور داخلي لصاحب النص على نصه ونفسه ؟ 
بالتأكيد للثقافة الكردية خصوصيتها كما لأي ثقافة أخرى في العالم. وربما ساهم التوجه الأدبي عموماً, في أن يكون النص أقرب إلى ذات مبدعه مراعاة للمصداقية في أن يبدو لك كذلك. لكني لا أوافق على أن النص خلق ليكون منزوياً على ذاته, هو في النهاية يسعى لأن يكون جزءا من الإبداع الإنساني, وهذا يتناسب طرداً مع الاهتمام بقراءته ضمن حيثيات الثقافة الكردية وليس حسب معايير الثقافة العربية. طبعاً الأمر نسبي بين مبدع وآخر, بين نص وآخر. ربما أيضاً يعود شعورك هذا به إلى ضعف إلمامك بالثقافة والتراث الكردي بكل جوانبه التاريخية والجغرافية والاجتماعية …إلخ. إذا لتفهمنا أكثر, يجب أن تجرؤ على الاقتراب منا أكثر.
-كيف ترين المثقفة والمبدعة الكوردية .. هل استطاعت أن تحقق لها مكانة خاصة بين المثقفات / المبدعات العربيات ؟
أعتقد أن لدينا مبدعات استطعن وبإخلاص أن ينتجن ابداعاً جديراً. ومع ذلك دعني أسأل: هل تعتقد أن المثقفة والمبدعة العربية استطاعت أن تحقق لها مكانة خاصة بين المثقفات والمبدعات الكرديات ؟ لماذا يطلب منا كمبدعات كرديات أن نقوم بالعمل كله ؟ هل تبذل المبدعة العربية بدورها جهداً إلينا ؟ كم مبدعة عربية تجيد الكتابة باللغة الكردية ؟ أو حتى حاولت تعلمها؟
-التمسك بالقومية الكوردية إلى أي حد يؤثر إيجابا أو سلبا على المبدع / المبدعة الكوردية ؟
هذا يتوقف على مدى هذا التمسك, هل هو شوفيني عنصري, أم هو شعور طبيعي بالانتماء إلى الشعب والقومية كما كل شعوب العالم! ويتوقف أيضاً على القارئ ومن أي زاوية يتناول ما يقرأ, بعين القبول بالآخر,أم ومنذ البداية -بافتراض سوء النية- ،والترصد لكل كلمة من كلماته؟. إذا كان التخلي عن قوميتي هو السبيل لكي يعترف الآخر بي, فليس بي أدنى حاجة بهذا الاعتراف. سأذهب إلى الآخر كاملة ولن أقبل أن أكون نصفا. من حقنا أن نكتب بلغتنا ونتغنى بحبنا لوطننا ولشعبنا كما يفعل كل مبدعي العالم كما من حقنا، أن نكتب قصائد عن كل شيء آخر تفترضه ثقافتنا ووعينا ومشاعرنا وخيالنا. لكني مع ذلك لا أرى علاقة مباشرة بين القومية وبين النتاج الإبداعي. 
-الإبداع الأقرب إلى التسامح والحوار أهو إبداع المرأة أم الرجل؟
لا أظن أن جنس المبدع يفترض فكراً معيناً لإبداعه.
-لقاء الأجيال الأدبية والثقافية هل أنتج حوارا أم صراعا ؟ 
كلاهما. لابد من بعض الصراع ليستطيع الجديد أن يجد له موطئ قدم وينمو دون أن يتعالى عن الأخذ من القديم. ولابد أن يكون الجيل القديم من الوعي والتفتح بحيث يستطيع استيعاب الجديد والاستفادة منه لينمو معه. حين نتكلم عن جيل أدبي وثقافي جديد وآخر قديم فالأمر يتعلق بتغيير الثقافة بأكلمها بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. كأن تتحدث عن جيل في ظل ثقافة الدولة الاستبدادية التي أنتجت عدداً لا يستهان به من مثقفي السلطة, وجيل في ظل دولة المؤسسات وحقوق الإنسان التي نتمناها بعد ثورات الربيع العربي, وسيكون لهذا الجيل صوته وفكره المختلف بالتأكيد. ومع ذلك وفي كلتا الحالتين لا يمكن أن نعمم. الإبداع الذي يتجاوز زمنه ويكون صالحاً لكل زمن, هو الإبداع الحقيقي.
-هل يعطل الرقيب الذاتي عملية الإبداع عند المبدع ؟ 
الكتابة هي الحرية. المساحة التي نقف فيها أمام أنفسنا عراة إلا من أنفسنا. مع ذلك ليس سهلاً التخلص من الرقيب الذاتي, الذي ليس سيئاً دائماً.هذا يتوقف على الكيفية التي يتعامل بها المبدع معه. 
-في رأيك من هو الشريك الحقيقي للمثقف العربي اليوم ؟
كلّ مثقفي العالم شركاء حقيقيون لبعضهم. نقرأ ونحاور الجميع ونأخذ ما يناسبنا ونرى في أنه قادر على أن يشكل غنىً لنا, دون أن نضمر أو نظن سوء النية مسبقاً. الثقافة تفترض أن نكون منفتحين على كل الثقافات الآخرى لننهل منها ونعطيها.
-الترجمة;إلى أي حد تجدينها مهمة في إيصال الشعر من لغة إلى أخرى ؟ 
أهمية الترجمة لا تكمن في ترجمة الشعر, من المهم أن تمتد إلى كل المجالات, من كتيبات السياحة وصولاً إلى التجارب والإنجازات العلمية. هي وسيلة مهمة للتعرف على الآخر ومحاولة فهمه والتفاعل والتواصل معه, اياً كان هذا الآخر. إضافة إلى اسهامها في تطوير اللغة ومواكبتها للتطور الثقافي في كل المجالات. 
-من بيده مفتاح الترجمة ؟
أولاً وبالدرجة الأولى: نحن كأفراد, ككوادر متخصصة تجيد أكثر من لغة ويهمها نقل تجارب العالم الى لغتنا, أو تجاربنا إلى لغات العالم للتعريف بها. لكن ليس كل من يجيد لغتين يملك القدرة على القيام بهذا العمل الذي يحتاج إلى موهبة لا تقل عن مثيلاتها في أي مجال ابداعي آخر. من المهم أيضاً أن تؤازر المؤسسات الثقافية المترجمين وأن تتصدى بدورها لطرح مشاريع ترجمة ورعايتها. 
-هل سرق نص الصورة الأضواء من النص الثقافي المكتوب ؟
لا أعلم أي صورة تقصد على وجه التحديد, لكن لكل شئ وقته ومكانه ولا شيء يغني عن شيء. السينما والتلفزيون يستندان على نص مكتوب كأساس مضاف إليه المؤثرات الأخرى. هي اشكال ابداعية تتكامل ولا يلغي احدها الآخر.
-الكتابة باللغة العربية هل تعتبر انفصالا عن الأصل أو الهوية الكردية ؟
لا أبداً; اللغة وسيلة للتعبير وليست بديلاً عن الهوية. لكن المناهج الدراسية التي تفرض علينا دراسة التاريخ والجغرافيا والأدب واللغة العربية فقط وتتجاهل بغباء تاريخي أي وجود لكل ما هو كردي, هي التي تؤدي إلى اغتراب عن الذات.
-المنفى وتأثيراته على هوية النص الكردي وإبرازه للوجود بروحه الكردية الموجوعة إن صحت التسمية ؟
حسب السنوات التي يقضيها كل واحد منا في المنفى والدائرة الاجتماعية والثقافية التي يتعامل معها. في السنوات الأولى يكون الحنين جارفاً والغربة مؤلمة, ربما كشكل للدفاع عن النفس نتيجة التفاجؤ بثقافة مختلفة كلياً, لدرجة تجعل كل شيء تركناه خلفنا أجمل مما كنا نحتمله ونحن هناك. في ما بعد يبدأ الواحد منا بالتعارف مع الثقافة التي يعيش معها وتحيط به وهو يتوقف عليه إن شاء أن يأخذ منها ويوسع آفاقه أو أن يصطدم بها ويرفضها. كل هذا ينعكس في نتاج كل أديب بشكل مختلف. أستطيع القول أنه وفي السنوات الأخيرة ظهر ما يمكننا تسميته بأدب المنفى باللغة الكردية. في حين ما زال البعض يرتكز في نتاجه على ال هناك والحنين إليه. هوية النص الكردي موجودة سواء هنا في المنفى أو في الوطن, التأثيرات مختلفة وبالتالي النتاج إلى حد ما. وأعتقد أن الأدباء الكرد تجاوزوا أو هم بصدد المحاولة للخلاص من موشح الوجع والبكاء والعويل إلى قصيدة أكثر نضجاً أدبياً وفكرياً وإنسانياً.
-الخارطة الكردية جغرافيا وثقافيا إلى أين تصل حدودها.؟
عن الخارطة الجغرافيا عليك أن تسأل جغرافياً أو على الأقل سياسياً. أما عن الثقافة فليس لها حدود, تعطي وتأخذ من كل ثقافات العالم.
-هل ثمة فرق بين تجربة شعراء الجزيرة ” الأكراد ” وباقي شعراء الكورد في المنافي ومن هم في اقليم كردستان ؟
بينهم هموم مشتركة, وبينهم أيضاً اختلافات, حسب الظروف والثقافات التي يعيشون ضمنها ويتفاعلون معها. وأيضا هنا ودائماً لكل شاعر خصوصيته, أو على الأقل يسعى إليها.
-ما رأيك في موضوع الحوار العربي الكردي وماذا يستفيد الكورد منه ؟
الحوار, وبين أية أطراف كان, فيه دائماً فائدة لكل الأطراف. في أي مجال سنتحاور؟ ما هو الهدف من الحوار؟ هل سنأتي الى الحوار بأحكام مسبقة أم منفتحين على الآخر؟
وقد يكون الحوار الكردي العربي البناء وسيلة لإزالة الكثير من المفاهيم والأحكام المسبقة التي نأخذها على بعضنا حتى دون تفكير كثير, نتيجة الثقافة الاستبدادية الممنهجة التي ربت فينا الخوف من الآخر والتعامل معه دائماً بحذر وكأنه عدو مفترض. ومن جهل شيئاً عاداه, ربما يتيح لنا الحوار أن نتعرف على بعضنا أكثر ونثق ببعضنا أكثر, لنستطيع التعايش معاً في عالم لا يستبد به الخوف. الكرد مطلعون على الثقافة العربية إلى حد معقول ويتابعونها. هل العرب من جهتهم مطلعون على الثقافة الكردية؟ ينتظر؟ ينتظر ماذا ؟ مطلوب منه أن يواصل انتاجه الإبداعي إذا كنت تقصد الأدباء هنا بصفة المثقف .
-ما هو المطلوب من المثقف الكردي إزاء الحالة العامة;أن يندمج أو يحاور أو ينتظر أم ماذا ؟ 
ينتظر؟ ينتظر ماذا ؟ مطلوب منه أن يواصل انتاجه الإبداعي إذا كنت تقصد الأدباء هنا بصفة المثقف الكردي الواردة في سؤالك. ومطلوب منه أن يحاور, يأخذ ويعطي كما هو منوط بكل مثقفي العالم. إذا كنت تقصد بأن يحاور المثقف العربي تحديداً فيجب أن يكون لدى العربي أيضاً ذات الاستعداد للحوار والأخذ والعطاء, فكل حوار يحتاج إلى طرفين على الأقل.

شاهد أيضاً

الموت يغيِّب حنا مينة

توفي اليوم الأديب والروائي السوري حنا مينه عن عمر ناهز 94 عاما، تاركا عشرات الروايات والقصص القصيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *